الثلاثاء 28 كانون الاول , 2021

معهد إسرائيلي: سياسة واشنطن تضعف نفوذها أمام إيران

يحتل الخلاف ما بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الاسرائيلي على عدد من القضايا والملفات مساحة واسعة من النقاش ضمن الأوساط الإسرائيلية-الأميركية، خاصة فيما يتعلق بالعودة إلى الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية، إضافة لتعاطي الإدارة الأميركية مع الساحة الفلسطينية وتزايد العمليات فيها ضد المستوطنين وقوات الاحتلال وما يحمله ذلك من دلالات، مع ارتفاع احتمال نشوب انتفاضة مع الوقت حسب مسؤولين إسرائيليين. توازياً مع ذلك، تبرز دعوات لتخفيف التصريحات العلنية وهذا الخلاف الذي بات يتصدر الاهتمام الدولي.

معهد السياسة والاستراتيجية الإسرائيلي أشار إلى انه "على "إسرائيل" أن تمتنع عن نشر الخلافات التي تظهر في الحوار الاستراتيجي الجاري مع كبار رجالات الإدارة الأمريكية، وأن تقلص الخطاب العلني في موضوع المعركة ضد النووي الإيراني من جانب المسؤولين في "إسرائيل"؛ لأن التسريبات تضعضع الثقة الأمريكية، وتمس بالموقف الإسرائيلي، وبقدرة تأثيره على سياق اتخاذ القرارات في واشنطن". معتبراً ان "غياب استراتيجية إقليمية أمريكية شاملة، وسياسة التجلد تجاه الأعمال الإيرانية المباشرة ضد المصالح والأهداف الأمريكية، يضعف مكانة الولايات المتحدة ويستوجب من دول المنطقة إعادة تصميم سياستها الإقليمية حيال إيران"

التقرير المترجم:

إسرائيل الآن أمام مفترق طرق استراتيجي في ضوء المفاوضات التي تراوح مكانها بين إيران والقوى العظمى، والحاجة إلى وقف التقدم الإيراني في المشروع النووي. في هذا الإطار، يشكّل التنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة عنصراً حرجاً للتأثير على صياغة الاتفاق المستقبلي. التركيز والجهد الفاعل ضد التهديد الإيراني يستوجب من "إسرائيل" أن تدير خطواتها في الساحة الفلسطينية والشمالية بشكل حذر، وأن تُبقي فيهما على هدوء نسبي كي تمنع المَس بالفعل وبالاهتمام في الموضوع النووي.

محادثات النووي خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء

جولة المحادثات التي انتهت في فيينا عقب قرار الفريق الإيراني العودة للتشاور مع طهران لاقت انتقاداً علنياً من المندوبين الأوروبيين والمسؤولين الأمريكيين الذين شددوا على أن الزمن ينفد للوصول إلى صفقة في ضوء التقدم الإيراني السريع للبرنامج النووي. وأظهرت المفاوضات تقدماً ما، بموافقة الطرفين على الأجندة ومسائل البحث في المفاوضات، وكذا الاستعداد الإيراني المبدئي لاستبدال كاميرات الوكالة الدولية في مصنع داخل مدينة "كرج"، حيث تنتج عناصر لأجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. أزالت إيران الكاميرات من الموقع في حزيران الماضي بعد عملية تخريب تمت ونسبت لإسرائيل، ومع ذلك، اختفت منشأة تخزين إحدى الكاميرات، ولا يسمح للوكالة بالتأكد من استئناف المصنع لأعماله ابتداء من حزيران.

بقيت الفجوات بين الطرفين عميقة وكبيرة، وواصلت القيادة الإيرانية مطالبها برفع كل العقوبات والعودة إلى الاتفاق الأصلي في 2015 مع تلقي ضمانات من واشنطن بعدم الخروج من الاتفاق مرة أخرى. وتترجم الولايات المتحدة وأوروبا النهج الإيراني كتعبير عن عدم الجدية والتسويف في ضوء رفض الاعتراف بالتقدم المتحقق في جولة المحادثات السابقة. وحتى الآن، ثمة تقدير باستئناف المحادثات مع نهاية العام (27 كانون الأول) غير أن هناك فهماً بأن قدرة الجسر بين مواقف الطرفين متدنية في ضوء الفوارق الجوهرية والمبدئية.

تمارس الولايات المتحدة ضغطاً على إيران للعودة إلى الاتفاق النووي، وتؤشر على وجود خيارات أخرى غير المسار الدبلوماسي. وفي هذا الإطار، سرب موظفون كبار من وزارة الخارجية الأمريكية بأن الرئيس بايدن طلب قبل نحو شهرين من مستشار الأمن القومي جاك ساليبان مراجعة خطط البنتاغون لعمل عسكري في حالة فشل الجهد الدبلوماسي. وفي إطار زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى واشنطن مع نظيره الأمريكي (كانون الأول 2021) نشر أنه بحثت مخططات هجومية مشتركة على مواقع النووي الإيراني في حالة فشل الجهد الدبلوماسي.

وأضاف موظفون كبار بأن واشنطن تفحص كيف يمكن تشديد العقوبات على إيران. وصل وفد أمريكي برئاسة مسؤولين من وزارة المالية الأمريكية، إلى الإمارات لفحص ما إذا لم تكن البنوك المحلية تخرق العقوبات على إيران. وأوضحت وزارة المالية الأمريكية بأنها لن تتردد في فرض العقوبات على البنوك في الإمارات إذا تبين أنها تخرق العقوبات. وتستهدف هذه الخطوات إطلاق رسالة تصميم لإيران بأن الزمن ينفد، وأن عليها أن تبدي استعداداً حقيقياً للتقدم في المفاوضات في ضوء الأثمان المحتملة – الاقتصادية والعسكرية.

يعارض الموقف الإسرائيلي القناة الدبلوماسية التي يعتبرها "ابتزازاً نووياً" إيرانياً، ويدعو واشنطن لتشديد العقوبات والاستعداد لممارسة الخيار العسكري. كما أن إسرائيل تخشى من اتفاق انتقالي يتحقق في فيينا، ثم تُجمد في إطاره أجزاء من البرنامج النووي مقابل تجنيد جزء من العقوبات. ومع أن المسؤولين الأمريكيين نفوا هذا الاقتراح، ولكن ثمة تخوف إسرائيلي من عودة الاقتراح إلى طاولة المفاوضات. ويكرر المسؤولون الإسرائيليون الرسالة بأن "إسرائيل" تستعد لعملية عسكرية مستقلة وقت الحاجة، وأن "إسرائيل" لن تقبل واقعاً من النووي الإيراني.

كررت الولايات المتحدة التزامها بأمن "إسرائيل"، ولكن نهجها من المشروع النووي الإيراني يختلف في أساسه عن نهج "إسرائيل". فقد أشار مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك ساليبان إلى أن واشنطن قلقة من تقدم إيران السريع في المشروع النووي، بل وأعرب مسؤول أمريكي عن تخوف الإدارة من زمن انطلاق سريع نسبياً لإيران نحو السلاح النووي. فهل ما ينشره الأمريكيون عن "خيارات أخرى" تستهدف إرضاء "إسرائيل" وحمل إيران على قبول حلول وسط في المفاوضات ولكنها لا تعبر عن استعداد أمريكي لممارسة القوة العسكرية خوفاً من الانجرار إلى معركة أخرى في الشرق الأوسط؟

الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط

يتركز الاهتمام العالمي على أزمة أوكرانيا، التي تفحص تصميم وقدرة الردع التي لدى الولايات المتحدة والناتو في مواجهة خطوات عدوانية من جانب روسيا. لأزمة أوكرانيا تأثيرات على النظام العالمي، وعلى بث القوة العظمى الأمريكية في الشرق الأوسط. نجاح الاستراتيجية الروسية في أوكرانيا سيؤثر على سلوك اللاعبين في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران.

إن سياسة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط هي تحديد أهداف متواضعة قابلة للتحقق، في ظل استخدام أدوات دبلوماسية والامتناع عن أدوات عسكرية قد تجر واشنطن إلى معركة أخرى في الشرق الأوسط. هذه السياسة تضعف الردع والنفوذ الأمريكي، وتثير التساؤلات في العالم العربي عن قوة السند الاستراتيجي في ضوء التحدي الإيراني، وتؤدي ببعض اللاعبين السُنة إلى تعزيز العلاقات الثنائية مع طهران.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب استراتيجية إقليمية أمريكية شاملة، وسياسة التجلد تجاه الأعمال الإيرانية المباشرة ضد المصالح والأهداف الأمريكية، يضعف مكانة الولايات المتحدة ويستوجب من دول المنطقة إعادة تصميم سياستها الإقليمية حيال إيران. وهجوم الميليشيات الإيرانية على القاعدة الأمريكية في التنف (تشرين الأول 2021)، إلى جانب محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق (تشرين الثاني 2021)، يجسدان الاستعداد الإيراني لأخذ المخاطر في ضوء الفهم بأن الولايات المتحدة لا تسعى للانجرار إلى تصعيد إقليمي.

المسألة الفلسطينية: احتكاك متصاعد مع واشنطن؟

تصدرت المسألة الفلسطينية رأس جدول الأعمال الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة، بسبب تعاظم "إرهاب الأفراد"، والكشف عن شبكة إرهاب لحماس في الضفة إلى جانب التقدم في التسوية في قطاع غزة.

في هذا الإطار، ثمة تخوف من تصعيد واسع عقب ميل عمليات "الأفراد" المتصاعد في الفترة الأخيرة داخل القدس والضفة، وبسبب ضعف السلطة الفلسطينية في فرض النظام والحوكمة. لا تنجح محاولات حماس المتكررة لإشعال الضفة حتى الآن، رغم التأييد الواسع الذي تحظى به الحركة من الجمهور الفلسطيني، لكن سياقات بناء القوة لدى المنظمة في الساحة مستمرة، وهذا ما بينه الكشف عن شبكة الإرهاب الكبيرة التي مولها وأدارها صالح العاروري في تشرين الثاني الماضي.

بالتوازي وبشكل متناقض، تتقدم جهود التسوية بين حماس و"إسرائيل" في قطاع غزة في ضوء سياسة التسهيلات الواسعة التي تقوم بها إسرائيل، والتي تعبر عن نفسها بإدخال البضائع إلى القطاع من معبر كرم أبو سالم، وزيادة عدد العمال إلى 10 آلاف، ونقل المنح المالية من قطر، بما في ذلك ترتيب مسألة دفع رواتب الموظفين في صفقة دائرية مع مصر وغيرها. ورغم سياسة تعزيز السلطة الفلسطينية التي أعلن عنها وزير الدفاع، فإن خطوات "إسرائيل" لا تعزز عملياً إلا مكانة حماس في قطاع غزة، وتمنحها الفرصة لإعادة بناء نفسها، بل وتعظم قوتها العسكرية استعداداً للمعركة التالية.

إن زيارة نائبة وزير الخارجية، فكتوريا نولند، إلى "إسرائيل" وإلى السلطة الفلسطينية جسدت الفجوات القائمة بين الإدارة الأمريكية وحكومة "إسرائيل" بالنسبة للمسألة الفلسطينية. فقد شددت نولند على أن الولايات المتحدة مصممة على فتح القنصلية الأمريكية للفلسطينيين في القدس، وأن الأمر على رأس سلم أولويات الإدارة في ضوء رغبة في العودة إلى سياسة الوضع الراهن التقليدية. في اللقاء الذي عقدته مع أبو مازن وفي سلسلة مقابلات صحافية، شددت على رغبة الإدارة في استئناف العلاقات مع السلطة، إزاء مسألة المستوطنات وتأييد حل الدولتين.

إن عدم التوافق بين القيادتين حول المسألة الفلسطينية قد يؤدي إلى أزمة في العلاقات، في ضوء التزام الإدارة الأصيل، وسياسة الحكومة الإسرائيلية التي لا تنسجم مع سياسة واشنطن. إضافة إلى ذلك، فإن وصول نولند إلى المنطقة وتصريحاتها تؤشر إلى أن واشنطن أنهت مرحلة الحذر والانتظار التي ميزتها حتى إقرار الميزانية في "إسرائيل"، وأنها ستبدي من الآن فصاعداً نهجاً متصلباً أكثر إزاء الموضوع الفلسطيني، ولا سيما بالنسبة لاستمرار البناء في الضفة. أما موضوع القنصلية الأمريكية التي أوضحت نولند بأن الإدارة ملتزمة بفتحها من جديد، فمن شأنه هو أيضاً أن يصبح حجر عثرة بين "إسرائيل" وواشنطن، على المدى الزمني القريب.

التوصيات:

يجب تعزيز التنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة لتثبيت التأثير الإسرائيلي على المفاوضات في فيينا، وتأكيد التزام واشنطن ببناء القوة الإسرائيلية، وتطوير رد شامل (عسكري واقتصادي) لتشديد الضغط على إيران في سيناريو يفشل فيه الجهد الدبلوماسي.

على "إسرائيل" أن تمتنع عن نشر الخلافات التي تظهر في الحوار الاستراتيجي الجاري مع كبار رجالات الإدارة الأمريكية، وأن تقلص الخطاب العلني في موضوع المعركة ضد النووي الإيراني من جانب المسؤولين في "إسرائيل"؛ لأن التسريبات تضعضع الثقة الأمريكية وتمس بالموقف الإسرائيلي وبقدرة تأثيره على سياق اتخاذ القرارات في واشنطن.

على "إسرائيل" أن تسعى للتوقيع على اتفاق نووي جديد وفاعل يعطي جواباً لكل الجوانب المتعلقة بوقف التقدم في النووي وتمديد زمن الاختراق له. هذا الاتفاق سيعطي جواباً لاحتياجات "إسرائيل" الأمنية واحتياجات الساحة الإقليمية والدولية، في ضوء الآثار الخطيرة وبعيدة المدى لإيران نووية على المنطقة والعالم.

بالتوازي، على "إسرائيل" أن تستثمر في بناء قوة متسارعة لتطوير جواب عسكري مصداق على تحدي المشروع النووي الإيراني. فتعزيز الأهلية والجاهزية العملياتية سيعزز الردع الإسرائيلي، ويثبت قدرة مستقلة بعيدة المدى ليوم الأمر.

"عيون على الرصاصة": تستوجب المسألة الفلسطينية استراتيجية شاملة في ظل مراعاة الموقف الأمريكي والامتناع عن الاحتكاك الزائد في ضوء الحاجة إلى تركيز الجهود على إيران. أي أزمة في العلاقات قد تتطور بسبب المسألة الفلسطينية، فتمس بالتنسيق الاستراتيجي وبعلاقات الثقة بين الدولتين، ولهذه أيضاً آثار على المفاوضات مع إيران.


المصدر: معهد السياسة والاستراتيجية

الكاتب: خبراء معهد السياسة والاستراتيجية