السبت 21 آب , 2021

البيشمركة وإسرائيل: تاريخ من التعاون الأمني والاستخباراتي

لكيان الإحتلال الإسرائيلي وأكراد العراق أحاديث كثيرة عن علاقات تمتد لأكثر من خمسين عاماً لا ينفيها الطرفان، وإن غاب عنها الإطار الرسمي بسبب طبيعة النظام العراقي المناهض للكيان الإسرائيلي، الاً أننا نتحدث عن علاقة عميقة بدأت بزيارة الزعيم الكردي الراحل "مصطفى البرزاني"، والقيادي الكردي المعروف "محمود عثمان" عضو مجلس النواب السابق والشخصية الكردية التي كانت مرشحة لرئاسة العراق.

علاقات تاريخية بين إسرائيل والأكراد

كانت "إسرائيل" دائماً ما تدعم في تصريحاتها إقامة دولة كردية، وكانت تدعم الإنفصاليين الأكراد في جنوب تركيا، وشمال سوريا، وإيران والعراق، ودائماً ما كانت تصرح بذلك علناً، وهي من كانت تزود أكراد العراق بالسلاح عن طريق شاه ايران الذي كان يعتبر حليفاً لها أثناء أحداث التمرد الكردية عام 1963. ومن هنا كانت بداية العلاقات الاستراتيجية والأمنية بين الكيان الإسرائيلي والأكراد، وبالتالي بدأت "إسرائيل" بتدريب القوات الكردية (البيشمركة) على الأسلحة الإسرائيلية.

وهذا ما أكده الكاتب والمؤرخ والصحفي الإسرائيلي" شلومو نكديمون" في كتابه (الموساد في العراق ودول الجوار) وهو من أوائل الكتب في جريدة يديعوت أحرنوت، وقد اطلع على الكثير من الوثائق الإسرائيلية، وقام بنشر العديد من الصور الملتقطة بين "مصطفى البرزاني" و"محمود عثمان" من جهة، وبين رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي "ليفي أشكول" ورئيس الموساد "مائير عميت".

تدريب البيشمركة علي يد ضباط الموساد

القوات الكردية (البيشمركة) تم تدريبها عسكرياً وعقائدياً على يد ضباط الموساد الإسرائيلي لعدة سنوات، وبدأت الاتصالات والمعدات العسكرية تتوافد بشكل مستمر من شمال إيران، عن طريق الشاه، الى أن انقطعت عام 1975 بعد اتفاقية الجزائر بين الشاه والنظام العراقي والذي كان يمثله آنذاك "صدام حسين" نائباً عن الرئيس العراقي "أحمد حسن البكر".

هنا طلبت الحكومة العراقية من شاه إيران أن يتوقف عن دعم المتمردين الأكراد ووافق الشاه على هذا المطلب، الا ان الدعم بقي مستمراً ولكن بشكل سري بعد أن (كشفت وثائق المخابرات العراقية ذلك وقامت بتصوير القوافل الإسرائيلية التي تأتي من شمال إيران الى شمال العراق)، وأعقب ذلك توترات بين الشاه والعراق.

قيام الثورة الإسلامية الإيرانية

بعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية وإغلاق سفارة الكيان الإسرائيلي في طهران واستبدالها بسفارة فلسطين، تعرض الأكراد لضربة شديدة بعد إغلاق المنفذ الوحيد الذي يدعمهم لوجستياً، وقد ضعفت (البيشمركة) في هذه الفترة كثيراً وتعرضت لضربات قاسية، ونزح العديد منها الى الكهوف والوديان شمال العراق.

بعد عام 1991 وبعد انسحاب العراق من الكويت، واندلاع ثورة شعبية فيه، استغل الأكراد الوضع وقامت البيشمركة ببسط سيطرتها على المدن الكردية، واستغلت علاقتها المميزة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية، بتقديم مشروع للأمم المتحدة وإصدار القرار المرقم 688، والذي يمنع وجود أي قوات عسكرية نظامية، ومنعت الطيران من اختراق خط عرض 36 درجة شمالاً، وهذا ما وفر بيئة آمنة وسيطرة للأحزاب الكردية في المنطقة، وعادت البعثات الإسرائيلية الى شمال العراق لتدريب القوات.

توافد عام 1994 عدد من الضباط الاكراد الى تل أبيب قاموا بتأسيس جهاز الأمن العام الكردي المسمى حالياً " بالأسايش" والذي يعتبر نواة جهاز أمني ومخابراتي عالي المستوى، وأكثر تنسيقاً وارتباطاً بالموساد، والذي بدأ عملياته الأمنية من تجسس وجمع معلومات، ومن ثم الإغتيالات.

بعد احتلال العراق عام 2003 اعتبرت البيشمركة نواةً لقوات عسكرية معترف بها، وتأخذ رواتبها رسمياً من ميزانية الدولة العراقية، وتحولت مالياً فقط الى المركز. أما عن معلوماتها ومهماتها وتحركاتها ونشاطها، فقد كان خاضعاً الى الأحزاب الكردية، ولا يستطيع المركز التحكم بها. وهذا ما شكل نقطة خلاف كبيرة بين الإقليم والمركز، بعد ان اعتبرت المدن الكردية الثلاث: أربيل، دهوك والسليمانية إقليماً يسمى بإقليم كردستان، لديه نظام رئاسي وأمني وبرلماني خاص به.

برزاني ومتانة العلاقة مع الكيان الإسرائيلي

تصريحات رئيس الإقليم السابق مسعود البرزاني بأن العلاقة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي ليست بتهمة ولا يعتبرها منقصة، وأن إدارة كردستان تعمل لمصلحة الشعب الكردي ضمن الدستور، أثارت هذه الكلمات القوى الوطنية العراقية، وحصلت عدة خلافات: أولها بعد الإستفتاء الذي أقامه الإقليم للإنفصال، والتي كان الكيان الإسرائيلي اول الداعمين له والمعترفين به على لسان رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، اذ أعلن في كلمته بعد الإستفتاء عن دعمه إقامة الدولة الكردية، وان "إسرائيل" ستكون أول من يفتتح سفارة في كردستان.

بعد فشل الإنفصال لأسباب عديدة، بدأت هوة الخلاف تتسع بين الأكراد والقوى الوطنية فدخلت المنطقة بمرحلة مهمة لا سيما بعد سقوط الموصل بيد داعش، وتوجه التنظيم الى أربيل للسيطرة عليها، هنا تدخلت الولايات المتحدة الأميركية وقامت بقصف التنظيم لتوصل رسالة اليه ان منطقة كردستان محمية أميركية إسرائيلية، وهي خط أحمر لا يمكن عبوره.

وهنا بدأت تحركات البيشمركة للسيطرة على بعض الأقضية والنواحي المنهارة بعد سقوط الموصل والإستيلاء على العديد من القطع العسكرية والأسلحة التي خلفها الجيش العراقي، وقامت بالتحرك للسيطرة على كركوك، المدينة المتنازع عليها بين الإقليم والمركز.

تخلي الولايات المتحدة عن البيشمركة

وكالعادة في تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن حلفائها وادواتها وربيباتها، قررت عدم التدخل، ودخلت القوات العراقية الى كركوك المدينة المتنازع عليه عام 2018، وانسحبت البيشمركة منها، وهنا حصل اول تصادم وقتال بين البيشمركة والحشد الشعبي الذي لطالما كان يعتبرها الاكراد بالإرهابية، خصوصاً وأن الأكراد هم المكون الوحيد الذي كان يعتبر المقاومة ضد الاحتلال الأميركي ارهاباً.

مواجهات بين البيشمركة والحشد الشعبي

تكررت الإعتداءات والمواجهات بين القوات الكردية والحشد الشعبي في عدة مناطق أشهرها: مخمور، وطوزخرماتو في مدينة كركوك. أما آخر الاتهامات التي وجهت للبيشمركة بضرب المتظاهرين والصاق التهم بالحشد الشعبي من خلال الفوج الرئاسي المتواجد في المنطقة الخضراء، والذي كان غالبيته من القوات الكردية. وقد وجهت التهم لشخصية قيادية في البيشمركة وهو "آزاد إبراهيم" بقنص المتظاهرين، وايضاً ما أشار اليه المتحدث الرسمي باسم زعيم التيار الصدري الشيخ صلاح العبيدي في مقابلة مع القناة الرسمية، ان شخصاً قيادياً كردياً مقرباً من رئيس الجمهورية هو المسؤول عن قتل المتظاهرين في الأيام الأولى من الحراك الذي انطلق في بغداد2019، اذ كانت الغاية هي اتهام الحشد بهذه الجريمة للإساءة اليه بدعم وتوجيهات أميركية.

للقوات الكردية (البيشمركة) تاريخ من الممارسات القمعية، بدأ بتهديد أي عشيرة كردية لا تنتمي له ولا تدين له بالولاء، كذلك تهجير قرى التركمان وقتلهم وتشريدهم. واذكاءهم الروح القومية الكردية وعزلهم عن اوطانهم فكرياً، وهذا تجسد بتصرفات البيشمركة تجاه أي شخص خارج قوميتها وعقيدتها ناهيك عن الصراعات الداخلية من اجل الزعامة على الإقليم


الكاتب: غرفة التحرير