الأحد 24 تشرين أول , 2021

أمريكا تُبقي على "داعش" كورقة لزعزعة المنطقة

تأثير المنظمات المتطرفة على الأمن القومي العربي ـ داعش أنموذجاً

لا شك أن تنظيم "داعش" الارهابي الوهابي انتهى كمشروع في المنطقة العربية، بعد أن استطاعت سوريا والعراق بالتظافر مع إيران وقوى المقاومة محاربته، وكسر ما كان يحضر للمنطقة العربية بأكملها تحت مسمى "دولة الخلافة"، إلا أن ذلك لا يعني أن "داعش" انتهت كأداة وذراع تستخدمها واشنطن وأجهزة استخبارات عربية وإقليمية كتركيا من أجل تنفيذ مشاريع سياسية ومصالح وأهداف في ساحات مختلفة، وكما انطلق تنظيم "القاعدة" ومن ثم "داعش" من رحم ما صنعته واشنطن في أفغانستان إبان الإحتلال السوفياتي لها تحت مسمى "الأفغان العرب" فإنها تعود اليوم لتستخدمها في هذه الدولة بعد إنسحابها منها.

لقد وضعت اللّبنات الأولى لنشوء هذه التّنظيمات في أفغانستان، التّي شكّلت محطّةً تاريخيّةً بالنسبة إلى "الجهاد العالميّ"، بدعمٍ أميركيٍّ لمحاربة الاتّحاد السّوفياتيّ، وقد أشارت وزيرة الخارجيّة الأميركية السابقة هيلاري كلينتون إلى هذا الأمر، معتبرةً أنّ بلادها تقف خلف نشوء "داعش" ولو بطريقةٍ غير مباشرةٍ، فـ "واشنطن" هي التّي دعمت هؤلاء في أفغانستان لمحاربة الاتّحاد السّوفياتيّ، حيث قالت "إنّ الّذين نقاتلهم اليوم نحن أوجدناهم منذ عشرين عاماً، وفعلنا ذلك لأنّنا كنّا عالقين في نضالٍ ضدّ الاتحاد السّوفياتيّ، الذّي قام بغزو أفغانستان، ونحن لا نريد أن نراه يُسيّطر على آسيا الوسطى، وقالوا "دعونا نتعامل مع المجاهدين ودعوهم يأتوا من السّعوديّة ومن كلّ مكانٍ، واستوردوا هذه الصيغة الوهابيّة للإسلام، بحيث نستطيع التفوّق على الاتّحاد السّوفياتيّ".

 وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال حملته الانتخابية، أنّ الرّئيس الأميركيّ السّابق باراك أوباما هو مؤسّس "داعش"، مضيفاً أنّ التّنظيم يُكنّ له الاحترام".  كذلك قال "ديفيد كيلكولن" - الّذي كان مُستشاراً سابقاً لكلٍّ من الجنرال "ديفيد بيترايوس" ووزيرة الخارجية السّابقة "كوندوليزا رايس" – في تصريحٍ له في آذار/ مارس 2011، "علينا أن ندرك أنّ الكثير من المشاكل هي من صُنعنا، ولا يمكن أن نُنكر أنّ "داعش" لم يكن ليوجد لو لم نكن قد غزونا العراق."  

لقد شكّل توسّع "داعش" في العراق فرصةً كبرى، أمام الإدارة الأميركيّة لتوسيع نفوذها العسّكريّ فيه، تحت غطاء التّحالف الدّوليّ، ما يحقّق استراتيجيتها في محاصرة إيران والوقوف بوجه توسع نفوذها فيه خاصةً أن العراقيين استعانوا بها في حربهم ضد "داعش"، كما استفادة واشنطن من الربط بين الحدود العراقيّة والحدود السّوريّة عبر شرق الفرات وانتشار قوّاتها في هذه المنطقة الاستراتيجيّة التّي تربط بين البلدين، وتمنع من إعادة التقاء الجيشين السّوريّ والعراقيّ والقوّات الحليفة لهما، فضلاً عن أن عين واشنطن ـ التّي يربطها اتفاقات اقتصاديّة مع العراق ـ على آبار النّفط العراقيّة، وبالتّالي فإنّ وجود قوّاتها في شمال العراق يجعلها أقرب من هذه الآبار التّي لن تسمح لأحد بالسيّطرة عليها. 

وعليه يمكن القول، أنّ التّنظيم شكّل أداةً لخدمة مصالح واشنطن في العراق بعد الانسحاب منه، عبر العودة للعمل فيه تحت غطاء التّحالف الدّوليّ، الذّي سارت شكوك حول دوره في العراق.
ما تقدم يمكن الرجوع له في كتابنا تحت عنوان "تأثير المنظمات المتطرفة على الأمن القومي العربي ـ داعش أنموذجاً" الصادر عن دار آثر للنشر والتوزيع، والذي هو في الأساس أطروحة دكتوراه، يعالج إشكالية تأثير التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم داعش، على الأمن القومي العربي، فيتطرق إلى البحث في أفكار الجماعات الإرهابية وما يقوم عليه فكر تنظيم داعش، كما ويعمّق البحث حول هذه الجماعات، فضلًا عن تبيين التهديدات التي خلّفها داعش على الأمن القومي العربي، ويتطرق إلى الدور الذي لعبته دولٌ عربية في دعم هذه التنظيمات بشكل مباشر أو غير مباشر، مبيّنًا حقيقة الدورَين السعودي والقطري في دعمها، وفقاً لوجهة نظر الكاتب.

«تأثير المنظمات المتطرّفة على الأمن القومي العربي» عنوان يتّسع للكثير من الإشكاليات المتعلقة بالتهديد الذي نعيشه في البلاد العربية بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة: المنظمات التكفيرية الإرهابية وعلى رأسها «داعش» التي لا تنحصر خطورتها في جناحها العسكري أو المسلّح، بل تتعدّاه إلى ما هو ربّما أشدّ خطراً على مفهوم الأمن القومي العربي. 

ظهور تنظيم «داعش» الحديث نسبياً، شكّل موضوع دراسة بالنسبة إلى العديد من الباحثين العرب والأجانب، إلا أنّ المكتبة العربية لا تزال فقيرة إلى حدّ ما بالدراسات الموضوعية والعلمية التي تقيّم الحالة الداعشية وسائر المنظمات المتطرفة وتحدّد مخاطرها وتتحدث عن المواجهة معها في سوريا والعراق تحديداً، وتسعى إلى تقديم حلول ووسائل مواجهة ناجعة لردّ الخطر الذي يمثله الفكر الإرهابي التكفيري المتطرف بكل تشكيلاته وتنظيماته، ولا سيّما تنظيم «داعش». وبالتالي، فإن الإضافة التي يمكن ونأمل أن يحقّقها هذا الكتاب هي في كونه يتناول الموضوع بكل إشكالياته عبر الاعتماد على مناهج بحثية مختلفة ومتكاملة ليقدّم دراسة تتعلّق بمصير الأمة العربية التي نشكّل جزءاً منها. كما يمكن أن يضيف إلى حقل العلاقات الدولية مادةً علميةً تفيد في تشخيص التحديات التي يواجهها العرب في إطار وجوب إقامة منظومة للأمن القومي العربي، مع تحديد مكامن الضعف التي تعيق تحقيق هذه المنظومة وإظهار تأثير الأفكار التكفيرية المتطرفة عليها، وعلى الأمن القومي العربي كمفهوم.

بنينا دراستنا هذه على فرضية أساسية هي تأثير المنظمات المتطرفة على الأمن القومي العربي، ولا سيّما مع استغلال الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها لتأثير هذه المنظمات بحيث تسهّل عليها فرض سياسات تصبّ في مصلحتها في منطقة الشرق الأوسط... وانطلاقاً من هذه الفرضية، تُطرح فرضيتان فرعيتان: الأولى تقول بأن التهديدات الإرهابية للدول العربية حالت دون تحقيق الأمن القومي العربي عبر الدور الذي قامت به التنظيمات المتطرفة في تفتيت الدول وأمنها واستقرارها. أما الثانية فتقول بأن تمدّد تنظيم «داعش» يهدّد سيادة الدول العربية ويقضم من أراضيها.

وتؤدي هذه الفرضيات حكماً إلى معالجة العديد من الأسئلة والإشكاليات المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة: منها ما يتعلق مباشرة بهذه التنظيمات وأسسها الفكرية واستراتيجياتها والتهديدات التي تشكّلها على الأمن القومي العربي، ومنها ما يتعلّق بالأطراف التي أدّت دوراً أساسياً في دعم هذه التنظيمات أو أفادت منها لتحقيق غاياتها في المنطقة، ومنها ما يدرس دور التنظيمات الإقليمية والدول العربية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي في مواجهة هذه التنظيمات... وكذلك، يعالج الكتاب كيفية انتهاك سيادة الدول العربية في هذه المواجهة وكيف استفادت «إسرائيل» وتركيا منها، وصولاً إلى معالجة الأزمة السورية التي نقلت الدولة من حال الاستقرار إلى حالة الأمن المتزعزع والمهدد، وقد حوّلت الساحة السورية إلى موقع تخوض فيه القوى العظمى حرباً بالوكالة في ما بينها... كما خاض الكتاب في تفاصيل المواجهة مع التنظيمات المتطرفة في سوريا والمشاركة الفاعلة للجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها ودورها في تحقيق صمود سوريا ومحاربة هذه التنظيمات.

«تأثير المنظمات المتطرفة على الأمن القومي العربي/ داعش أنموذجاً» كتاب يخوض في تفاصيل أحد المواضيع الأكثر حضوراً في تاريخنا المعاصر، ويدرس صعود التنظيمات المتطرفة في العالم العربي واستراتيجياتها، من نشأة السلفية كفكر متطرّف إلى نشأة تنظيم «داعش»، مروراً بالسلفية الجهادية بين تنظيم «القاعدة» والوهابية... كما يخوض في واقع الأمن العربي ومفهومه والتهديدات المحدقة به وخطورة «داعش» عليه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالتالي، يشكّل الكتاب مرجعاً أساسياً في التحليل السياسي والتاريخي المتعلق بالإرهاب والتطرّف أو بفكرة الأمن القومي وتحقيقها، ويضع حجر أساس متيناً لبناء الجدار المعرفي المتعلّق بكلّ أشكال ووجوه التنظيمات التكفيرية التي لم يكن قد جرى تناولها إلّا لجهة خطرها كتنظيمات مسلّحة قاتلة نظراً إلى طغيان حضور هذا الجانب فيها لفرط وحشيتها، وصعوبة مناقشة مفاهيمها وأفكارها بدون خوض نقاش عقائدي ديني يفصّل جذورها بشكل علميّ ومنهجي.


المصدر: كتاب "تأثير المنظمات المتطرفة على الأمن القومي العربي ـ داعش أنموذجاً"

الكاتب: د.علي مطر