السبت 27 تشرين ثاني , 2021

من يدير الانهيار الاقتصادي الممنهج في لبنان؟

الانهيار الاقتصادي الممنهج في لبنان

مع تخطي سعر صرف الدولار عتبة الـ 25000 ألف ليرة لبنانية وفي ظل توقف مصرف لبنان عما يسمى دعم للحاجات الأساسية وخاصة المحروقات والأدوية، كما في ظلّ توقعات وصول سعر ربطة الخبز الى 10 آلف ليرة، ما ينذر بكوارث على الصعيد المعيشي والاجتماعي ويحمّل المواطن اللبناني مزيداً من الأعباء وسط انهيار اقتصادي شامل تديره بشكل ممنهج بعض الجهات والقوى السياسية في الدولة اللبنانية بالشراكة مع المصرف منذ عقود طويلة لأهداف في الداخل كما ارتهاناً لأجندات في الخارج.

فكيف تتم إدارة هذا الانهيار والتلاعب بسعر الصرف في مزيد من الضغط على الشعب اللبناني خدمة "لاستثمارات" أخرى؟ وكيف ينعكس ذلك على القدرة الشرائية للمواطن؟ وما هو المستقبل المتوقّع؟ يجيب الباحث الاقتصادي والمالي الدكتور محمود جباعي في مقابلة خاصة لموقع "الخنادق"

كيف يرتفع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية؟

الدولار اليوم مقسّم الى أربعة أقسام تساهم في ارتفاع سعر صرفه:
_ قسم اقتصادي

_ قسم مالي

_ قسم نقدي

_ قسم سياسي

تشكّل الأقسام الثلاث الأولى (اقتصادي، مالي، نقدي) 75% الى 80% من سعر صرف الدولار الحقيقي، والمشاكل الجدّية في هذه القطاعات تتمثّل بالعجز في الميزان التجاري الذي وصل الى 9 مليار دولار سنوياً، وعجز ميزان المدفوعات الذي يصل الى 16 مليار دولار في السنة، بالإضافة الى مشكلة الدين العام، والأخطر هي تعاميم مصرف لبنان الأخيرة، منها تعميم رقم 151 الذي حدّد سعر صرف الدولار بـ 3900 ما أغرق السوق اللبنانية بالكتلة النقدية بالليرة حتى وصلت الى خمسين ألف مليار  ليرة اليوم بعد ان كانت في بداية عام 2019 فقط 5000 مليار ليرة، أي بزيادة 45000 مليار في سنتين فقط!

 ومن المعروف اقتصادياً انه كل ما ارتفعت قيمة الكتلة النقدية أكثر من الدولار كلما ارتفع سعر صرف الدولار، لان نسبة العرض فاقت نسبة الطلب على الليرة اللبنانية، كذلك تعميم رقم 154 حيث طلب مصرف لبنان بموجبه من المصارف التجارية إعادة الرسملة، فلجأت الأخيرة الى السوق السوداء للدولار لتجميع الدولارات، وآخر ما يسميه الدكتور جباعي "بدع مصرف لبنان"، ان المصرف أجبر الـ OMT على أخد الدولار وإعطاء الليرة في المقابل للناس، اذ ان هذه الكتلة النقدّية المتضخمة هي السبب الأساسي لانهيار الليرة اللبنانية أمام العملة الاجنبية، ويشير جباعي بحسب التقدير الاقتصادي ان سعر صرف الدولار الحقيقي يجب ان يتراوح بين 21000 و21500 ليرة.

أما موجات الارتفاع والانخفاض المفاجئة ضمن مدّة زمنية قصير جداً أحياناً ساعات، وتجاوزه الـ 25000 ووصوله الى 25800 ثم هبوطه الى 24500! فهي تلاعب سياسي واضح، هدفه المضاربة في الأزمات السياسية، فالظروف المتوترة الراهنة في البلد بين أزمة الحكومة والعلاقات اللبنانية – السعودية والضغوطات المختلفة على لبنان، يفسح المجال أمام التجار ليضاربوا على الليرة فهم "سحبوا الدولار من السوق ثم أعادوا بيعه بسعر أعلى!" ويؤكد الدكتور جباعي ان الهامش بين 21500 وما يتجاوز ذلك هو مساحة من "مضاربة السوق السوداء في استغلال الأحداث السياسية".

ويحمّل جباعي مسؤولية هذا التلاعب لمصرف لبنان والدولة بهدف إطفائهم للديون، حيث ان الدين العام كان 90 مليار دولار منهم 56 مليار دولار (سندات خزينة) ستردها الدولة على سعر صرف 1500 ليرة لبنانية، ومع هذا الانهيار فقدت الـ 56 مليار دولار قيمتها الى أقل من 4 مليار دولار، لم تكن حسن نية منها للتخفيف عن الشعب اللبناني بل هو "توفير" على قوى السياسية الفاسدة وشريكة المصرف.

كارثة اجتماعية لبنانية!

المواطن اللبناني ومنذ بداية الازمة المالية والاقتصادية يعيش ضائقة معيشية واجتماعية متراكمة وتتفاقم مع عدم وجود أي إصلاحات حقيقية أو طرح منطقي من القوى السياسية التي افتعلت هذا الانهيار الاقتصادي والمالي لإطفاء خسائر وديون الدولة وخسائر المصارف، لهذا فإن تأثّر المواطن سيكون حقيقياً وقاسياً جراء هذا الانهيار، بالإضافة الى رفع الدعم عن المحروقات وأيضاً عن الدواء، وبالإشارة الى ان هذا الدعم لم يكن الا وهمياً، وهو بدأ فعلياً في 1-10-2019 مع أول مؤشرات الانهيار النقدي، ومن ثم مع ارتفاع سعر صرف الدولار لتغطية هذا الفارق، وكان على حساب أموال المودعين في البنوك وليس من خزينة الدولة، بل كان "بدعة" لخدمة التجار والمهربين والمحتكرين، ابتدعها مصرف لبنان والقوى السياسية لتحويل الأموال الى الخارج، والدليل ان الدولة التي "دعمت" خلال هاتين السنتين بمبلغ 12 مليار الدولار والمواطن غير مستفيد الا بمليارين، هذا يعني ان 10 مليار دولار تهرّبوا بشكل ممنهج ومقصود بشراكة من مصرف لبنان والشركات المستوردة المدعومة سياسياً.

يقول دكتور جباعي نحن أمام كارثة اجتماعية، ويؤكد في دراسة خاصة ان كلفة السلة الغذائية الشهرية للعائلة اللبنانية تبلغ 4 مليون ليرة، دون الحديث عن أي مستلزمات أخرى (أقساط دراسية، مدفوعات طبية وعلاج...) وبالتالي فان المواطن الذي لا يتجاوز راتبه 8 مليون ليرة شهرياً غير قادر على توفير أساسيات الحد الأدنى المعيشية، والوضع الاجتماعي نحو مزيد من التأزّم.

صندوق النقد الدولي – الطرح الأمريكي: ليس حلاً!

صندوق النقد الدولي "قنبلة لا حل" بحسب ما يصف الخبير الاقتصادي جباعي، ولم يحل أزمة في أي بلد في العالم، بل فاقم ظاهرات الفقر والبطالة والتضخّم والمديونية، كما ان صندوق النقد لن يمنح دولاراً واحداً للبنان دون تنازلات سياسية "للدول الكبرى في العالم" وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، في ثلاث ملفات أساسية:

_ ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الإسرائيلي.

_ ترسيم الحدود البرية مع سوريا.

_ توطين الفلسطينيين أو بالحد الأدنى إعطائهم الإقامات لأجل العمل.

بدائل كثيرة عن صندوق النقد الدولي

ليس الخيار محصوراً بالإملاءات الامريكية وشروطها السياسية، فالعروض الروسية والصينية عديدة ولا تحتاج سوى القرار الحكومي الجريء.

أمّا على صعيد الحلول الداخلية للحد من هذا الانهيار المالي والنقدي، فهي الإصلاحات البنيوية التي تبدأ بتخفيف حجم الاستيراد من الخارج، وعلى سبيل المثال في قطاع الكهرباء يستورد لبنان فيول بقيمة 2 الى 3 مليار دولار، في المقابل ان إنشاء معامل تيار كهربائي التي تعمل على الغاز سيوفر هذا المبلغ الضخم، وفي الوقت نفسه تنخفض الحاجة الى مادة المازوت من 4 مليار دولار سنوياً الى 2 مليار دولار – وهنا للتذكير العرض الإيراني الذي قدّمه وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان في زيارته الأخيرة الى لبنان.

بالإضافة الى ان الدولة اللبنانية تحتاج الى التقدّم نحو اقتصاد منتج لا سيما في القطاع الزراعي والزراعات التحويلية من الألبان والأجبان ما يخفّف استيرادها من السعودية.  

أما الاستمرار بهذا النهج الحالي المتفلّت، لن تستطيع الدولة ضبط سعر الصرف، ومن المتوقع ان يصل الى 50 ألف للدولار الواحد بحسب ما يشير اليه الدكتور جباعي!


الكاتب: غرفة التحرير