الإثنين 06 حزيران , 2022

المقاربة الروسية للتحدي: ترسيخ قوة موسكو في النظام العالمي الجديد

روسيا والولايات المتحدة

حدد مفهوم الأمن القومي لروسيا عام 1997 على أنها "قوة أوروبية وآسيوية مؤثرة" وأوصى بأن تحافظ روسيا على مسافة متساوية في العلاقات مع القوى الفاعلة الاقتصادية والسياسية الأوروبية والآسيوية العالمية، بينما أشار مفهوم السياسة الخارجية لعام 2000 إلى الإتحاد الروسي على أنه " قوة عظمى" لها مسؤولية الحفاظ على الأمن في العالم على الصعيدين العالمي والإقليمي وحذر من تهديد جدي للهيكل الحالي للنظام الدولي المسيطر عليه من قبل الولايات المتحدة.

تنطلق روسيا في رؤيتها لموقعها في النظام الدولي من صفتها كدولة عظمى وحافظت على هذا الموقع عبر ثلاث مراحل " القيصرية، والسوفياتية، الليبرالية الحالية" رغم التهديدات المحيطة بها بكونها ذات امتداد جغرافي كبير يعاني من عدم استقرار في المناطق المجاورة، وشعورها بتهديد دائم بغزوها من الخارج، وصعوبات في الحفاظ على وحدة الدولة الداخلية، وعلى الرغم من هذه التهديدات تطورت الدولة وحافظت على قوتها واستقلالها.

  تماشيا مع فكرة روسيا كمركز قوة عالمي مستقل نسبيا، إعتمد المنظرون الروس فكرة سياسة خارجية متعددة الاتجاهات ومنهم وزير الخارجية (1996 ـ 1998) يفغيني بريماكوف الذي رأى بأنه يجب على روسيا أن تظل دولة ذات سيادة تتمتع بالقدرة على تنظيم وتأمين فضاء ما بعد السوفيات ومقاومة طموحات الهيمنة في أي مكان في العالم فعليها أن تبحث عن تحالفات ديناميكية في جميع الاتجاهات الجيوسياسية، وألا تكون علاقاتها مع الغرب على حساب مراكز قوى صاعدة في العالم مثل الصين والهند والعالم الإسلامي.

 يعتبر الروس اليوم أن الدولة الروسية مرت بثلاث مراحل زمنية مع ثلاث أشكل حكم مختلفة: روسيا القيصرية، روسيا الشيوعية، واليوم روسيا الليبرالية.

وبناء على هذه المراحل والتجارب في السياسة الخارجية أصبح لديهم أسس واضحة، وخلاصة تجارب لمرتكزات سياسة روسيا الخارجية ورؤية النظام الدولي الحالي. 

حدد صانعو السياسة خمس نقاط أساسية تحدد السياسة الخارجية الروسية  

-الدفاع عن البلد والنظام.

-التأثير في البلدان المجاورة.

-النظر إلى روسيا كقوى عظمى.

-عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة.

-التعاون السياسي والاقتصادي باعتبارها شريكا مساويا للقوى العظمى الأخرى.

ـ الدفاع عن البلد والنظام:

شكل عامل الخوف من التهديدات الخارجية والتعرض للهجوم إطار أساسي في السياسة الخارجية الروسية إضافة الى عامل الإضطرابات المحلية المدعومة من الولايات المتحدة خاصة.

ساهم المجال الجغرافي الكبير للأراضي الروسية مع المسار التاريخي للحروب خاصة مع المحيط الغربي والشعور الروسي بأنها معرضة بشكل دائم للغزو نتيجة التجارب التاريخية والحروب مع الدول المحيطة " فرنسا ـ السويد ـ الدولة العثمانية ـ المانيا " لتأسيس رغبة روسية لإيجاد منطقة عازلة بين "روسيا السوفياتية" والغرب.

يعلق ستيفين كوتكين أستاذ بجامعة برنستون على هذا الموضوع بالقول: "لطالما شعرت روسيا بأنها عرضة للهجوم وأظهرت في كثير من الأحيان نوعا من العدوانية الدفاعية، وحتى الآن تنظر الى الدول الأصغر حجما على حدودها بإعتبارها مرتبطة بالأعداء أكثر منها أصدقاء محتملين"

بعد التهديد الخارجي يرى القادة الروس أن الأعداء الأجانب يحرضون بشكل دائم على الاضطرابات الداخلية في روسيا وهذا السياق يقرأه صانعي السياسة الروس على أنه مترابط وقد أشار جورج كينان أحد مخططي السياسة الخارجية الأمريكية، ومهندس فكرة سياسة الاحتواء الخاصة بالاتحاد السوفياتي إلى أنه : "لطالما صورت المعارضة الداخلية الروسية على أنها عميلة للقوى الأجنبية" التي سعت للإطاحة بحكومة الإتحاد السوفياتي ولأجل هذه القراءة شرعت حكومة بوتين قوانين بخصوص المنظمات الأجنبية التي تشكل تهديد لقدرة  الدفاع الروسية ولأمن الدولة أو النظام العام أو لصحة السكان، لذلك فإن القادة الروس يعتقدون أن قمع هذه المنظمات ومهاجمتها يأتي في سبيل تعزيز قوة النظام لأن هدف هذه المنظمات قيام ثورات واحتجاجات بوجه النظام وهي تقاد من عناصر أجنبية.

ـ التأثير في البلدان المجاورة:

يشير المحللون الروس الى مصطلح البلدان المجاورة بمعنى أنها الدول التي كانت في السابق جزءا من الإتحاد السوفياتي ويقسمونها ما بين تأثير مباشر وتأثير غير مباشر، فروسيا تتمتع بقدر من النفوذ المباشر يتجاوز دول الإتحاد السوفياتي السابق الى دول العالم الشيوعي السابق وخاصة الدول السلافية مثل بلغاريا وصربيا وكذلك لها تأثير محدود في الدول التي يوجد فيها أقليات روسيه كدول البلطيق.

يتركز مخطط النفوذ الروسي المنشود في البلدان المجاورة على أربعة مستويات:

المستوى الأول: بيلاروس ـ كازاخستان ـ قيرغيزستان ـ أوزبكستان ـ تركمانستان ـ أوكرانيا.

المستوى الثاني: جورجيا ـ أرمينيا ـ آذربيجان.

المستوى الثالث: دول البلطيق (أستونيا ـ لاتفيا ـ ليتوانيا)

المستوى الرابع: دول غرب البلقان (البوسنة والهرسك ـ كوسوفو ـ الجبل الأسود ـ صربيا ـ كرواتيا ـ مقدونيا) ودول حلف وارسو السابق (البانيا ـ تشيكوسلوفاكيا ـ بولندا ـ رومانيا ـ بلغاريا ـ المجر)

ضمن التوجه الروسي لتعزيز وتأكيد حضورها كقوة عظمى والتأثير في البلدان المجاورة وفي سبيل تعزيز هذا الحضور أخذت تتحرك لفرض وجودها العسكري في المحيطين القريب والبعيد تحت عنوان " الحضور الإقليمي "وهذا التوجه ظهر مع دخولها في العملية العسكرية الخاصة بسوريا 2015 ، والعملية العسكرية الخاصة بأوكرانيا 2022، انطلاقاً من أن قوة الحضور في المحيط والتأثير فيه يقوّي موقع روسيا على الصعيد العالمي إستراتيجيا بحيث لا تقدر القوى الغربية تخطي الاعتراف بروسيا كقوة عظمى وتحجز موقعها على الخريطة الجيوسياسية العالمية.   

حاليا بدأ الحديث في روسيا والغرب عن مصطلح (روسكي مير) أي العالم الروسي بما يحمله من هوية قديمة للامبراطورية الروسية والشعوب التي ترتبط بروسيا من ناحية اللغة أو العرق مع أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، والروابط مع دول الإتحاد السوفياتي السابق، ومصطلح العالم الروسي يحمل طابع التأثير الإقليمي ويضم:

 ـ منظمة الأمن الجماعي:

(روسيا، أرمينيا، روسيا البيضاء، طاجيكستان، قيرغيزستان، كازاخستان)

 ـ رابطة الدول المستقلة:

(روسيا، بيلاروسيا، تركمانستان، آذربيجان، أرمينيا، جورجيا، أوكرانيا، مولدوفا، طاجيكستان، كازاخستان، أوزبكستان، قرغيزستان)

وهذا التأثير تعبر عنه ثلاثة عناوين:

-ألا تتخذ هذه الدول أي قرارات مهمة تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن دون التشاور مع روسيا.

-مطالبة قادة هذه الدول بأن يلتزموا بأي قرار تتخذه روسيا.

-التعاون بين المنظمات التابعة للدولة الروسية. 

ـ النظر إلى روسيا بإعتبارها قوة عظمى:

ينطلق المسؤلون الروس من الحديث عن عالم متعدد الأقطاب تكون فيه روسيا أحد الأقطاب وقوة رئيسية فاعلة وينبغي أن تظل كذلك وحتى بعد انهيار الإتحاد السوفياتي والحالة الاقتصادية السيئة التي مرت فيها روسيا رفض الرئيس يلتسن المساعدة المالية الأمريكية عام 1992 وقال للرئيس كلينتون: "نحن قوة عظمى ولسنا بحاجة إلى تبرعات".

وعام 2008 قام الرئيس الروسي ميدفيديف بتضمين تعدد الأقطاب كأحد المبادىء الخمسة للسياسية الروسية الخارجية قائلا: "ينبغي أن يكون العالم متعدد الأقطاب. أحادية القطب غير مقبولة؛ والهيمنة غير مسموح بها. لا يمكننا قبول نظام عالمي يتم فيه اتخاذ جميع القرارات من جانب دولة واحدة، حتى لو كانت دولة مهمة وقوية كالولايات المتحدة الأمريكية".

سعت روسيا إلى تقوية موقعها على الصعيد الدولي بوصفها قوة عظمى من خلال دعم مجموعة من المنتديات مثل "البريكس" وعززت ارتباطها بالصين وعملت معها للحد من الوجود العسكري الأمريكي في أواسط آسيا من خلال منظمة شنغهاي مع إتفاقيات أمنية بشأن تتبع المعلومات.

ترتبط وجهة النظر الروسية بوصفها قوة عظمى بأنها تتمتع بالسيادة والإستقلالية المطلقة وترى نفسها ضمن فئة صغيرة من الدول تتمتع بالسيادة المطلقة مقارنة مع الدول الأوروبية التي تحتاج للتشاور مع الولايات المتحدة قبل وضع سياستها وتنفيذها.

تسعى روسيا إلى مواصلة إستقلاليتها الكبرى وتكون قادرة على تحقيق ذلك من خلال تجنب التحالفات أو الإتفاقيات الملزمة مع القوى الأخرى، وكذلك من خلال الحفاظ على القوة الإقتصادية والعسكرية.

ـ عدم التدخل بالشؤون الداخلية:

يؤكد القادة الروس على أن التدخل في الشؤون الداخلية للدول هو مبدأ أساسي للحوكمة العالمية والشؤون الداخلية ويشددون على عدم التدخل خارج إطار منظمة الأمم المتحدة تأتي هذه النقطه في سبيل رغبة روسيا في حماية مصالحها من التدخل الغربي في محيطها القريب، وفي نفس الوقت المحافظة على قدرتها في التأثير على محيطها بوصفها قوة عظمى، وفي فترة ما بعد الحرب الباردة شددت روسيا في خطابها الخارجي على موضوع عدم التدخل خاصة بعد الأزمة الشيشانية، وأكد القادة الروس في أعقاب قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي عقدت في تركيا عام 1999 على أن دول أوروبا الغربية ليس لديها الحق بتوجيه النقد لروسيا عما حدث في الشيشان وأنهم سيبذلون الجهود للتصدي لجميع محاولات التدخل في شؤون روسيا الداخلية تحت أي ذريعة، وكذلك عارض المسؤولون الروس التدخل الغربي في كوسوفو لأن الحملة الجوية على كوسوفو كانت في رأي المحللين الروس تفتح الباب على روسيا في موضوع النزاع في الشيشان.

في مقابل الخطاب الروسي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وميثاق رابطة الدول المستقلة الذي يقول بإحترام سيادة الدول الأعضاء، وحق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل الخارج إلا أن محللي السياسة الروسية يقولون بأن النفوذ الروسي تبدل من نفوذ مباشر إلى نفوذ غير مباشر ضمن هذه الدول.

ـ التعاون السياسي والإقتصادي بإعتبار روسيا شريكا مساويا للقوى العظمى:

بعد انتهاء الحرب الباردة سعت روسيا لمزيد من التعاون والشراكة مع الغرب إلا أن هذه الرؤية أتت تحت مفهوم التعاطي النّدي مع الدول الكبرى، والإستقلالية التامة وسعت لترسيخ ذلك بشكل واضح، وفي المقابل كانت الدول الغربية ومنظماتها لا ترى روسيا من هذا المنظور.

حاول الأمريكييون والروس في تلك الفترة تأسيس مرحلة من التعاون الوثيق وأطلق غورباتشوف وفريقه مصطلح الشركاء على الأمريكيين، وعمّق يلتسن علاقته الشخصية مع بيل كلينتون، وأصبح شعار السياسة الخارجية الروسية عام 1993 بالسعي الروسي لتطوير العلاقة مع الولايات المتحدة للوصول إلى شراكة استراتيجية، وتحالف مستقبلي.

مع مجيء بوتين الذي أعتبر أن سياسة سلفه ضعيفة إلا أنه عزز التعاون مع الغرب بخصوص الإهتمامات المشتركة، وبعد 11 أيلول كان مؤيدا للحرب على الإرهاب، وفي هذا الخصوص يشير المنظرين الروسيين ألكسندر دوغين وناديجدا أرباتوفا إلى أن الكرملين عرض دعمه غير المسبوق على الولايات المتحدة بوصفه حليفا حقيقيا للولايات المتحدة في إقامة تحالف ضد الإرهاب.

 بعد عام 2008 كانت نظرة الرئيس مدفيديف إلى روسيا في سياستها الخارجية على أنها زعيمة كتلة رئيسية في العالم وليست مجرد دولة قوية وعظمى وتوصيف روسيا على أنها أحد فروع الحضارة الأوروبية الثلاثه (روسيا ـ أوروبا الغربية ـ أمريكا الشمالية).

مع بداية الأزمة الأوكرانية بدأ التغير في الرؤية الروسية بإتجاه الغرب إلا أن التصريحات الرسمية الروسية أظهرت بقاء الرغبة في التعاون على أساس الشروط الروسية أي (الشعور العام بالمساواة، والأمن المضمون بالتساوي).

تطور وجهات النظر الروسية بشأن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة:

يؤكد المحللون الروس على أن روسيا سعت لتعاون وثيق مع الغرب في فترة التسعينات إلاّ أن هذا التعاون لم يسر بشكل جيد بالنسبة لروسيا، وحتى عندما سعت روسيا للإندماج مع المؤسسات الغربية بما فيها الناتو والإتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية لم تجد الإحترام لإرادتها وإستقلاليتها لذا فقد فهم الروس عدم جدوى هذا التوجه وتحول تفكيرهم إلى إيجاد مؤسسات خاصة بهم وتطويرها، وبدا واضحا لهم أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة يشكل تهديدا دائما لهم خاصة بعد التدخلات العسكرية الأمريكية خارج إطار الأمم المتحدة وإختراق الناتو والإتحاد الأوروبي مجال النفوذ ومنطقة التأثير الخاصيين بروسيا.

بعد الحرب الباردة ساد اعتقاد في روسيا بأنها ستلعب دورا مشتركا في نظام عالمي جديد وقد لاقى هذا الإعتقاد تشجيعا من صانعي السياسات الأمريكية، وكانت وجهة النظر الروسية في ذلك الوقت مرتبطة جزئيا بوجهة نظر أقترحها غورباتشوف على أساس نظام عالمي يندمح فيه الشرق والغرب على أساس المساواة، بينما كشف  خبير العلاقات الدولية البروفيسير في جامعة واشنطن جوشوا شيفرينسون عن وثيقة سرية لإجتماع مسؤولين بوزارات الخارجية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية عقد في بون 6 أيار 1991  عن تصميم خاص لأوروبا أثناء المناقشات مع الإتحاد السوفياتي لخلق نظام تهيمن عليه الولايات المتحدة، مع الوقت أكتشف المسؤلون الروس كذب الوعود الأمريكية وسياسة أمريكية مختلفة بشأن الإندماج الروسي وتكيفه في المؤسسات الغربية.

مع مجيء الرئيس بوتين كان لديه استنتاج عن السياسة التي اعتمدها يلتسن تجاه الغرب، والتي أضعفت موقف روسيا في العالم، وأوضح بوتين أن المرحلة التي مرت فيها روسيا كانت من أصعب الفترات ولم تواجهها روسيا منذ 200 ـ 300 عام وهذه المرحلة خطرة قد تنقل روسيا الى درجة الدول الثالثة، وهذا التصور كان يعكس الإحباط لدى النخب الروسية الذي كان واضحا لديهم بأن أوثق العلاقات مع الغرب لم تصب في الصالح الروسي، وعلى الرغم من خطاب بوتين العنيف تجاه الغرب في بداية ولايته إلا أنه استمر في السعي لتوثيق علاقة روسيا بالغرب والإنضمام إلى الناتو بشرط الإعتراف بمصالح روسيا وأن تكون شريكا مساويا كقوة عظمى.

النقطة المفصلية التي وقف الروس عندها كانت عام 1999 عندما شن الناتو عملية القصف الجوي لصربيا، والتي تربطها صلات وثيقة مع موسكو فبداية شعرت بخيبة الأمل نتيجة عدم قدرتها على التأثير في حلف الناتو، وبالإهانة من قبل الإتحاد الأوروبي، وبعدها فوجئت بمقاومة مسعاها للدخول في منظمة التجارة العالمية.

مع بداية الألفية الثانية أصبحت السياسات الأطلسية والأمريكية تتخذ وجها متقدما تجاه روسيا مع تهديد الأمن القومي الروسي مع الثورات الملونة في أوروبا الشرقية، والخطط الأمريكية لنشر الدرع الصاروخي، ومن هنا بدأت وجهة النظر الروسية بشأن النظام الدولي تتغير، إضافة لعامل مهم وهو تحسن الوضع الإقتصادي الروسي نتيجة إعادة تشكيل الثروة الإقتصادية النفطية التي مكنتها من سداد القروض الغربية. نتيجة إجتماع هذه العوامل تخلى الروس أولا عن فكرة كونهم جزء من الغرب واتجهوا لتشكيل نظام خاص بهم، وأخذت العلاقات الروسية ـ الأمريكية تأخذ مسارا تراجعيا، وهذا ما عبر عنه بوتين في خطاب القاه عام 2007 في مؤتمر ميونخ للسياسة الأمنية بقوله: "النظام الأحادي القطب لا علاقة له بالديمقراطية " وبدأت سلسلة من الخطابات الروسية ووجهات النظر السلبية تجاه النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

جاءت الأحداث المتتالية من جورجيا إلى أوكرانيا وما حدث في الشرق الأوسط من ليبيا إلى سوريا لتعزيز وجهة النظر الروسية بأن الولايات المتحدة والغرب يقومان بتهديد روسيا بصورة فعلية ومتعمدة وفي النهاية استقرت وجهات النظر الروسية إلى أن الأنشطة الغربية والأمريكية هي تهديد فعلي للمصالح والأمن القومي الروسي.

الرؤى الروسية بشأن النظام الدولي الحالي ومكوناته:

يحدد القادة والمحللون الروس وجهة النظر الروسيه ويعتبرون أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة وتحاول توسيعه ليضم العالم بأسره يهدد أمن روسيا ويقوض تأثيرها في البلدان المجاورة، وفائض القوة التي تستخدمها الولايات المتحدة لتمددها العالمي لها وجهين أحدهما التدخل العسكري المباشر، والثاني دعم المجتمع المدني والعنوان نشر الديموقراطية والحرية، وهذه الأنشطة تهدد بشكل متزايد أمن روسيا ومصالحها الحيوية.

يصف الرئيس بوتين النظام الحالي بأنه آحادي القطب وبأنه لا يعكس توازن القوة الحقيقي في العالم، وبأن العمل الآحادي الجانب لم يعد مقبولا، وأن الاستخدام المفرط للقوة غير خاضع للسيطرة وأن الولايات المتحدة قد تجاوزت حدودها القومية، ونشر الوزير لافروف مقالا عام 2016 تناول فيه محاولة الولايات المتحدة والحلف الغربي المحافظة على الهيمنة العالمية بكافة الطرق المتاحة ومنها:

ـ العقوبات الإقتصادية

ـ التدخل العسكري المباشر

ـ الحرب السيبرانية والمعلوماتية

ـ والتغيير غير الدستوري للحكومات

كما كتب نقلا عن الرئيس بوتين بأن الأعضاء الجدد في الإتحاد الأوروبي والناتو يعترفون خلف الأبواب المغلقة بأنهم لا يستطيعون اتخاذ أي قرار مهم دون حصولهم على الضوء الأخضر من بروكسل وواشنطن، ويرى المحللون الروس على أن طابع الأنشطة الغربية العالمي هو ذو طابع تهديدي ممزوج بالآحادية السياسية، ونظرية التفوق الغربي الإستعمارية مع صبغة حقوق الإنسان والعلمانية التنويرية، ويشير ألكسندر دوغين إلى أن الغرب يؤمن بأن أفضل وسيلة لقيادة الدول المتخلفة هي دمجها في تحالفات إقتصادية وسياسية يهيمن عليها، بينما يتساءل فيودور لوكيانوف عالم السياسة الروسي عن فعالية محاولة الولايات المتحدة لإنشاء نظام أحادي ومنحها لنفسها الحقوق السياسية والأخلاقية لتنظيم العالم بالطريقة التي تراها مناسبة، مما تسبب لفوضى بالنظام الدولي وتآكل مؤسساته التي كانت فعاله وإن بصورة محدودة في القرن الماضي.  

يرى الوزير لافروف أن استخدام الولايات المتحدة للقوة بعيدا عن قرارات مجلس الأمن يعرض النظام الدولي للتقويض ويسمي التدخلات الأمريكية بالأعمال العدائية إبتداء من كوسوفو الى العراق وليبيا، ويتحدث الرئيس بوتين عن أهمية مواجهة فرض الإملاءات الأمريكية، وإجراءاتها التعسفية في الساحة الدولية، وعدم تجاوز الصلاحيات والإمتيازات التي تتمتع بها الأمم المتحدة، والقفز فوق هذه الصلاحيات خاصة عند استخدام القوة ضد أمم ذات سيادة.

رغم ذلك يشدد القادة الروس على العمل تحت عباءة الأمم المتحدة بصفتها إطار للنقاش حتى في حالات الصراع وعدم إتفاق القوى العالمية، وأحيانا يظهر الخطاب المتناقض لروسيا عندما يقترب التهديد إلى حدود أمنها القومي مثلا الدخول العسكري الى جورجيا وسوريا وأوكرانيا حاليا. 

في المجمل تدعم روسيا نظام الأمم المتحدة ويرتكز هذا الدعم على إعتراف الأمم المتحدة بروسيا كقوة عظمى، وامتلاك روسيا حق النقض في مجلس الأمن الذي يمنع في كثير من الأحيان التدخل الأمريكي في منطقتها، وبالتالي فإن دعم روسيا للأمم المتحدة يتوافق في الغالب مع إرادة الولايات المتحدة بالحفاظ على هذا النظام الدولي.

ـ الإتفاقيات الأمنية المتعددة الأطراف:

يرى صانعو السياسة والمحللين الروس أن وجود الناتو وتوسعه هو تهديد للأمن الروسي بينما يتحدث الأمريكيون عن الناتو بأنه ضمانه للحرية والديمقراطية وإستقرار الأمن، وتبقى الهواجس الروسية من فقدان روسيا تأثيرها ونفوذها في الدول المجاورة مقابل الحضور العسكري القوي للناتو على حدودها وبالتالي سعت روسيا إلى تعزيز حضورها بترتيب إتفاقيات أمنية مع العديد من الدول الأوروبية وإلى تقوية مؤسسة منافسة تحت إسم منظمة معاهدة الأمن الجماعي بين دول الإتحاد السوفياتي السابق.

في السابق اثناء المباحثات بين الروس والأمريكيين بعد انتهاء الحرب الباردة بشأن الناتو كان هناك تصريح واضح في وسائل الإعلام الروسي بأنه: (إذا تحرك الناتو شرقا فستتحرك روسيا غربا).

 منذ الأزمة الأوكرانية أصبح الروس أكثر صراحة في تعريف الناتو كتهديد لروسيا عندما ضمت تشكيلة الناتو منذ عام 1999 اثنا عشر دولة كانت ضمن حلف وارسو، مع استمرار العين الناتوية على جمهوريات يوغسلافيا السابقة والحديث عن دمج أوكرانيا وجوجيا.

عام 2015 أظهرت الوثائق الرسمية الروسية في سياق الحديث عن الأمن القومي الروسي إستمرار التهديد المتصاعد من الناتو مع سعيه لضم العديد من الدول السوفياتية السابقة. وتسعى روسيا لوضع ترتيبات أمنية معززة تتمتع من خلالها بنفوذ أكبر على شاكلة "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا".

كان هناك توجه روسي لدعم الإتحاد الأوروبي والإندماج فيه حتى عام 2013 إلا أن روسيا عبرت عن مخاوف كبيرة تجاه عدم إعتراف أوروبا بالدور الروسي كقوة عظمى، ومع توسع الإتحاد الأوروبي تجاه الدول السوفياتية السابقة، والتحرك العسكري الغربي تجاه أوكرانيا دعمت روسيا تأسيس منظمات إقليمية موازية كالإتحاد الإقتصادي للمنطقة الأوروبية الآسيوية، والإتحاد الجمركي للمنطقة الآسيوية الأوروبية، واتخذت مجموعة من الإجراءات الإقتصادية ـ السياسية ـ العسكرية  بهدف تقويض الإتحاد الأوروبي، وفي نفس الوقت عززت من الإتفاقيات الثنائية بينها وبين الدول السوفياتية السابقة، وقامت بتعزيز رابطة الدول المستقلة التي تكونت ركيزتها في آسيا الوسطى لتكون على حد تعبير الرئيس بوتين جسر إتصال بين آسيا وأوروبا.

بعد عام 2014 والأزمة الأوكرانية وضم روسيا لجزيرة القرم صرح الرئيس بوتين في خطاب له بالقول : "لا بد أن الغرب فقد الغريزة السياسية وحسّه السليم لكي لا يتوقع عواقب أفعاله، فقد وجدت روسيا نفسها في موقف لا يمكن التراجع عنه. إذا ضغطت على المرء إلى أقصى حد، فستلقى ما لا يعجبك".

ـ الرؤية الروسية للتوجه الإقتصادي العالمي:

أظهرت الأزمة الأوكرانية صورة واضحة للروس من ناحية التوجه الغربي بالتعامل مع روسيا على كافة الصعد وخاصة على المستويين الإقتصادي والمالي بداية مع استمرار عرقلة الوجود القوي لروسيا في المؤسسات المالية الدولية التي يقودها الغرب، لذا توجهت روسيا للمشاركة مع الصين في مؤسسات تشكل واجهة للمنافسة مع تلك المؤسسات التي يديرها الغرب، ففي عام 2015 أصبحت روسيا ثالث أكبر مستثمر في ( البنك الاسيوي للإستثمار في البنى التحتية ) الذي يشكل منافسا محتملا للبنك الدولي، إضافة الى دعم دول البريكس لإقامة بنية تحتية مالية بديلة، وقد ذهب تقرير المركز الفكري الروسي للمعهد الروسي للدراسات الإستراتيجية إلى الإشارة الى أن دول البريكس( تسعى بدعم من الدول النامية إلى إعادة ترتيب الهيكل العالمي المالي برمته بما في ذلك التجارة الدولية، والنقد الأجنبي والعلاقات المالية، والإستثمارات الأجنبية، والسيطرة على مصادر الخام، والأسواق الإقليمية، والتكنولوجيات المتطورة ).    

ـ رؤية روسيا حول اتفاقيات الحد من التسلح:

بدأت مفاوضات حول الحد من التسلح أثناء الحرب الباردة واستمرت بين روسيا والولايات المتحدة وتوصل الطرفين إلى إتفاقيات بهذا الخصوص شملت:

ـ السلاح النووي والرؤوس الحربية.

ـ القاذفات الإستراتيجية.

ـ تطوير منظومات القذائف المضادة للقذائف التسيارية.

ـ معاهدة القوات التقليدية في أوروبا.

منذ عهد غورباتشوف ووصولا الى عهد يلتسن بدعم المفاوضات الخاصة بالحد من التسلح لأن سباق التسلح أنهك الإتحاد السوفياتي من الناحية الإقتصادية، وبالتالي كانت رؤية يلتسن بأن ذلك يخفض من النفقات العسكرية على روسيا.

خلال حكم بوتين إشتد الخلاف مع الولايات المتحدة خاصة مع ازدياد التهديد العسكري الغربي لروسيا وتوسع الناتو وسعي الولايات المتحدة إلى امتلاك منظومة مضادة للقذائف التسيارية، وبدأت الإتهامات بين روسيا والولايات المتحدة بخرق الإتفاقيات الموقعة فيما خص الدفاع الصاروخي الأمريكي، والقذائف الأمريكية التقليدية الدقيقة التوجيه، والطائرات المسيرة بدون طيار، وتسليح الفضاء الخارجي، والأسلحة النووية المتوسطة المدى، وعام 2016 إنسحبت روسيا من ثلاث إتفاقيات حول التعاون النووي مع الولايات المتحدة وذلك على خلفية العقوبات الأمريكية بسبب أوكرانيا.

 أدت إتفاقيات الحد من التسلح بشكل عام إلى الحد من القوة التسليحية الأمريكية في أوروبا، وكانت مناسبة لروسيا قبل تفعيل التمدد الأطلسي نحو حدودها، واستغل الروس هذه الإتفاقيات لصالحهم لكن مع التحول الذي حدث منذ مطلع الألفية الحالية والسعي الأمريكي لضم دول أوروبا الشرقية للناتو بدأت روسيا بالإنسحاب من المعاهدات تدريجيا فعام 2007 قررت تعليق مشاركتها في معاهدة القوات التقليدية في أوروبا والإنسحاب منها رسميا عام 2015.

نتيجة المصالح الحيوية الروسية طبقت روسيا بنود المعاهدات وحيثما وجدت أن هذه المعاهدات تقيدها وتطلق يد الناتو كانت تنسحب منها، واستفادت منها في كثير من الأحيان كمطالبتها بمنع نشر الدرع الصاروخي في أوروبا إضافة الى إيجاد سوق روسي للمنتجات النووية المدنية والسلاح التقليدي، وضمان دور لروسيا في المفاوضات الدولية (الإتفاق النووي الإيراني مثالا).

 ـ رؤية حول السيادة والديمقراطية وحقوق الإنسان:

يعتبر المسؤولون الروس أن الشعارات التي ترفعها الولايات المتحدة بخصوص حقوق الإنسان والديمقراطية ما هي إلا غطاء لتوسيع نفوذها، وتهديد لأمن روسيا ونظامها بإعتبار أن روسيا دولة مستقلة وذات سيادة كاملة غير الكثير من البلدان، ولها الحق في منطقة نفوذ مما يتعارض مع مفهوم السيادة الذي يطرحه الأمريكيون الأمر الذي يفتح لهم باب التدخل الخارجي إما بالمباشر وإما عبر الثورات الملونة، وعلى سبيل المثال أشارت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي عام 2015 إلى أن "القوة العسكرية قد تكون ضرورية في بعض الأحيان للدفاع عن بلادنا وحلفائنا أو للحفاظ على الأمن والسلام على أوسع نطاق، بما في ذلك حماية المدنيين الذين يواجهون أزمة إنسانية خطيرة".

التدخل الأجنبي:

ينظر الروس إلى أن التدخل الأمريكي يتحرك في محيط ومنطقة النفوذ الروسي من يوغسلافيا إلى ليبيا وأفغانستان والعراق ويبرر التدخل على أن هناك إنتهاكات لحقوق الإنسان وفي كثير من الأحيان تحرك الأمريكيون خارج إطار الأمم المتحدة وهذ ما يراه الروس محاولة لتوسعة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.

الثورات الملونة:

منذ انتهاء الحرب الباردة قامت سلسلة من الإحتجاجات الشعبية في دول الإتحاد السوفياتي السابق، وتبنت الحكومات الغربية هذه التحركات بإعتبارها تطالب بالديمقراطية والحرية، بينما يصنفها الروس على أنها ممولة ومدبرة من الغرب، وهي إنقلابات منظمة هدفها إسقاط السلطات الرسمية وهي تشكل لروسيا تحد جغرافي وسياسي وترى أن هدفها الحد من النفوذ الروسي وتقليصه خارج حدودها، وتبدأ هذه الثورات التي أطلق عليها تسمية "الثورات الملونة" بالتحريض والتمويل وأخيرا الإنقلاب وكثيرا يتجه الغرب إلى عسكرة هذه الثورات ليبتعد عن التدخل المباشر أو ليفتح له بابا للتدخل تحت شعار "حماية المدنيين" ما يعني أن القوة العسكرية مختبئة بشكل كبير خلف هذه التحركات، ويؤكد المسؤولون الروس على أن هذه الثورات هي من العناصر المنسقة للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وتسعى لتوسعته.

يرى الروس بأن وجود نظام عالمي قوي هو شيء أساسي وضروري لروسيا إنما نظام عالمي متعدد الأقطاب وهي تعمل على تعزيز قوتها ووجودها في هذا النظام لأنه يعترف فيها كقوة عظمى ولها مقعد دائم في مجلس الأمن  يمنحها حق النقض لذا فإن سعيها الدائم ينطلق من تحقيق أكبر قدر وإستفادة من هذا النظام الذي تشكل الأمم المتحدة إطاره العام، ومحاولة تثبيت نفوذها في محيطها الحيوي، وتعزيز حضورها على الساحة العالمية كلاعب أساسي في السياسة الدولية وأن تستغل وجودها الجغرافي والإقتصادي والعسكري لتنتزع من الغرب الإعتراف بها كركن أساسي مؤثر في الحركة السياسية العالمية، وإنطلاقا من الموقع الجيوسياسي لروسيا يردد المنظرون الروس فكرة أن روسيا هي قلب أوراسيا وأن نظام الولايات المتحدة نظام معاد لروسيا، وأن الإكتفاء الذاتي للدولة الروسية يجعلها أمبراطورية وهي الحالة الطبيعية للنظام السياسي الروسي.

 في المرحلة التي تلت سقوط الإتحاد السوفياتي ظهر في روسيا من يروج لرؤية روسيا كجسر تواصل ثقافي بين أوروبا وآسيا، ونظروا الى النظام الدولي على أنه صراع حضارات متعدد الأقطاب على النسق الذي تحدث فيه صامويل هنتنغتون، وهناك من تحدث عن أن النظام الدولي يحمل صفة الصراع الجغرافي الثقافي ثنائي القطبية وهو في نفس الوقت صراع قارات وصراع بين قوى البر والبحر كما تحدث أبرز المنظرين لروسيا الحالية ألكسندر دوغين.

في الحالة التي وصلت إليها روسيا هذه الأيام يتحدث صانعي السياسة الروس عن وجوب تحويل روسيا إلى دولة ذات إكتفاء ذاتي بعيدة عن تأثيرات الأطلسي الذي يعتبرونه نظاما فوق إقليمي يعمل لصالح فرض سيطرة القطب الواحد عالميا، وبالتالي فإن روسيا تطمح إلى تطوير الأمبراطورية الأرثوذوكسية الروسية التي يراها القومييون الروس المعقل الأخير للمسيحية، وإيجاد نظام إقليمي على غرار حلف وارسو مقاوم للغرب يضم الصين والهند وإيران.

تبقى الرؤية الروسية حول الحفاظ على هذا النظام الدولي وتحصين موقع روسيا فيه وإجبار الغرب على احترام أولويات روسيا ومنعه من الإقتراب من مناطق نفوذها والذهاب إلى عالم متعدد الأقطاب يضمن حالة من السلام العالمي، وإن انهيار الإطار الحالي للنظام الدولي (منظمة الأمم المتحدة) قد يؤدي إلى ما حدث عند إنهيار (عصبة الأمم) وإندلاع حرب عالمية.


المصدر: مركز دراسات غرب آسيا

الكاتب: محمد إبراهيم