الأربعاء 29 حزيران , 2022

هآرتس: سبب أزمة غزّة الإنسانية تعود الى الحصار الإسرائيلي لا أزمة المناخ

غزة

تعتبر الأمم المتحدة أن أزمة المناخ هي "أزمة العصر، وتتدهور بسرعة لا يمكن تصورها". وقد توقّع تقرير لـ "معهد بحوث الأمن القومي" العبري أن يشهد قطاع غزّة تداعيات كبيرة جراء التغيير في المناخ. لكنّ صحيفة "هآرتس" العبرية علّقت على تقرير المعهد بردّ الأزمات الإنسانية في القطاع الى سياسية الحصار الإسرائيلية.  

المقال المترجم:

مؤخرا نشر معهد بحوث الامن القومي تنبؤات مخيفة، تحذر من تداعيات ازمة المناخ على قطاع غزة. التحليل عرض معلومات مقلقة عن ظروف الحياة البائسة للسكان المدنيين الفلسطينيين في القطاع، ويقترح سلسلة خطوات ممكنة لإبطاء التدهور.

تغير المناخ يحدث في الشرق الاوسط بسرعة، الامر الذي يقتضي التفكير والعمل بشكل ملح. مع ذلك، يبدو أن معهد بحوث الامن القومي يرى الوضع الانساني في القطاع كمعطى: تشابك الظروف التي يعتبر ان واحدة منها هي المواجهة مع اسرائيل. وهذه مقاربة خاطئة، تطمس بشكل متعمد حقيقة أن السبب الرئيسي لتعرّض سكان القطاع لعواقب هو سياسة الاغلاق (الحصار) الإسرائيلية.

تدهور واقع السكان المدنيين في القطاع الى حافة الكارثة الانسانية هي عملية ممنهجة، وعلنية للسياسة الاسرائيلية تجاه غزة. لذلك، لا يهم ماذا ستكون الخطوات الابداعية التي ستتخذ من أجل تخفيف ازمة المياه أو الطاقة في القطاع.  يجب على اسرائيل عليها أولا الإقرار بأن عزل غزة سياسة غير أخلاقية وبالتالي يجب إيقافها.

في العالم الذي نعيش فيه، لا يوجد اقتصاد ذاتي للموارد، ولكن في ظل سياسة حصار غزة، - المنطقة الجغرافية التي تحتوي على 2.1 مليون نسمة – فمن المتوقع أن تعيش على المياه المحلاة تقريبا من داخل منطقتها فقط، وبجودة متدنية.

الكهرباء في القطاع محدودة أيضاً ومما يفاقم الأزمة اتخاذ إسرائيل خطوات عقابية جماعية ضد السكان، ومنع دخول الوقود حتى الممول، وعلى أي حال، حتى لو توفر الوقود بغزارة فإن محطة الطاقة والبنى التحتية لنقل الكهرباء ما زالت مدمرة بشكل جزئي نتيجة القصف الإسرائيلي.

كما تعيق إسرائيل إدخال آلاف قطع الغيار الضرورية لصيانة منظومات المياه والكهرباء، وتعرض استمرار عملها للخطر. في وقت تعافي فيه منشآت المياه من نقص آلاف قطع الغيار، كما أن منع إدخال بعض المواد التي تعتبرها إسرائيل "ثانوية الاستخدام"، تمنع أي إمكانية لترميم البنى التحتية لشبكة الكهرباء في غزة. اختصار، تحكم اسرائيل بشكل متعمد على سكان القطاع بالمعاناة من البرد في الشتاء والحرارة في الصيف (تخيلوا ليالي آب في السهل الساحلي بدون أجهزة تبريد)، وتقييد سحب المياه أو ضخ مياه المجاري وتقليص كل نشاط حيوي، بما في ذلك النشاطات الطبية، لبضع ساعات كل يوم.

الكهرباء في القطاع، كما تشير وثيقة المعهد، تحولت للاعتماد أكثر فأكثر على الالواح الشمسية. يا للسخرية. ربما على اساس نموذج المياه، فان اقتصاد الكهرباء في القطاع سينحصر داخل حدود الاشعاع الشمسي بين الجدران. هل يجب علينا الآن القلق بسبب ارتفاع تركيز ثاني اوكسيد الكربون في مياه البحر المتوسط وتقليص الثروة السمكية في غزة نتيجة ازمة المناخ؟، حيث أن اسرائيل ايضا بهذا توسع تقلص مساحة الصيد في غزة كما يروق لها، وتمنع بشكل متعمد الصيادين في غزة من كسب الرزق من هذا المورد الطبيعي الرئيسي المتاح لهم بشكل مباشر.

يجب أن تتوقف طائرات الرش الاسرائيلية عن رش مبيدات الاعشاب على طول الجدار في غزة، والمس بالزراعة في غزة قرب الجدار. قطاع غزة لا يعتبر مكان معرض بشكل خاص لأضرار تغير المناخ بسبب موقعه الجغرافي أو المناخي. القطاع "ليس منطقة جغرافية لها ميزات فريدة، بل هو جيب سياسي محبوس داخل حدود اصطناعية. غزة تم فصلها عن فضاءاتها الزراعية وعن احواض المياه التي نقلت اليها المياه من 1949، كجزء من ترتيبات الهدنة مع مصر. بعد العام 1967 تم تشكيلها من قبل اسرائيل كمصدر للقوة العاملة الرخيصة وسوق مأسورة للمنتجات الاسرائيلية. ومنذ العام 2007 يخضع قطاع غزة لإغلاق عسكري اسرائيلي، حوله في نظر الكثيرين الى "أكبر سجن مفتوح في العالم". الوضع الانساني الفظيع السائد الآن هناك هو سمة من سمات سياسة اسرائيل وليس خطأ، مع ازمة مناخ أو بدونها.

من المهم مناقشة الاستعداد للسيناريوهات المخيفة لأزمة المناخ. ولكن الأكثر أهمية أن هذا النقاش لا يجب أن يطمس حقيقة أن الظروف في القطاع هي بسبب ظروف سياسية. لذلك، الطريقة لحل الازمة في قطاع غزة لن نجدها في محاولات ابداعية لتجاوز هذه المسألة مع الحفاظ على غزة معزولة عن العالم، بل من خلال اعادة ربطها بالفضاء الاقتصادي والجغرافي المحيط بها. أولا، عبر فتح المعابر امام تدفق متواصل للأشخاص والبضائع، وبعد ذلك ربط القطاع بشبكة الكهرباء والمياه.

سيطرة إسرائيل الواسعة على المناطق الفلسطينية، تجبرها من ناحية القانون الدولي، على الاهتمام بحياة السكان تحت سيطرتها؛ وسواء أرادت إسرائيل أم لا، فإن 40 عاما من الاحتلال الفعلي و15 عاما من حصار قطاع غزة الذي خلف وضعا كارثيا، لا يمكن إلقاؤه على أزمة المناخ.


المصدر: هآرتس

الكاتب: دوتان هليفي