السبت 25 آذار , 2023 01:27

خيارات واشنطن القاتمة في سوريا: لا قدرة على تحقيق الردع!

الانسحاب الأميركي من سوريا

جملتان اثنتان كانتا بمثابة محددات السياسة الأميركية في سوريا. حيث تولّى تصريح الرئيس الأميركي جو بايدن من أوتاوا، مهمة التأكيد على ان "الولايات المتحدة لا تسعى إلى صراع مع إيران"، ليرفقها مباشرة بـ "لا تخطئن الظن، إنها مستعدة للعمل بقوة لحماية شعبها". يدرك بايدن ان سقوط قتلى في صفوف قواته للمرة الأولى، ليس بالأمر الذي يمكن التغاضي عنه، وهو ينظر إلى الحضور الإيراني في سوريا بعين إسرائيلية. إلا ان الحقيقة التي أتت على لسان قائد القيادة المركزية، الجنرال مايكل كوريلا، بأنه قد تم تنفيذ 78 هجوماً ضد الأميركيين منذ تشرين الثاني/يناير عام 2021، تفرض واقعاً يُنبئ بأن جدوى بقاء القوات الأميركية في الشمال السوري أقل من المخاطر المتوقعة تباعاً، في ظل تصاعد الضربات المشتركة والتي تعد الأكبر منذ تحرير البادية عام 2017 وتزامناً مع لحظة دولية تشهد تحولات جيواستراتيجية كبرى.

ظهر 23 اذار/ مارس الجاري، نفذت طائرة مسيّرة هجوماً على نقطة أميركية أسفر عن مقتل جندي أميركي وإصابة 6 آخرين، ما استدعى رداً أميركياً بأمر مباشر من بايدن استهدفت خلاله منشآت شرق سوريا، ليل الخميس، زعمت أنها تابعة لحرس الثورة الإيراني، فيما أكد مصدر مسؤول من المستشارين الايرانيين في سوريا، ان الهجوم استهدف نقاط مدنية في دير الزور وهي عبارة عن مخازن تغذية ومراكز خدمات.

وعلى عكس توقعات البيت الأبيض، بأن الرد سيكون كافياً لتحقيق الردع، شهدت الليلة الماضية، هجوماً استهدف قاعدتين أميركيتين في حقل العمر النفطي بـ 4 صواريخ وحقل كونيكو بـ 5 صواريخ إلى جانب 5 طائرات مسيّرة، إضافة إلى مطار الشدادي العسكري. وبينما تجتهد وسائل الاعلام الأميركية والخليجية من تقليل حجم الخسائر الأميركية، كشفت قناة فوكس نيوز، ان عدد الإصابات أكبر من المعلن، بعضها بحال حرجة.

خلل في أنظمة الدفاع الجوي

تشير المعلومات الواردة، ان الهجوم الذي نُفّذ ليل الخميس، لم يكن بطائرة مسيّرة واحدة، بل بـ 3 طائرات، وهذا ما فتح الباب أمام أسئلة مريبة تتعلق بعمل أنظمة الدفاع الجوي الأميركي التي تعد الأحدث في المنطقة. وبحسب مسؤول أميركي تحدث إلى صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، شريطة عدم الكشف عن هويّته، فإن نظام الدفاع الجوي الرئيسي في القاعدة "لم يكن يعمل بكامل طاقته"، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان المهاجمون قد اكتشفوا هذه الثغرة واستغلوها، أم أنهم أرسلوا الطائرة بدون طيار في ذلك الوقت "عن طريق الصدفة".

وما زاد الشكوك حول ما القضية، رفض المتحدث باسم البنتاغون، الجنرال باتريك رايدر، مناقشة أي تفاصيل يتعلق بهذا الأمر في حديث مع الصحفيين، مستشهداً بأمن العمليات والتحقيق الذي أجرته القيادة المركزية للجيش: "ان هذا المكان خطير بطبيعته". فيما أشار مسؤولون آخرون إن للقاعدة القريبة من الحسكة دفاعات أخرى، لكن حتى كل تلك الأنظمة مجتمعة ليست مضمونة. ووفق مسؤولين أمريكيين فإنهم "يسعون لعدم مناقشة أي نقاط ضعف أو إخفاقات محتملة في شبكة الدفاع متعددة الطبقات في هذا التوقيت، لتجنب منح الخصوم في المنطقة أي انجاز".

واشنطن غير قادرة على تحقيق الردع

تعد هذه الهجمات، وهي الأقوى منذ تحرير البادية السورية عام 2017، خاصة وانها استهدفت عدداً من القواعد الأميركية شمال الفرات، في التوقيت نفسه، وأوقعت خسائر بشرية في قوات الاحتلال الأميركي، بداية مرحلة جديدة، تطبيقاً لمعادلة تعمل كل من سوريا وحلفائها على تثبيتها، وهي الرد على أي اعتداء أميركي بوضع مختلف القواعد الأميركية في بنك الأهداف، تتسع دائرته لتشمل الموجودة في المنطقة، كقاعدة التنف الواقعة على المثلث الحدودي.

ويقول مدير برامج سوريا ومكافحة الإرهاب والتطرف في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، تشارلز ليستر، إن "الضربات الانتقامية الأميركية المستهدفة كانت مهمة ولكنها غير مرجحة بما يكفي لردع سلوك إيران أو تصرفات وكلائها". وأضاف في معرض حديثه عن عدم جدوى بقاء القوات الأميركية في سوريا: "هذا يطرح سؤالًا سياسيًا للرئيس بايدن: هل هو على استعداد للرد بشكل أكثر إصرارًا لتأكيد تأثير رادع، أم أننا على استعداد للسماح بهذه الهجمات المتكررة على القوات الأمريكية؟". وعلى الرغم من ان مشاريع القوانين التي تقدم في الكونغرس، تسقط بتصويت كلا الحزبين الجمهوري والديموقراطي، إلا انه من الواضح، ان قسماً من هؤلاء، لا يعارضون مبدأ الانسحاب بل يناقشون توقيته.

كالمشي على حبل غير مشدود، وسط ميدان لا تملك فيه قرار، تتصرف واشنطن في سوريا. اذ انها محكومة في عدد من الاعتبارات. أولاً، فإن سحب القوات الأميركية في سوريا بعد وقت قصير من الانسحاب من أفغانستان والعراق سيكون مكلفاً سياسياً ويزيد من زعزعة الثقة الإقليمية في التزام الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. ثانياً، وبحسب كريستوفر الخوري، مستشار سياسي في العراق وسوريا مع مكتب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف العالمي لهزيمة داعش، ومستشارًا أول للسياسات في معهد توني بلير للتغيير العالمي، انه "علينا بالاعتراف بأنه على الرغم من سيطرة القوات المدعومة من الولايات المتحدة على مساحات من الأراضي السورية، إلا أن النفوذ السياسي والدبلوماسي لواشنطن لا يزال محدودًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخيارات البديلة قاتمة... استثمار المزيد من الموارد المالية والعسكرية بشكل كبير على أمل تأمين نتيجة سياسية غير مضمونة النتائج، ومن غير المرجح أن تتغلب على التحدي الأساسي في سوريا - وهو أن نظام الرئيس بشار الأسد قد انتصر في الحرب-".

تعلم واشنطن ان انسحابها من سوريا دون تأمين حماية قوات سورية الديموقراطية- قسد، والفصائل المسلحة التابعة لها، كجيش مغاوير الثورة، يعني خسارتها ميداناً استراتيجياً مهماً، في ظل تنامي الحضور الإيراني-الروسي والصيني أيضاً في الشرق الأوسط، توازياً مع تراجع ثقة حلفائها في دول الخليج بها، أضف إلى ذلك الرغبة التركية في التوغل العسكري الموجه ضد القوات الكردية المدعومة أميركياً أيضاً.

تحولّت الساحات التي حضرتها الولايات المتحدة عسكرياً بهدف القضاء على تنظيم داعش، إلى ميادين صراع وجبهات مشتعلة في كل من سوريا والعراق، لعلم ايران وحلفائها في المنطقة، ان النفط ليس هدف واشنطن الوحيد، بل قطع شرايين الامداد الاقتصادي بين تلك الدول ومحاولة عزلها. وفي الوقت الذي تجتمع فيه كل العوامل الموجبة لاتخاذ قرار بدء مرحلة خروج القوات الأميركية من سوريا والمنطقة تباعاً، من تضييق الخناق على شعوب المنطقة اقتصادياً وتشديد الحصار، إضافة لتزايد الأصوات الداعية -اميركياً- للانسحاب من سوريا، خاصة مع بدء سقوط قتلى، والرغبة الأميركية في توسيع نطاق هيمنتها في توقيت تشهد فيه الساحة الدولية تحولات تعكس دخول قوى أخرى على خط المواجهة، على واشنطن ان تستعد لمرحلة تتزايد فيها الهجمات وتتزايد حدتها.


الكاتب: مريم السبلاني




روزنامة المحور