الإثنين 28 آذار , 2022

"عملية الخضيرة": فلسطينيو الدّاخل...مقاومة تضرب "عمق" الكيان

عملية الخضيرة

منذ بداية شهر آذار / مارس نفذت المقاومة الشعبية الفلسطينية 9 عمليات نوعية حملت كلّ منها في توقيتها ومكان تنفيذها الدلالات المهمة والرسائل الاستراتيجية الى الكيان الإسرائيلي المؤقت. وتنضم اليها "عملية الخضيرة" التي نفذها الشهيدان خالد وأيمن اغبارنة من مدينة "ام الفحم" المحتلة وأسفرت عن مقتل إسرائيليين وإصابة أكثر من 10 آخرين بعد إقدامهما على فتح النار أمام حافلة تقلّ المستوطنين، وقد أبلغ مستوطن شرطة الاحتلال بأنه "سمع حوالي 50-60 رصاصة في مكان العملية".

ولخصوصية المكان الجغرافي – الداخل المحتل – فإن أبعاد عملية الخضيرة تتميّز عن أي عملية أخرى.

معركة الوعي لا تزال مفتوحة

أبدى الاعلام العبري استعجاباً من أن العملية جاءت على يد من "يحملون بطاقات هوية زرقاء" (في إشارة الى البطاقات الإسرائيلية في المناطق المحتلة عام 1948)، حيث نجح الفلسطينيون مرّة جديدة بعد معركة "سيف القدس" بالتأكيد على هويتهم الفلسطينية والانتصار في معركة الوعي وتخطي محاولات "الأسرلة" الطويلة، كما البقاء جزءً أساسياً وفعّالاً من الخارطة الفلسطينية، وجبهة مواجهة مع الاحتلال قائمة بذاتها. وأشارت الجبهة الشعبيّة في بيانها حول العملية إلى "أنّ تصاعد العمليات البطولية في الداخل الفلسطيني المحتل تأكيد على أنّ شعبنا الفلسطيني جسد واحد وشبّانه يمتلكون إرادةً وتصميمًا عاليًا على مقاومة العدو ودحره رغم كل الصعوبات القائمة ومحاولات تصفية قضيته الوطنية".

في وقت يعتمد كيان الاحتلال في هذه الفترة ردّ كل عملية فدائية للمقاومين الفلسطينيين الى تنظيم داعش الإرهابي الوهابي، لتضليل الرأي العام بالدرجة الأولى ولعب دور "ضحية الإرهاب" لحشد "التعاطف الدولي" أو تبرير انتهاكات قادمة سيرتكبها بحق الفلسطينيين. وبالدرجة الثانية يريد الاحتلال نزع صفة المقاومة عن فلسطينيي الدّاخل المحتل.

وعلى المقلب الآخر استفاد المنفذان من "المعرفة بالعدو ومعايشته" عبر التنكّر بلباس الأرثوذكس المتطرفين لتسلّل قرب الحافلة على عكس ما حاول الاحتلال ترويجه أنه لباس "داعش".

ثغرة أمنية استخباراتية

شكّلت العملية من "قلب" الداخل المحتل الصفعة الأمنية والاستخباراتية للكيان الإسرائيلي من المناطق التي يعتبرها "عمقه"، حيث يشير المراسل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، يوسي يهوشواع، أن "هذا بات يبدو كإخفاق للشاباك، كيف يعقل أنه لم يتم تركيز جهد أكبر ضد هذه الخلايا؟" في الوقت الذي يرفع الاحتلال تأهبّه متوقعاً عمليات فدائية في القدس والضفة حسب "تقييم الوضع في الجيش الإسرائيلي والشاباك قبل شهر رمضان"،أتت العملية بطريقة مخطط لها مسبقاً و"المنفذان جاءا حاملين للأسلحة وعملا بشكل محترف، ومرة أخرى، الشاباك لم يرصدهما"، يضيف المراسل العسكري.

من ناحية ثانية إن حضور رئيس وزراء الاحتلال نفتالي بنيت – بنفسه - الى مسرح العملية واجتماعه مع رئيس شرطة "الخضيرة" دليل واضح على حجم الضربة التي شكلتها العملية.   

الرصاص يصيب "قمّة النّقب"

الاعلام العبري ترك النقل المباشر لـ "قمة النقّب"، ونقل البثّ الى الخضيرة بعد الأنباء الأولية، حيث أن عملية الخضيرة تزامنت مع جلوس وزراء خارجية الاحتلال والولايات المتحدة والمغرب والامارات والبحرين ومصر على طاولة العشاء في إطار قمّة تنعقد في النّقب المحتل. وتجتمع هذه الأطراف لبحث "تحالف أمني لمواجهة إيران" على غرار القمّة في شرم الشيخ. فكانت رصاصات الشهيدين من الخضيرة الرّد الواضح، والرسالة الى الدول العربية بأن "إسرائيل" لا تستطيع حماية نفسها، فكيف يُنتظر منها حماية الدول الأخرى أو تشكيل "حلف"؟

وقد وصف رئيس الوفد اليمني المفاوض محمد عبد السلام العملية بـ "الرد العملي على مسار التطبيع الخياني وتأكيد على حيوية الشعب الفلسطيني وإبداعه في ابتكار وسائل المواجهة ضد كيان الاحتلال".  كما اعتبرها حزب الله في بيانه " أهم وأبلغ رد عملي على لقاءات التطبيع الشائنة والخيانية التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية مع كيان العدو، وهي لقاءات عديمة الأهمية فاقدة التأثير لأن القرار الحقيقي هو قرار الشعب الفلسطيني الذي يؤكد كل يوم أن لا مكان للصلح والتطبيع مع هذا العدو المجرم بل هي مواجهةٌ بطوليةٌ متصاعدةٌ حتى النصر والتحرير الكامل".

المواجهات في الداخل أخطر من القتال في غزّة!

إن الانتفاضة الفلسطينية الشعبيّة في الداخل المحتلّ تمثل كابوساً مؤرقاً للاحتلال، ويذكّر المستوطنين بحالة "عدم الأمان" وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وتشير صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية الى "ارتفاع طلبات المستوطنين للحصول على سلاح بنسبة 700% بعد عملية الخضيرة". وعلى المقلب الآخر ووجهت كتائب شهداء الأقصى عقب العملية رسالة الى الاحتلال قالت فيها: "ليعلم العدو الصهيوني أنه لن ينعم بالأمن والأمان إلا بزواله عن كافة أراضينا المحتلة". ومن ناحية ثانية ينذر هذا الطلب باحتمال انتشار جرائم المستوطنين بحق الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

بالعودة الى "سيف القدس" فان انتفاضة فلسطينيي 48 اسناداً للقدس وغزّة شكل دافعاً أساسياً لوقف الحرب خشية أن يضطر الكيان أن يقاتل على جبهتين. وحينها اعترف رئيس وزراء الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو الذي قال إنه "ليس لإسرائيل تهديد أكبر من الاضطرابات الجارية في مدينة اللد"، كما قال يائير لبيد (قبل تسلمه منصبه الحالي) إن "الحرب في الشوارع الإسرائيلية تهديد وجودي لإسرائيل". بدورها قالت صحيفة "هآرتس" العبرية أن المواجهات بين العرب واليهود في الداخل أخطر من القتال في غزة".


الكاتب: غرفة التحرير