الأحد 27 حزيران , 2021

ضمانة الوجود المسيحي في لبنان كما المنطقة: خيار المقاومة

يقصد بمصطلح"الوجود المسيحي في المشرق"عادة، هو حضور المسيحيين وتواجدهم في دول المنطقة: لبنان، سوريا، العراق، الأردن وفلسطين، ومصر إضافة إلى كل من تركيا وإيران. هذا التواجد الذي بدأ، منذ مرحلة بزوغ الديانات السماوية الثلاث، وما جرى بعدها من تطورات سياسية وتاريخية، خصوصاً ما بعد مرحلة الحملات الصليبية وما حصل بعدها من تبدلات جيوسياسية حتى الآن. أدخل في الوعي الجمعي للمسيحيين وخصوصاً في لبنان، القلق من المستقبل، جراء ما قد تؤول إليه التطورات السياسية في المنطقة على وجودهم. فمنهم من ظن أن استمرار الوجود، لا يمكن سوى بدعم الدول الغربية من فرنسا ولاحقاً الولايات المتحدة الأمريكية، فيما اعتقد البعض أن انعزالهم عن المحيط مع الإستعانة بكيان الإحتلال الإسرائيلي كفيل بتحقق ذلك.

إلى أن تطور رأي عند قسم كبير منهم مؤخراً (بالتحديد منذ نشأة المقاومة الإسلامية)، وخصوصاً بعد ما مر لبنان وبلدان المنطقة من حروب وتطورات داخلية. جعلهم يؤمنون بأن ضمان استمرار الوجود، هو بتفاعلهم وتشاركهم النشط مع القضايا والتحديات المشتركة لشعوب المنطقة، بما يمثلونه من مكون رئيسي للبنان، بالإضافة الى دعمهم للمقاومة والمحور، في سبيل تحرير المنطقة من الإحتلال الإسرائيلي والتنظيمات الإرهابية، وإفشال مشاريع الهيمنة الأمريكية.

مرحلة تحرير لبنان

ففي لبنان، ومنذ بزوغها اعتمدت المقاومة الإسلامية، على مبدأ مد الجسور بين أطراف مسيحية عدة، لا ترتبط بعلاقة مع كيان الإحتلال، وتمتلك معها روابط أو تواجد مشترك، في المناطق التي تتواجد فيها مجموعات المقاومين. وقد أثمرت هذه الروابط في خلق جو من الإحتضان الشعبي  للمقاومة عابر للطوائف، ويوفر متطلبات السلم الأهلي والعيش المشترك. ولعل مشاركة العديد من الشبان المسيحيين في عمليات المقاومة ضد جيش الإحتلال وعملاءه، كما استشهاد البعض منهم، هو خير برهان على الأثر التي تركته إقامة هذه الروابط. بالإضافة إلى أن نجاح تجربة تحرير جزين والجنوب اللبناني لاحقاً، في منع حصول أي حوادث وإشكالات تحمل بعداً طائفياً، كما كان يأمل كيان الإحتلال عقب التحرير، يعد تجربة ناجحة وغير مسبوقة في تاريخ حركات المقاومة في العالم على هذا الصعيد. كما لا يمكننا هنا أن ننسى دور رئيس الجمهورية الأسبق العماد إميل لحود، الذي من خلال توليه لقيادة الجيش ولاحقاُ من خلال توليه لرئاسة الجمهورية، قدم أبرز نموذج لما يمكن لهذه العلاقات، أن تؤسسه من شراكة رئيسية في الإنتصارت والإنجازات، وما يمكن تطويره في القادم من المراحل الوطنية.

ما بعد التحرير والتحديات الداخلية والإقليمية

فبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما كان يحضر له من تداعيات وفوضى، تقسم البلد بناءاً على معيار مذهبي و طائفي، لا تقف عند حدود لبنان بل تتعداه إلى سوريا والعراق. نشأت علاقة تفاهم سياسي بين حزب الله و التيار الوطتي الحر، تطورت فيما بعد إلى تحالف متين رغم كل الضغوط و العقوبات و أنواع الحروب. استطاعت أن تؤسس لانصهارشعبي ما بين جمهور الحزبين، لا يلغي حق التنوع واختلاف الآراء من جهة، ويضع أسس العلاقة في المستقبل بما يضمن حقوق الجميع، وبؤسس لمرحلة الإنصهار الوطني الجامع.

وبالتزامن تطورت علاقة الحزب بالعديد من الأحزاب والقوى والشخصيات المسيحية، ابرزهم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، الذي قدم الدعم والمساندة للمقاومة في العديد من المراحل و التحديات الحساسة.

ومرت علاقة المقاومة بهذه الأطراف بعدة تحديات كبرى، أثمرت نجاحات وانتصارات كبرى أيضاً

أما الإختبارات الكبرى التي مرت بها هذه العلاقة:

_ مرحلة حرب تموز: التي كانت تخطط لها أمريكا، بأن تكون انطلاقة عملية تغيير خارطة المنطقة جيوسياسياً، من خلال تقسيم المنطقة طائفياً ومذهبياً، بما يتناسب مع مصالحها ووجود كيان الإحتلال.

وتميزت هذه الحرب بتضامن واحتضان اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً مع شعب المقاومة، بما جسد أرقى صور التضامن المشترك، التي لم يكن لها مثيل منذ تأسيس لبنان.

_ مرحلة الأزمات الداخلية: والتي تميزت بالجهد المشترك لتحقيق التمثيل العادل لكل مكونات الشعب اللبناني، وخصوصاً الطائفة المسيحية. التي عانت من ضعف تمثيلها السياسي، بسبب القوانين الانتخابية، التي توصل أشخاصاً لا تتوافق مع الإرادة الشعبية .

_ مرحلة الأزمات الإقليمية: بعد قيام الثورات العربية والصحوة الإسلامية، وما شكلته من خطر وجودي على "إسرائيل". سارعت الولايات المتحدة الأمريكية الى نجدتها، عبر استغلال هذه الثورات لنقلها إلى سوريا (لضرب العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة). وعندما فشلت في ذلك عبر التحركات الشعبية، مدت الجماعات الإرهابية ذات الفكر التكفيري بشتى أنواع الدعم المادي والعسكري، لكي تدخل المنطقة مرة جديدة في مستنقع التقسيم على أسس طائفية ومذهبية. فالتنظيمات الإرهابية كانت تهدد وتسعى، لقتل وطرد كل من يختلف عنها طائفياً (المسيحيين) ومذهبياً (الشيعة والدروز). عندها كان لمحور المقاومة وخصوصاً المقاومة في لبنان، الجهد الرئيسي في دعم سوريا دولة وشعباً على إفشال هذه المخطط، الذي لن بصيب في تداعيته سوريا فقط، بل سيشمل دول المنطقة بأسرها وأولهم لبنان. واستطاعوا تحقيق الانتصار الاستراتيجي، وإفشال هذا المخطط بعد حوالي 11 عاماً من الجهود المتواصلة، ليبقى المسيحيين في لبنان و سوريا بمنأى عن أي مخاطر وجودية.


الكاتب: غرفة التحرير