الجمعة 31 آذار , 2023 12:48

مخاطر التموضع الأميركي الجديد في العراق

الاحتلال الأميركي للعراق

تسعى الولايات المتحدة إلى المحافظة على نفوذها في العراق والمنع من محاصرة هذا النفوذ أو حتى منافسته، سواء في القطاع العسكري والأمني أم في مجال الطاقة. وهو يرزح تحت سقف التهدئة مع الدول المنتجة للنفط بسبب الحرب الأوكرانية وما سببته من ضغطٍ متصاعد على الغرب عمومًا وعلى الدول الأوروبية بالخصوص. من هنا يسعى الأميركي إلى التموضع الهادئ والناعم لناحية العلاقات مع القوى السياسية وتشريع الحركة بحيث لا تثير أيٍّ من الحساسيات وبالتالي غير قابلة للمنع. والمتتبع لحركة السفيرة الأمريكية الحالية ومروحة لقاءاتها واهتماماتها يرى في هذا التموضع الجديد الذي قد يعقّد التحرك المعارض للوجود الأمريكي، لكنه في نفس الوقت قد يستغل السقف الذي من الصعب أن يتجاوزه الأمريكي تجاه الدول المنتجة للنفط.

أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية انفتاحها على الحكومة العراقية الجديدة التي تشكّلت بعد مخاضٍ سياسيٍ وأمنيٍ عسير، كاد أن يودي بالعراق إلى اقتتال داخلي. لذا عمدت السفيرة الأميركية في العراق إلى تكثيف لقاءاتها مع أركان الدولة العراقية، سعيًا منها لتحقيق عدّة أهداف وهي:

-اكتشاف بنية الحكم الجديدة التي يريد رئيس الوزراء الجديد المحسوب على الإطار التنسيقي، محمد شياع السوداني، بناءها في العراق.

-العمل على الاختراق الهادئ في البنية الجديدة، والعمل على تشكيل بيئة النزاع لإمكانية توظيفها في المرحلة المقبلة.

-إظهار الأمريكي نفسه أمام الرأي العام المحلي في العراقي والدولي بأنه غير منغلق على أي حكومة عراقية، بل ويسعى لتحقيق صالح الدولة العراقية.

قد يكون هذا المنهج من عدم فك الارتباط الكلي بالساحة العراقية ناتج عن المخاوف الأمريكي من أن يأخذ العراق موقع الطبيعي في محور المقاومة. من هنا يمكن لنا أن نفهم المسار التصاعدي للنشاط السياسي الناعم الأمريكي تجاه العراق وذلك بسبب سقف التهدئة التي يحاول الأمريكي أن يرسمها مع الدول الخليجية والمنتجة للنفط كي يستعيض عن رفض السعودية لتلبية طلبه في زيادة انتاج النفط بشكل يومي. كل ذلك يستند إلى النظرة الأمريكية تجاه العراق وموقعه الاستراتيجي في مواجهة محور المقاومة والضغط على الصين. على أن السؤال الأساس هو في المخطط الأمريكي للمرحلة القادمة؟

في الإجابة على هذا السؤال لابد من طرح أسئلة عديدة هي:

-ما هي المجالات التي يمكن أن يضغط من خلالها الأمريكي؟

-كيف يمكن أن يوظف الأمريكي هذه المجالات وما هي الأسباب التي ستدفعه إلى تفعيل مسارات الضغط؟

أولاً: مجال الضغط الأميركي

بعد أن توافقت القوى السياسية على تشكيل الحكومة وترشيح محمد شياع السوداني، أعلن الأخير عن "المنهاج الوزاري" والذي يشكل تصوره وبرنامجه العملي في الحكومة المنوي تشكيلها والتي على أساسها تتم مطالبته ومحاسبته من البرلمان والشعب العراقي. وبعد الاطلاع على البرنامج يمكن تعداد مجالات محددة يمكن أن توظف للضغط السياسي والشعبي على الحكومة، وتطوير الضغط إلى مظاهرات وتحركات على الأرض تفتح مختلف السيناريوهات والخيارات في الحياة السياسية العراقية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض هذه المجالات هي محط اهتمام الأمريكي بسفيرته ومؤسساته على مستوى العراق، ومندوبة الأمم المتحدة بلاسخارت، إضافةً لاهتمامات الشباب العراقي وأولوياته؛ الأمر الذي من السهل توظيفه مستقبلاً ضد الحكومة أو القوى السياسية. من هذه المجالات التي حددها "المنهاج الوزاري" كأولوية للمعالجة هي:

ثانياً: اللحظة الأميركية للتدخل

أدى تحويل الاهتمام الأمريكي عن منطقة غرب آسيا وما استتبعه من انكفاء عسكري إلى تضييق الخيارات على مستوى حركته في مناطق نفوذه، خصوصًا في ظل المتغيرات المتسارعة سواء مزيد من تعزيز الحضور الصيني على مستوى الإقليم أم الانفراجات الحاصلة بين أطراف المنطقة. من هنا يمكن القول أن الأمريكي في العراق سيعمل على استثمار المجالات المذكورة سابقًا، بل وتشكيلها مسارات منسجمة فيما بينها.

سيبقي الأمريكي مسار الحديث عن "حقوق الإنسان وتمكين المرأة العراقية" كمجال للتغلغل في البنية الاجتماعية العراقية وتأسيسه لقضايا يمكن من خلاله التأثير بشكل كبير في المستقبل، وهنا يبدو النشاط الأمريكي والأممي موسّع وكبير ولابد من الالتفات إليه. في حين سيرفع الأمريكي من مستوى التدخل الناعم إذا ما شعر بأن العلاقة المتوازنة التي اتبعها السوداني في سياسته الخارجية بدأت تختل، أو سعي القوى السياسية المحسوبة على المقاومة بدأت تعيد صياغة المشهد السياسي الداخلي بعيدًا عن التوازنات الموجودة حاليًا؛ هنا قد يبرز الحديث أكثر عن مواضيع عديدة، تتميز بأنها محط جدال داخل النخب العراقية وبالتالي الحاجة فقط إلى تحريك المؤسسات الإعلامية وبعض الشخصيات السياسية لإحداث أزمة سياسية وتجاذبات، هذه المواضيع هي: أزمة الموازنة والعلاقة مع إقليم كردستان العراق، مكافحة الفساد وهدر المال العام، وقانون الانتخابات.

يبرز قانون الانتخابات وما يمكن أن يؤدي إلى تصادم عراقي/عراقي كمرحلة تنذر بمحاصرة الحكومة العراقية وعدم الاكتفاء بالضغط السياسي أو الاقتصادي عليها. هنا يبرز النفوذ العميق للأمريكي على المستوى الاقتصادي (المشاريع الاستراتيجية، والشراكة مع الصين) وبنية الدولة الأمنية والعسكرية، وهما قطاعين حساسين لا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية المساس بهما. لذا قد يصبح من صالح الأمريكي الذهاب إلى تصادم شيعي شيعي ، إضافةً لتفعيل أزمة انقطاع الكهرباء مع اقتراب الصيف، والضغط بسعر الصرف الأمر الذي سيقود إلى تحريك الشارع العراقي في وجه الحكومة والقوى السياسية والإعلان عن فشلها بالإدارة والحكم وبالتالي العمل على مسار تشكيل حكومة جديدة.

في الخلاصة سيعمل على الأمريكي على منع تقارب أطراف البيت الشيعي، وسيطرة الإطار التنسيقي بالكامل على المشهد السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة؛ إضافةً لذلك لن يقبل الأمريكي بأي تحويل أو مساس لما يمكن تسميته بـ "النفوذ الاستراتيجي الأمريكي" داخل العراق الأمر الذي قد يدفع الأمريكي على تفعيل الضغط الأقصى وإسقاط حكومة السوداني.

ثالثاً: الحاصل الاستراتيجي للحركة الأميركية مستقبلاً

يسعى الأمريكي إلى المحافظة على نفوذه في العراق والمنع من محاصرة هذا النفوذ أو حتى منافسته، سواء في القطاع العسكري والأمني أم في مجال الطاقة. وهو يرزح تحت سقف التهدئة مع الدول المنتجة للنفط بسبب الحرب الأوكرانية وما سببته من ضغطٍ متصاعد على الغرب عمومًا وعلى الدول الأوروبية بالخصوص. من هنا يسعى الأمريكي إلى التموضع الهادئ والناعم لناحية العلاقات مع القوى السياسية وتشريع الحركة بحيث لا تثير أيٍّ من حساسيات الأطراف العراقية المقاومة، تحت مبدأ "سحب الذرائع" ونزع المشروعية أمام تحرك هذه القوى في مواجهتها للأمريكي في الساحة العراقية.

يمكن القول أن الأمريكي يعمل على هدف أن تصل حركته وسياسته في العراق غير قابلة للمنع ومشروعية مواجهتها غير متحققة، وذلك بهدف الحفاظ على سقف التهدئة المُتبع تجاه الدول المنتجة للنفط. طبعًا هذا الأمر يضيق حركة القوى المعارضة للوجود الأمريكي، لكنه من جهة يعطي فرصة أمامها كون الأمريكي يسعى للحفاظ على تدفق النفط من العراق وتعويض النقص الحاصل من المملكة العربية السعودية.


المصدر: مركز دراسات غرب آسيا




روزنامة المحور