الجمعة 29 آب , 2025 11:59

موقع سويسري: هل مهمة أُنجزت؟ ليس تمامًا، ملحمة إيران النووية مستمرة!

الصواريخ الايرانية

يناقش الدكتور بوغدان ستويانوفيتش في هذا المقال الذي نشره موقع "Diplomacy" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، مسارات البرنامج النووي في الجمهورية الإسلامية في إيران، خاصةً بعد العدوان الإسرائيلي الأمريكي عليها. ويشير ستويانوفيتش الى حالة النفاق النووي التي يعيشها العالم، مفترضاً بأنه إذا كانت إيران تريد حقًا أن تضمن مظلة ردع نووي دفاعية، فإنه "سوف يتعيّن عليها في النهاية أن تعلن للعالم أنها كانت "تُخادع" طوال الوقت، وأنها أصبحت قوة نووية (كامنة على الأقل)".

النفاق النووي والمأزق الإيراني

عندما نشر كينيث والتز، مؤسس النظرية الواقعية البنيوية في العلاقات الدولية، مقالته المثيرة للجدل عام 2012 بعنوان: لماذا ينبغي أن تمتلك إيران القنبلة: التوازن النووي يعني الاستقرار. انقسم المجتمع الأكاديمي إلى معسكرين. الأول، وهو الذي ينتمي إليه والتز، رأى أن امتلاك إيران قنبلة نووية لن يشكل خطرًا أمنيًا بل سيكون أمرًا مرغوبًا، لأنه سيؤدي إلى خلق رادع عملي ضد إسرائيل (على غرار تجربة الردع المتبادل المؤكد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي). أما المعسكر الثاني فاعتبر أنه يجب منع إيران بأي ثمن من أن تصبح قوة نووية، محذّراً من أن مثل هذا التطور سيؤدي إلى إشعال صراع قد يتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط.

 

اليوم، لا يزال العالم منقسمًا سياسيًا على نفس المحور. الغرب الجماعي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل يصرّ على ضرورة إيقاف القنبلة الإيرانية بأي ثمن، فيما يرى جزء كبير من بقية دول العالم أن ملف إيران النووي لا يختلف عن أي حالة سابقة. لماذا يُسمح لدولة مثل فرنسا بامتلاك سلاح نووي، بينما يُحظر على إيران؟ ولماذا لا تتخلى الصين أو إسرائيل عن أسلحتها النووية؟ في العلاقات الدولية يوجد نوع من "النفاق النووي"، حيث يبدو أن بعض الدول مسموح لها بامتلاك الأسلحة النووية دون عوائق (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن)، بينما تُمنع دول أخرى بشكل صريح، بل وتصبح عرضة لتدخلات عسكرية، كما حدث في العراق وليبيا وسوريا وإيران.

من المهم التأكيد على أن إيران تنظر إلى السلاح النووي أساسًا كأداة دفاعية من الدرجة الأولى، تهدف إلى منع سيناريو تتحول فيه أراضيها إلى حقل تجارب للأسلحة الغربية، كما حصل في العراق المجاور. في المقابل، تنصّ "عقيدة بيغن" على أن إسرائيل يجب أن تمنع إيران من أن تصبح دولة نووية، حتى ولو تطلّب الأمر تدخلًا عسكريًا. إلا أن الواقع أظهر أن إسرائيل تخلّت فعليًا عن هذه العقيدة، لأن أي ضربة كان من الممكن أن توقف البرنامج النووي الإيراني كان يجب أن تُنفذ قبل سنوات (حوالي 2015). وبالتالي، لم يكن الهدف الجوهري البرنامج النووي نفسه، بل تغيير نظام الجمهورية الإسلامية، إذ لم تكن إيران في عهد الشاه عدوًا وجوديًا لإسرائيل. عملية "الأسد الصاعد"، وهو الاسم الذي أطلقته إسرائيل على ضربتها ضد إيران، جاءت لترمز إلى الصعود السياسي لابن رضا بهلوي المنفي، الذي كان خطابه العلني في تلك اللحظة ليس من قبيل المصادفة.

لكن، رغم النجاحات الإسرائيلية الأولية، حين جرى القضاء على معظم القيادة العسكرية الإيرانية تقريبًا، سرعان ما تبيّن أن الضربات الجوية وحدها لا يمكنها أن توقف أجهزة الطرد المركزي الإيرانية عن الدوران بأقصى طاقتها نحو الهدف النهائي. بل إن المعارضة الداخلية القوية للنظام في إيران ضعُفت بسبب التدخل الخارجي، ما عزّز التماسك الداخلي، لأن الأمة بأكملها باتت تحت الهجوم. وإيران في نهاية المطاف لا تختلف عن فرنسا أو كوريا الشمالية في امتلاكها القنبلة النووية، فالأمر كله مسألة إدراك: من ينظر إلى إيران نووية، عدو كإسرائيل أم دولة أخرى؟

 

لقد أثبت التاريخ أن الردع النووي يعمل في العلاقات الدولية تقريبًا كقانون، إذ لم يحدث أن خاضت دولتان نوويتان حربًا شاملة. المثال الأوضح هو النزاع المحدود الأخير بين الهند وباكستان، حيث تجنبت الدولتان، رغم امتلاكهما السلاح النووي، أي تصعيد إضافي، لعلمهما أن حربًا كهذه لن يكون لها أي منتصر. وعلى هذه النقطة، يوجد إجماع عالمي نادر: لا يوجد منتصر في حرب نووية. وإيران، مثل أي فاعل عقلاني، لن تكون أول من يطلق ضربة نووية إذا كان ذلك سيعني تدمير طهران.

أين تقف إيران فعليًا على المسرح النووي؟

من اللافت أن الطموحات النووية الإيرانية تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية، حين كانت الولايات المتحدة نفسها تساعد إيران في مجال التكنولوجيا النووية. ففي عام 1967، زوّدت واشنطن إيران بمفاعل أبحاث نووي إلى جانب يورانيوم عالي التخصيب (HEU). أي أن إيران، التي كانت حينها حليفًا وثيقًا لأمريكا، تلقت من الولايات المتحدة مباشرة يورانيوم يصلح لصناعة الأسلحة.

وبعد نحو 6 عقود، تُقصف إيران بسبب امتلاكها نفس اليورانيوم عالي التخصيب. فقد كان من المفترض أن تُنقذ قاذفات B-2 الأمريكية وجه إسرائيل وتوفّر مخرجًا من حرب ضد بلد تبلغ مساحته أكبر من ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا مجتمعة. وبعد الضربات الأمريكية باستخدام قنابل خارقة للتحصينات، أعلن دونالد ترامب بانتصار أن بلاده "أبادت بالكامل" منشآت إيران النووية لتخصيب اليورانيوم. لكن سرعان ما كشفت تقييمات وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA) رواية مختلفة تمامًا: أن الضربات لم تدمر البرنامج النووي الإيراني، بل أرجعته بضعة أشهر فقط. وأُقيل مدير الوكالة، الجنرال جيفري كروز، بعد تسريب هذه التقييمات التي ناقضت ادعاءات ترامب السياسية والتسويقية بالنصر الكامل.

الآثار الحقيقية للضربات الأمريكية قد لا تُعرف بالكامل أبدًا، ربما لأن من مصلحة إيران أن يصدق العالم أن طموحاتها النووية توقفت. وفي الوقت نفسه، كان ترامب، الطامح إلى جائزة نوبل للسلام، حريصًا على إبقاء السردية (على الورق على الأقل) بأن منشآت إيران "ستظل مدمّرة" حتى نهاية ولايته. وحتى لو لحقت أضرار بأجهزة الطرد المركزي، فإن إيران كانت تملك بالفعل ما يكفي لصناعة عدة "قنابل قذرة". ومنذ عام 2012، كان بنيامين نتنياهو يرسم "خطوطًا حمراء"، محذرًا من أنه بعدها لن يكون بالإمكان وقف الطموحات النووية الإيرانية. لقد مرّ ثلاثة عشر عامًا منذ ذلك، وإيران لم تتوقف عن التقدّم إلا في الفترة 2015–2020 حين علّقت أنشطتها مؤقتًا بموجب الاتفاق النووي (JCPOA).

من الجدير التذكير بأن المبعوث الأمريكي الخاص لإيران روب مالي قال في كانون الأول / ديسمبر 2021 إن إيران ستصبح قوة نووية "في غضون أسابيع" إذا واصلت مسارها الحالي. وفي تموز / يوليو 2024، صرّح وزير الخارجية أنتوني بلينكن بأن إيران ستكون لديها مادة كافية لصنع قنبلة نووية "خلال أسبوع أو أسبوعين على الأرجح".

وبحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيار / مايو 2025، بلغ مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% حوالي 408.6 كغ. وكل فيزيائي يعلم أن تحويل اليورانيوم من 60% إلى مستوى الأسلحة (أكثر من 90%) عملية تقنية بسيطة نسبيًا، إذ يمكن تحويل هذا المخزون في أقل من ثلاثة أسابيع إلى مادة تكفي لصناعة عدة قنابل نووية، بينما إنتاج كمية تكفي لقنبلة واحدة لن يستغرق أكثر من 3 أيام! السر يكمن في أن التخصيب باستخدام سلاسل أجهزة الطرد المركزي يكون أصعب ما يكون في البداية، عندما تكون نسبة نظير U-235 ضئيلة، وليس في المراحل اللاحقة.

كانت إسرائيل تدرك ذلك جيدًا، ومع ذلك لم تنفذ ضربتها إلا في 13 حزيران / يونيو 2025، أي بعد فوات الأوان. فالهدف من الهجوم لم يكن تدمير البرنامج النووي نفسه، إذ يستحيل تدمير مواد انشطارية يمكن وضعها في صندوق سيارة، بل كان الهدف الحقيقي هو زعزعة الاستقرار والسعي نحو تغيير النظام. إذ لم يكن بوسع أي حملة جوية إسرائيلية أن تدمر مخزون إيران من المواد النووية المؤمّنة بالفعل.

مستقبل الدبلوماسية النووية

إن الحجة الأمريكية حول "تدمير" البرنامج النووي الإيراني ساذجة، بقدر سذاجة ادعاء إيران أن برنامجها ذو طبيعة مدنية بحتة. فقد حاولت طهران بالفعل إخفاء البُعد العسكري لأنشطتها النووية. لكن من الواضح نسبيًا أن الهدف النهائي لإيران ليس بالضرورة تصنيع القنبلة فورًا، وإنما امتلاك القدرة على إنتاجها في أقصر وقت ممكن عند الحاجة (ما يوصف عادة بـ "الترسانة النووية الكامنة").

تُشغّل إيران محطة بوشهر النووية لإنتاج الكهرباء، حيث تشتري وقودها من روسيا. ومن الناحية الاقتصادية والعقلانية، لا يوجد مبرر حقيقي لتطوير دورة وقود مستقلة من أجل مفاعل واحد فقط. فذلك أشبه ببناء محطة وقود خاصة لأنك اشتريت سيارة جديدة. كما أنه لا يوجد أي استخدام مدني مبرر لإنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 60%، خصوصًا بكميات تصل إلى مئات الكيلوغرامات.

أما بالنسبة للمفاوضات اللاحقة، فهي قد تخدم أغراضًا عديدة، لكن إيران أدركت أن التخلي عن خيار السلاح النووي لن يجلب سوى المزيد من الهجمات في المستقبل. ولم يعد لدى طهران أي إيمان بالتفاوض، وليس ذلك من دون سبب. الدليل الأبرز كان الضربة الإسرائيلية عشية الجولة السادسة من المحادثات في عُمان، والتي قُتل خلالها كبير المفاوضين الإيرانيين علي شمخاني (أخطأ الكاتب فقد نجا الأدميرال شمخاني وظهر خلال تشييع الشهداء القادة الذين ارتقوا خلال العدوان). وقبلها، في عام 2015، كانت إيران قد وافقت على اتفاق (رغم عيوبه الكبيرة)، إلا أن الولايات المتحدة انسحبت منه بشكل أحادي، تبعها موجة جديدة من العقوبات واغتيال الجنرال قاسم سليماني.

خلصت إيران منذ ذلك الحين إلى أن طريق بقائها الوحيد هو التوازن الحذر على حافة التسلح النووي، بحيث تظل دائمًا "على بُعد شعرة" من امتلاك السلاح، قريبة بما يكفي لتحقيق الردع، لكن من دون استفزاز تركيا أو مصر أو السعودية إلى الدخول في سباق تسلح نووي.

ومنذ تموز / يوليو 2025، لم يعد لدى مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية "عيون وآذان" داخل إيران، ما يعني أن طهران كان يمكن أن تبدأ تصنيع الأسلحة النووية منذ شهرين تقريبًا. إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي والضربة الإسرائيلية الأخيرة لم يُوقفا برنامج إيران النووي، بل تركاه من دون إشراف دولي ومن دون أي اتفاق رسمي. وقد صرّح اللواء يحيى رحيم صفوي، القائد السابق في الحرس الثوري:

"نحن لسنا في هدنة، نحن في مرحلة حرب. لا بروتوكول ولا اتفاق ولا تنظيم كُتب بيننا وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل".

وفي تلميح إلى احتمال الردع النووي الإيراني في المستقبل، أضاف صفوي:

"أعتقد أن حربًا أخرى قد تقع، وبعدها ربما لا تقع حروب أخرى".

المشهد المقبل: هدنة لا سلام

ستمضي إيران الآن في تعزيز مكوّنها النووي، مع تركيزها على تأمين القدرة الكامنة لإنتاج سلاح في المدى القصير. نحن أمام هدنة، لا سلام دائم. وستبقى القضية الفلسطينية نقطة ارتكاز أساسية، فيما ستستمر إيران – العدو رقم واحد لإسرائيل – هدفًا لمحاولات التخريب، وزعزعة الاستقرار، والهجمات السيبرانية، وربما صراع محدود آخر. وكما يُقال: "الانتشار يولّد الانتشار"، فغالبًا ما سيدفع الملف الإيراني قوى إقليمية أخرى إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية خاصة بها.

في الأثناء، سيحرص ترامب على الحفاظ على هذه الهدنة حتى نهاية ولايته ليحمي إرثه كـ "صانع سلام" في الشرق الأوسط، في إشارة إلى "اتفاقات أبراهام" التي دفع بها في ولايته الأولى، مع توقعات بانضمام السعودية وسوريا كأطراف جديدة إليها.

معضلة الردع الإيراني

المفارقة أن القيمة الأكبر للأسلحة النووية تكمن في قدرتها على ردع العدو. لكن من أجل أن ينجح الردع، يجب أن يكون الخصم مقتنعًا بوجود تهديد نووي حقيقي. فإذا أخفت إيران البعد العسكري لبرنامجها، فإنها تخاطر بفقدان المصداقية في التواصل الاستراتيجي، لأن الخصم قد لا يُدرك أنه يواجه قوة نووية.

أما إسرائيل فالوضع مختلف قليلًا؛ فهي لم تؤكد يومًا امتلاكها أسلحة نووية، لكنها أيضًا لم تنفِ. وإذا كانت إيران تريد حقًا أن تضمن مظلة ردع نووي دفاعية، فسوف يتعيّن عليها في النهاية أن تعلن للعالم أنها كانت "تخادع" طوال الوقت، وأنها أصبحت قوة نووية (كامنة على الأقل).

كيف يعمل الردع النووي عمليًا؟ ربما أفضل من يُسأل عن ذلك هو كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، الدولة التي لم تتعرض يومًا لضربة عسكرية، رغم رغبة الكثيرين في الغرب برؤية الطائرات الأمريكية تقصف بيونغ يانغ.

الخاتمة

أختم هذه القراءة بحكاية طريفة: حين جادل كولن باول عام 2003 بضرورة ضرب العراق وسُئل في مجلس الوزراء عن السبب، أجاب:

"لأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل".

لكن عندما طُرح عليه السؤال: "ولماذا إذن لا نهاجم كوريا الشمالية؟" كان جوابه بسيطًا:

"لأن لديهم أسلحة دمار شامل!".


المصدر: موقع Diplomacy السويسري

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور