الإثنين 20 كانون الاول , 2021

اتفاق "كرج": إيران تجيد اللعبة الدبلوماسية

علي باقري كني

تزامناً مع التقدم البطيء الذي تحرزه المفاوضات النووية في العاصمة النمساوية فيننا بين الأطراف الدولية، توصلت الجمهورية الإسلامية إلى اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حُلّ من خلالها أحد المسائل الخلافية التي كانت عالقة. وأتت هذه الخطوة كخرق لكل الادعاءات التي تتهم طهران بوضع العراقيل امام مسار المفاوضات لتطييرها، كما أنها تثبت كذلك الجدية التي تؤكد عليها إيران في كل مرة.

ويقضي الاتفاق بتغيير الكاميرات في منشأة "تسا" المتخصصة بإعداد الأبحاث النووية وتطوير أجهزة الطرد المركزي الحديثة في منطقة كرج، وهذا الأمر مرهون بتنفيذ عدة خطوات: أولاً الموافقة على قيام الخبراء الإيرانيين بالفحص التقني للكاميرات قبيل تركيبها، والثاني استكمال التحقيقات القضائية-الأمنية المرتبطة بالكاميرات المتضررة، إضافة لمواقفة الوكالة الدولية على إدانة العمل التخريبي الإسرائيلي في هذه المنشأة. واللافت أنه على الرغم من ان رئيس الوكالة الدولية رفائيل غروسي كان قد زار طهران مرتين قبيل استئناف المفاوضات لأجل تنفيذ هذه الخطوة، إلا ان الجانب الإيراني فضّل استخدام هذه الورقة الرابحة في هذا التوقيت أي بالتوازي مع الجولة السابعة الأمر الذي ينم عن معرفته بطبيعة العراقيل التي سيضعها الجانب الغربي بغية الضغط على طهران.

تنازلات أم مكاسب؟  

يصف وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبداللهيان هذا الاتفاق بالـ "الجيد"، لما تحمله هذه الخطوة من دلالات، فمن جهة لم يخرق هذا الاتفاق القانون الصادر عن مجلس الشورى الذي ينص على "إيقاف التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي" -وهو امتناع طهران عن تسليم الوكالة تسجيلات الكاميرات إلى ان يتم التوصل إلى اتفاق-، فالجانب الإيراني سيحتفظ بتسجيلات الكاميرات ولن يقدمها إلا بعد التوصل إلى نقطة تنال رضا طهران وتلبّي مطالبها التي كانت قد قدمتها منذ الجلسة الأولى، ومن جهة أخرى فقد دفعت بالمفاوضات قُدماً دون أن يؤخذ على طهران بأنها تنطلق من مبادئ متشددة ولا تبدي تعاوناً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتأتي هذه الخطوة أيضاً استكمالاً لما كانت إيران قد قامت به سابقاً مع تقديم الوفد المفاوض لمسودتين اثنتين، الأولى تتعلق بالعقوبات التي ينبغي ان تناقش، والثانية التي تضع المفاوضات ضمن إطار محدد وهو نقاش النشاط النووي فقط، الأمر الذي يصر عليه الجانب الإيراني بالتوازي مع سعي الدول الغربية لوضع القوة الصاروخية ودور إيران الإقليمي على طاولة المفاوضات، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع. وبهذا يكون الوفد الإيراني المفاوض قد تقدم بخطوات عديدة على الجانب الغربي، والذي بات يعرف أمام الأطراف الدولية بأنه يستمر بالتسويف والمماطلة.

وعن توقيت عقد الاتفاق أشارت الخارجية الإيرانية انه "يمكن التوصل لاتفاق في فيينا بأقرب فرصة إذا قدمت الدول الغربية مقترحات جدية، ومجموعة 4+1 لم تقدم مقترحات عملية وجدية في مفاوضات فيينا، كما أننا لم نجر أي مباحثات مباشرة مع واشنطن والمنسق الأوروبي تولى نقل الرسائل".

يمكن القول أن المفاوضات النووية باتت تجري بين قطبين هما الولايات المتحدة وإيران بعدما نجحت الأخيرة باستمالة كل من روسيا والصين نظراً لالتزامها الذي اثبتته طيلة السنوات الماضية، إضافة لأوراق القوة الموجودة لديها، بينما تتعلق الترويكا الأوروبية بقرار واشنطن.

كيان الاحتلال بدوره يتابع بدقة عالية مجريات المفاوضات، وعلى الرغم من مساعيه الحثيثة للجوء إلى الخيار العسكري إلا أنه مكبّل الأيدي، غير قادر على اقناع الإدارة الأميركية بالتراجع عن قرارها بالعودة إلى الاتفاق، ولا يستطيع المجازفة بالدخول مباشرة بمواجهة ضد إيران التي تواصل مناوراتها واخرها فجر اليوم في محيط مفاعل بوشهر النووي رفعت خلالها جهوزية الدفاع الجوي إلى أعلى مستوياته حسب ما أكد قائد مقر العمليات المركزي التابع لهيئة الأركان اللواء غلام علي رشيد، متوعداً بالـ "الرد الساحق على أي عملية، و الذي سيشمل كافة القواعد والمسارات التي استخدمت خلال تنفيذ الاعتداء".

وكانت إيران قد توصلت مع السداسية الدولية المعروفة باسم P5 + 1 (الصين، فرنسا، ألمانيا، روسيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة) إلى اتفاق نووي تاريخي في 14 يوليو / تموز 2015 يحد من برنامج إيران النووي، ويعزز المراقبة في مقابل تخفيف العقوبات على إيران.


الكاتب: غرفة التحرير