الجمعة 08 نيسان , 2022

تصدعات بنيوية: الكيان المؤقت في انحدار متواصل

الكيان المؤقت

ما هي التهديدات الوجودية التي يعاني منها الكيان المؤقت؟ ما هي الثغرات المتأتية عن تلك التهديدات؟ ما هي مؤشرات الانحدار في الكيان؟ كيف تتحول تلك الثغرات إلى تصدعات بنيوية؟ البحث عن إجابات هذه الأسئلة بالاستناد الى الدراسات الحديثة الإسرائيلية والى رأي الجمهور الإسرائيلي، توصل الى خلاصة مفادها أن هذا الكيان مؤقت عملياً حيث أنه متأثر بجملة من التهديدات الخارجية وبعدّة ثغرات جوهرية داخلية تؤدي في نهاية المطاف الى تصدّع بنيته وتآكله.  

التهديدات الوجودية

بالعودة إلى الدراسات التي تجريها مراكز الأبحاث في الكيان المؤقت، يمكننا تقسيم التهديدات الوجودية إلى داخلية وخارجية. وأن نجمع بين خلاصة مختلف الدراسات الإسرائيلية لنحدد أهم التحديات التي يهابها الكيان الإسرائيلي:

_ التحديات الخارجية

التهديد الأول: إيران النووية والتحوّل النوويّ متعدّد الأقطاب في غرب آسيا حيث جاء في الدراسة الاستراتيجية السنوية للعام 2022 التي يعدها مركز الأمن القومي الإسرائيلي، أن "إيران تقع في قلب التحديات، التي تواصل السعي للوصول إلى عتبة نووية، ولديها بالفعل القدرات اللازمة لاختراق سلاح نووي في غضون أسابيع. في الوقت نفسه، لا تزال مصممة على بناء خياراتها العسكرية لتهديد إسرائيل في عدة مناطق على طول حدودها، بما في ذلك من خلال استخدام وكلاء لها في هجوم مضاد وبالصواريخ والصواريخ ومركبات الهجوم الجوي بدون طيار والنيران الدقيقة".

وفي إزاء الاتفاق النووي الإيراني، فإن الكيان المؤقت في حالة من العرج الاستراتيجي، بحسب ما ورد في الدراسة آنفة الذكر، فـ"السيناريوهات المختلفة الممكنة سواء كانت اتفاقية جزئية أو المراوحة الطويلة أو انفجار المفاوضات، هي كلها سلبية بالنسبة للكيان". وتقر هذه الدراسة بـ “ازدياد الحاجة إلى الحفاظ على حوار وثيق مع الإدارة الأمريكية يمكّن من صياغة استراتيجية شاملة تتضمن بناء تهديد عسكري فيه مصداقية للسنوات القادمة وتعزيز الضغط متعدد الابعاد على إيران وإحباط المكونات المتقدمة في البرنامج النووي إذا لزم الأمر. ومواصلة أسلوب "المعركة بين الحروب" لكبح ترسيخ تواجد إيران في الإقليم وليس في سورية وحدها، وتشكيل تحالف إقليمي واسع (باستخدام "اتفاقيات إبراهام") ودولي لتقييد خطوات إيران وتعزيز الرد ضدها.

وفي دراسة سابقة لمركز الأمن القومي، أعدّها حول التهديدات الوجودية عام 2020، تم التركيز فيها على عواقب "التحوّل النوويّ متعدّد الأقطاب في الشرق الأوسط"، والنظر إلى إمكانية حدوث هذا السيناريو على المديين المتوسط ​​والبعيد؛ خاصةً إذا تحرّكت إيران إلى الأمام في برنامجها النووي، بما في ذلك جوانبه العسكرية. وقد اعتبرت الدراسة، أن "دوافع إيران النووية تساهم بديناميكية معاكسة في تطوير الجهود النووية - المدنية والعسكرية -لدى الدول العربية".

التهديد الثاني: هو إمكانية إنشاء تحالف إقليمي معادٍ يمتلك الدافع والقدرة على تشكيل تهديد وجودي للكيان المؤقت. وقد شددت الدراسة الإسرائيلية حول حرب الشمال القادمة، على هذا التهديد معتبرةً أن "الأولوية بالنسبة للكيان هي التحدي العسكري في المنطقة الشمالية، وهو ما له علاقة بتمدد المحور الشيعي وإقامة الجسر البري من طهران إلى لبنان وزيادة الاحتكاكات بين المحور والكيان".

التهديد الثالث: يكمن في سيناريو الردّ الإسرائيلي الفاشل على هجومٍ صاروخيٍّ دقيقٍ واسع النطاق يستهدف الجبهة الداخلية فبحسب دراسة التهديدات الوجودية لـ "إسرائيل" بما في ذلك مركبات الهجوم الجويّ بدون طيار والهجمات الإلكترونية لشلّ أنظمة الدفاع وعمل الدولة. تعتبر الدراسة أن "الكيان الرئيسي المعادي القادر على الشروع في مسار هذا العمل هو إيران، بالإضافة إلى وكلائها الإقليميين والحلفاء". ومن بين التهديدات العسكرية الخارجية التي تمّ فحصها في هذه الدراسة، "التهديد الفوري والملموس والمحتمل الذي يواجه "إسرائيل" حاليًا. إنّ هجومًا من هذا النوع، في ظلّ الظروف القصوى، يمكن أن يلحق ضررًا شديدًا بكلٍّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على إدراك قوته العسكرية وكذلك البنية التحتية للدولة واستمراريتها الوظيفية. إنّ التطورات التكنولوجية بين أعداء "إسرائيل" (خاصةً في مجال الصواريخ الدقيقة) تزيد من التهديد، وكذلك الحاجة إلى نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي للتعامل مع عددٍ كبيرٍ من عمليات إطلاق الصواريخ من عدّة ساحات. كما يحتمل أنّ الضرر الكلي يزيد من تفاقم هذا التهديد، ويتطلب التعامل معه من خلال تطوير إسرائيلي متعدد التخصصات، في المجال العسكري - فعلى "إسرائيل" أن تتطور وتنفذ خطةً دفاعيةً متكاملةً مستخدمةً مختلف الأنظمة التقنية التي بإمكانها اعتراض جميع أنواع التهديدات مع احتساب احتمالات ومخاطر الردود على الأعمال الهجومية الاستباقية ضدّ جيش الأعداء؛ في المجالين العسكري والدبلوماسي."

وهذا ما يتوافق مع توقعات وتحليلات مدير المركز العميد احتياط أودي ديكل، الذي قد حذّر من أن الجبهة الداخلية ستُهَاجَم في الحرب المقبلة بآلاف الصواريخ، بينها عشرات الصواريخ الدقيقة، وبطائرات مُسيّرة هجومية من عدة جبهات بشكل متوازٍ: لبنان، سوريا، غرب العراق، ومن الممكن أيضًا غزة. وعليه، ستكون حرب الشمال مختلفة وأصعب من سابقاتها. واعتبر أودي ديكل، وفقا لدراسة حرب الشمال القادمة، أن نطاق السيناريوهات المحتملة لحرب الشمال بناءً على التغيرات الجيوبوليتكية والتطورات في ساحة الصراع كما يلي:

أ- حرب لبنان الثالثة: ستكون شبيهة في خصائصها بالحربين السابقتين اللتين خاضهما الكيان في مواجهة جبهة واحدة، أي الجبهة اللبنانية (1982؛ 2006).

ب- حرب الشمال: ستكون مختلفة عن سابقاتها في بعدين أساسيين:

_ البعد الأول، حزب الله هو العدو الأساسي، لكن مكونات المحور الشيعي – الذي تمركز جيداً في المنطقة الشمالية – ستكون شريكاً كاملاً في القتال "الميليشيات الشيعية" في سوريا والعراق؛ الجيش السوري الذي رمم قدراته العسكرية وقدرات عسكرية إيرانية في سوريا وغربي العراق؛

_ البعد الثاني مدى الجبهات وعمقها – لبنان، وسوريا والعراق. في هذا السيناريو تشغّل إيران وكلاءها في المنطقة وثمة احتمال لإطلاق نار من غرب العراق، لكن قواتها لا تتدخل في القتال من أراضي إيران.

ج- حرب ضد إيران: تدخّل (إيراني) مباشر، وليس فقط عبر تشغيل الوكلاء: تطلق صواريخ (باليستية وصواريخ بحرية) من أراضيها باتجاه أهداف في الكيان، ويشارك الجيش الإيراني والحرس الثوري في القتال ضده. في إطار هذا المشروع تقرر التركيز على تحليل السيناريو الثاني (حرب الشمال)، في ضوء التقدير أن هذا هو السيناريو الأكثر معقولية ومن المناسب معالجته.

التهديد الرابع: عزلة الكيان بعد تعرّضه لمقاطعةٍ وعقوباتٍ دولية، وبالرغم من انتقادات دوليةٍ لسياسة الكيان المؤقت تجاه القضية الفلسطينية، فإنّ "هذا التهديد من غير المرجح أن يتحقق على المدى القصير"؛ بحسب دراسة التهديدات الوجودية. إلاّ أنّ "خطوات الضمّ الأحادي للضفة الغربية، والرفض المستمر لمبادرات السلام الدولية، أو الخطوات التشريعية التي تؤدي إلى تفكك هوية "الدولة الديمقراطية"، وإبعادها عن حلفائها في الغرب؛ يمكن أن يزيد من احتمالية السيناريو. بالإضافة إلى تغييرٍ شديدٍ في موقف الولايات المتحدة تجاه الكيان، يمكن أن يضرّ بمكانته الدولية والتطورات والتي تظهر بالفعل في السياسة الأمريكية".

_ التهديدات الداخلية

التهديد الأول: الساحة الفلسطينية التي تمثل تحديًا خطيرًا للغاية لرؤية الكيان المؤقت كدولة "يهودية وديمقراطية وآمنة وأخلاقية" - خاصة بسبب الانجراف نحو واقع الدولة الواحدة. وبحسب الدراسة الاستراتيجية السنوية للعام 2022، يشكل هذا التهديد مخاطر ملموسة على الكيان في شكل تصعيد أمني، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الضعف المتزايد للسلطة الفلسطينية، إلى درجة شبه عجز عن العمل وانعدام الحكم. بالتوازي مع ذلك، فإن الوضع في هذه الساحة يتحدى الموقف السياسي والقانوني الدولي للكيان.

وخلافاً لادعاءات الحكومات الإسرائيلية في الأعوام الأخيرة، بتراجع أهمية الملف الفلسطيني ومركزيته؛ اعتبرت الدراسة الاستراتيجية أنّ الساحة الفلسطينية ليست هامشية على الإطلاق، لحد يمكن احتواؤها بـ "مراوغات وهمية تحت شعار تقليص الصراع"، وقد اتضح ذلك في العام الماضي، خلال المواجهة مع حركة "حماس".

وحذر من أنّ الوضع الأمني في الضفة الغربية على شفا الغليان بفعل ضعف السلطة الفلسطينية وتكتل فصائل و"عصابات ميدانية" ضدها حسب وصفه.

كما ترى الدراسة أنّ استمرار ضعف السلطة الفلسطينية قد يؤدي بها إلى وضع تفقد فيه قدرتها على العمل، مما يؤدي، في ظل الإحباط لدى الجيل الشاب في الضفة الغربية، إلى تشجيع الاتجاه في التفكير نحو بديل الدولة الواحدة، وذلك بموازاة استمرار الانتقادات الدولية للكيان، وإحباط مساعي التوصل لحل الدولتين، وهو ما يزيد من إمكانية اتخاذ خطوات ضدها وتعريفها كدولة "أبرتهايد".

وبحسب مجموعة من الكتاب الإسرائيليين، الذي شاركوا في كتابة الشق الفلسطيني من الدراسة، يوجد لاستراتيجية إدارة الصراع على الساحة الفلسطينية هذه أربع تداعيات:

أولاً، الاحتمال المتزايد لإضعاف حكم وشرعية السلطة الفلسطينية والذي يمكن أن يزداد سوءاً في "اليوم التالي لمحمود عباس"، بما في ذلك زيادة الإرهاب. وفي ظل عدم وجود أفق سياسي، هناك احتمال لتعطيل أطر ومنظومة التسوية، وزيادة التعقيد الناتج عن اختلاط السكان الفلسطينيين واليهود في الضفة الغربية وتعاظم الانجراف إلى واقع الدولة الواحدة.

ثانياً، مواصلة حماس بسط سيطرتها على قطاع غزة، والاستمرار في تحدي السلطة الفلسطينية باعتبارها هي من تحدد الإيقاع على الساحة وتسعى لتقويض سيطرتها على الضفة الغربية.

 ثالثاً، اللامبالاة النسبية على الساحتين الدولية والإقليمية تجاه القضية الفلسطينية وعدم وجود أي ضغط من أجل إحراز تقدم سياسي، حيث يزيد هذان الأمران من الإحباط واليأس لدى مؤيدي التسوية في الجانب الفلسطيني، وكذلك الدافع لاختيار طريق المقاومة“– أي العنف والإرهاب.

رابعاً، على الرغم من الإحساس السائد بعدم وجود حلّ سياسيّ عمليّ على المديين القريب والمتوسط، لا تزال القضية الفلسطينية تشكل جوهر الانقسام السياسي في الكيان، الأمر الذي يزيد من التوترات بين اليهود والعرب في فلسطين المحتلة والعرب في القدس الشرقية، ومن المحتمل أن يقوض ذلك العلاقات مع الإدارة الأمريكية، ولذلك يجب توجيه الاهتمام الأمني والسياسي للساحة الفلسطينية، وهو ما قد يتعارض مع التحديات التي تشكلها إيران وهي في طريقها إلى القدرة النووية، ومع تحديات الساحة الشمالية. ويتمثل التحدي الرئيسي في إعادة تأهيل منظومة التسوية ووقف الانزلاق المستمر إلى واقع دولة واحدة.

التهديد الثاني: الأزمة السياسية البنيوية للدولة عبر تآكل الثقة في مؤسسات الدولة داخل الكيان، بسبب تكثيف لاتجاهات الاستقطاب بين المجموعات المختلفة والتحريض والحكم الضعيف، لا سيما في الجيوب غير الخاضعة للرقابة. كل ذلك يشكل تهديدًا حقيقيًا على المرونة الاجتماعية والأمن القومي.

وبحسب استطلاع سنوي لعام 2021؛ فقد ثبت تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية ومستوى الرضا عن حالة الكيان. اما بخصوص نزاهة القضاء الإسرائيلي، فإن أقلية فقط من الإسرائيليين، 48% من اليسار و32% في الوسط، تعتقد أن قضاة المحكمة العليا يتخذون قراراتهم دون أن يتأثروا بآرائهم السياسية الشخصية، بينما يعتقد 51% من اليمينيين أن للآراء الشخصية تأثير. بينما 80% من اليسار و53% في الوسط لا يعتقدون أن المحكمة تتدخل أكثر مما ينبغي، قال 69% من اليمين إنها تتدخل كثيرا.

"إن اختيار القضاة في إسرائيل ينظر إليه من قبل قطاعات كبيرة من الجمهور على أنه عملية تلعب فيها الاعتبارات السياسية دورا رئيسيا"، بحسب ما ذكر المعهد. وهي وجهة نظر يتبناها 87% من اليهود الأرثوذكس و77% من اليهود المتدينين القوميين، في حين أن أقل من نصف اليهود العلمانيين (46.5%) لديهم نفس الرأي. كما أن ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أن القضاة يتعرضون لضغوط سياسية.

نظر المعهد إلى الرضا العام حول الكيان، ووجد أن أقل من ثلث الإسرائيليين (33% من اليهود، 25% من العرب) يعتقدون أن وضع الكيان "جيد" أو "جيد جدا"، وهو أدنى تصنيف خلال عقد من الزمن.

عند سؤالهم عن التوترات المجتمعية الأكثر حدة، ذكر 46% من المشاركين في الاستطلاع التوترات بين اليهود والعرب، مما يجعلها نوع التوتر الأكثر تأييدا. وقد أظهر الجمهور قلقا كبيرا على استقرار الحكم الديمقراطي، حيث رأى 44% من اليهود و75% من العرب أنه في خطر".

التهديد الثالث التفكك الاجتماعي عبر تقويض العناصر الأساسية "للهوية الديمقراطية واليهودية حي أن للعمليات الداخلية في الكيان، وفقا للدراسات الإسرائيلية، عواقب مباشرة وضارة على خاصية الديمقراطية الليبرالية لـ "إسرائيل" ويجب النظر إليها على أنّه تهديدٌ وجوديٌ لـ "هوية الدولة". تتمثل تلك العمليات في تعزيز الديانات المعادية لليبرالية والقوى القومية؛ غياب الالتزام باحترام حقوق الإنسان؛ تفضيل المصلحة الذاتية على القيم الديمقراطية؛ تقليص موقف منظمات المجتمع المدني؛ صمت قيادة الدولة في مواجهة مظاهر العنصرية والقومية؛ دعمها الصريح للتعبير عن العنصرية وضعف الديمقراطية الليبرالية وتقوية القوى القومية في الساحة الدولية الذي وضع أسس إنكار حقوق غير اليهود.

بالإضافة إلى ذلك، هذه العمليات لها أيضًا عواقب مباشرة من شأنها تقويض الركائز الأمنية للكيان؛ كتغيير طابع الدولة، أو حالة واسعة على النطاق الإثني أو الأيديولوجي الذي قد يؤدي إلى اندلاع التمرد المدني وهجرة الأدمغة. وقد يتسبب إبعاد المستثمرين والسياح في أضرار اقتصادية جسيمة في الدولة. علاوة على ذلك، فإنّ هذه الاتجاهات، إذا ما تحققت، من المحتمل أن تلحق الضرر بمكانة الكيان الدولية في الغرب وتُعمّق الخلاف بينها وبين الشتات اليهودي. ومن الممكن أن يتم انفصال بعض شرائح يهود الشتات، وخاصة جيل الشباب من اليهود الأمريكيين.

التهديد الرابع: التحديات الديموغرافية، فالمسار السكاني يتجه في الكيان المؤقت نحو هروب الأدمغة وهجرة المستثمرين والفارين من الأوضاع الأمنية غير المستتبة، في الوقت الذي تعمل سلطة الكيان إلى استقطاب أكبر عدد من اليهود حول العالم نحو "الأرض المقدسة". وفي إزاء الهجرة العكسية التي تشيع في الكيان الإسرائيلي، يشكل الوطن المزدوج لدى الإسرائيليين هجرةً عكسيةً مقنعةً. حيث يظهر الارتفاع في معدلات الهجرة خارج الكيان، بالإضافة إلى السعي نحو الازدواجية في الوطن يشكل تهديدا للبنية الديمغرافية الإسرائيلية، وهو ما يشكل تصدعًا في الجبهة الداخلية للكيان. فبحسب إحصائيات إسرائيلية أجريت عام 2020، يعيش في الكيان الإسرائيلي ما يقارب الـ 170.000 شخص هم ليسوا مواطنين أو مقيمين دائمين، فمن بين 14.7 مليون يهودي في العالم، يقيم 47٪ في الكيان الإسرائيلي.

وفقًا لبيانات عام 2017، يعيش ما بين 561000 إلى 599000 إسرائيلي في الخارج لأكثر من عام - باستثناء أطفالهم المولودين في الخارج - أو حوالي 6.4٪ من سكان الكيان.

حتى العام 2015، هناك ما يعادل 1 من كل 8 إسرائيليين، من الذين يحملون جنسية مزدوجة. وحيث يتكون الكيان مما يقارب الـ 75 % تقريباً من اليهود، يعود نصف هذه النسب تقريباً إلى أوروبا.

لقد كشف آخر استطلاع للرأي أجراه معهد "ميدغام" للاستطلاعات لمصلحة مشروع "رحلة إسرائيلية" التابع لوزارة التربية والتعليم والجيش الإسرائيلي، عام 2017، أن 27% من السكان اليهود في "إسرائيل" يرغبون في الهجرة من البلاد لو تمكنوا من ذلك.

كما أن التخبطات التي يعيشها الكيان المؤقت ظهرت واضحة في هذا الاستطلاع، فبحسب ما ذكره فإن 36% من اليهود العلمانيين يرغبون في الهجرة منها، كما أن 7% من اليهود المتدينين يرغبون في الهجرة أيضاً. كما أن الراغبين في الهجرة هم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 23 عاماً و29 عاماً، وهذا مؤشر واضح على أن اليهود لا يشعرون بالانتماء إلى الدولة والهوية.

التهديد الخامس: التحدي الاقتصادي حيث يصنف الكيان المؤقت ضمن الدول الأقل مساواة بتوزيع الدخل في الشرق الأوسط، ويحتل المرتبة الرابعة في ذلك، وهذا الأمر له تأثير اجتماعي سلبي كبير، بحسب نسيم بن دافيد في مقاله بصحيفة مكور ريشون، الاقتصادي الإسرائيلي، مما يؤثر على قوة وسلطة الدولة فيه، ويتأثر هذا بتوزيع الدخل والثروة، وبعوامل أخرى مثل عدد المعيلين لكل أسرة، وعدد أطفالها، وهو ما يتأثر بمعدل النمو السكاني".

كما أن "الاقتصاد الإسرائيلي المحلي تراجع منذ الربع الثاني من 2020 بأكثر من 28%، مسجلا أسوأ مستوى منذ نحو 40 عاما، كما انخفضت واردات السلع والخدمات بنسبة 41.7% على أساس سنوي، فيما تراجع الإنفاق الاستهلاكي الخاص بنسبة 43.4%". وبحسب بن دافيد، فإن "معدل النمو السكاني في إسرائيل هو من بين أعلى المعدلات في الشرق الأوسط، ومن بين 20 دولة، فإن إسرائيل في المرتبة الخامسة، وأن عددًا كبيرًا من الأطفال لكل أسرة يثقل كاهل اقتصادها، ويزيد من الفقر، إضافة لذلك، سيؤدي ارتفاع معدل الزيادة الطبيعية في إسرائيل مستقبلا إلى انخفاض مستوى رأس المال لكل موظف فيها، وانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي لكل موظف". 

يحتل الكيان" المرتبة التاسعة من بين 20 دولة في الشرق الأوسط في نسبة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0-14 سنة من إجمالي السكان، ويُظهر فحص التركيبة الديمغرافية أنه يوجد في إسرائيل نسبة كبيرة من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا، وتشير هذه المعطيات إلى أن نسبة السكان غير المشمولين في الفئة العمرية للعمل في إسرائيل مرتفعة مقارنة بجزء كبير من دول الشرق الأوسط". وأكد أن "هذا الرقم له تأثير على إمكانات نمو الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل، ومدى الفقر فيها، والفقر المتوقع في المستقبل، إذا استمرت هذه الاتجاهات". 

إن "معدلات العجز المالي لإسرائيل ارتفعت إلى 100 مليار شيكل، ما يوازي 9.1% من الناتج المحلي العام، ويتوقع أن يزيد هذا العجز بفعل سياسة الإنفاق للحكومة، مقابل تراجع المداخيل لخزينة الدولة، التي اقترضت عام 2020 137 مليار شيكل، مقابل 43.6 مليار شيكل في الفترة الموازية لها في 2019، وهذه الديون ستثقل كاهل إسرائيل لعشرات السنين". وأكد أن "الوضع الاقتصادي النسبي لإسرائيل في الشرق الأوسط قد يتغير سلبًا، إذا لم يكن هناك تغيير في درجة عدم المساواة بتوزيع الدخل، والاتجاهات الديموغرافية التي تميزها، مقارنة بهذه الاتجاهات في دول الشرق الأوسط الأخرى، من خلال زيادة الموارد المخصصة للتعليم". ثغرات الكيان المؤقت

لا ريب أن التهديدات والتحديات التي تمس عمق البنية الإسرائيلية، ستشكل ثغرات جوهرية تؤدي الى حصول تصدعات في هيكل الكيان تنذر بانهياره. ومن أهم هذه الثغرات:

1. اختلال توازن الرعب النووي في المنطقة

يعاني الكيان المؤقت من أزمة فقدان صورته على أنّه وحده من يمتلك سلاحًا نوويًا في الشرق الأوسط من جهة، والحصول على أسلحةٍ نوويةٍ من قبل الأنظمة غير المستقرة والأنظمة المتطرفة المعادية له من جهةٍ أخرى.

إنّ تطوير نظامٍ نوويٍّ إقليميٍّ غير مستقرٍ يمكن أن يتدهور إلى أزماتٍ نوويةٍ، الذي يستدعي مشاركة "إسرائيل" فيها؛ والتأقلم مع الدول العربية البراغماتية والموالية للغرب التي تمتلك أسلحةً نوويةً. وهذا ما أورده مركز الأمن القومي الإسرائيلي في دراسته، ما يمكّننا من تصنيفه ضمن الثغرات التي يعاني منها الكيان، حيث يعجز عن مواجهة هذا التحدي.

المؤشرات:

المؤشر الأول: اعتبار رئيس هيئة الأركان العامة بيني غانتس أن ثمّة حاجة إلى "جدار حديدي دولي، وبالتأكيد جدار حديدي إسرائيلي، مقابل إيران"، في إقرار مباشر بأن إسرائيل أضعف من أن تقف لوحدها، وأنها تحتاج إلى حماية دولية لها، لكي يتشكّل "الجدار الحديدي" الذي يهدف إلى محاولة إفهام أعداء تل أبيب بأن لا إمكانية للانتصار عليها. وإذا كان التجاذب الداخلي الإسرائيلي، وعلى ألسنة كبار القادة، قد انتقل إلى الركيزة التي يستند إليها وجود إسرائيل، فذلك مؤشّر واضح إلى إدراكهم حجم التحوّلات في معادلات القوة، وخطورة المستقبل الذي ينتظر إسرائيل.

المؤشر الثاني: توصية مركز الأمن القومي بصياغة استراتيجيةٍ لإحباط تطوير نظامٍ نوويٍّ متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط، والتي من شأنها أن تشمل تشجيع الولايات المتحدة على تقديم ضماناتٍ للدول القلقة من البرنامج النووي الإيراني، من أجل تقليص حافزهم على تطوير قدراتٍ نوويةٍ عسكريةٍ مستقلةٍ.

إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، بعد أن عاد المفاوض الأمريكي إلى طاولة المفاوضات مع الإيراني ولم تستطع العقوبات الأمريكية من ثنيه عن تطوير برنامجه النووي – بغض النظر على أنه سلمي – لكن تلك الصيغة تقلق الكيان المؤقت كونه يصنف الجمهورية الإيرانية على أنها عدوه الأول.

2. مشكلة التوازن بين إدارة التهديدات العسكرية وإدارة المشكلات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية. بحسب التقدير الاستراتيجي السنوي لعام 2022، الآنف الذكر، تميز الوضع الاستراتيجي للكيان المؤقت، في تعظيم إمكاناته الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية في استجابته للتحديات السياسية والأمنية والداخلية التي تواجهه. ويرجع ذلك إلى عدم وجود نهج استراتيجي متكامل ومتسق وطويل الأجل.

المؤشرات:

المؤشر الأول: الأشد خطورة: التهديد الداخلي أم التهديد النووي، بحسب مؤشر مجلس الأمن القومي، فإن التهديد النووي الإيراني والتهديد على الساحة الفلسطينية هما الأكثر خطرًا على الكيان وجوديًا. في حين يرى الجمهور الإسرائيلي أنّ التهديد الداخلي والأزمات الاجتماعية أشد خطورة من التهديدات الأمنية. وبناء على الأبحاث الإسرائيلية، فإن الكيان لا يعتمد مواجهة فورية للتهديدات الوجودية الخارجية إلا أن سلسلةً من العمليات الداخلية، قد تؤدي إلى تآكل وتقويض الركائز الأمنية له.

المؤشر الثاني: عدم فاعلية مجلس الأمن القومي في دوره المزمع بالتنسيق بين التهديدين. فهو لم يستطع صياغة نظامٍ للأمن القومي يدمج بين التدابير العسكرية والتدابير الدبلوماسية والاقتصادية الناعمة لمعالجة الإمكانات ومواجهة التهديدات الوجودية وتعزيز الركائز الأمنية لـ "إسرائيل" – وذلك للحفاظ على التفوق العسكري النسبي لـ"إسرائيل" وصورتها النووية الردعية.

3. غياب رؤية استخباراتية عسكرية بعيدة المدى، يعاني الكيان من فشل استخباراتي في استشراف مجريات الأمور، والسبب في ذلك التغييرات المتسارعة في خريطة التهديدات في المنطقة التي من شأنها أن تؤدي إلى أخطاء في التقديرات الاستخباراتية، حيث تغيب الرؤية بعيدة المدى فيما تبقى الحسابات رهن التطورات.

المؤشرات:

المؤشر الأول: عدم التكهن وعرض الفرص المحتملة في الساحات الإقليمية والدولية، اعتباراً من أن الاستخبارات تتمحور بصورة عامة حول التهديدات ووضعها أمام صناع القرار كأساس لوضع استراتيجيا مضادة على مختلف المستويات، منها الأمنية والسياسية والاقتصادية. حيث نلحظ أن الاستخبارات العسكرية تعتبر أنه في هذه المرحلة، من غير الممكن بل ومن المبالغ فيه، عرض تقديرات لمدى بعيد.

المؤشر الثاني: إن التقديرات الاستخباراتية لا تفصل بين تهديد استراتيجي وتهديد تكتيكي، وبين دائم وموقت، وبين مؤثر وأقل تأثيراً، وبين تهديد يمكن احتواؤه، وآخر لا. حيث إن تراجع التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية، فيما يتعلق بالرؤيا الاستراتيجية في المنظور البعيد، مرتبط بغياب رؤية سياسية مستقبلية لدى الكيان. لذا، تبقى الذهنية العسكرية – الأمنية مسيطرة، وهي بطبيعتها تتعامل مع الاستراتيجيا العسكرية لمدى محدود.

المؤشر الثالث: تتعامل التقديرات الاستراتيجية مع البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل وفقاً لمعيار رئيسي هو "منسوب التهديد الفعلي" الذي يمثله كل منها على الأمن القومي الإسرائيلي، بمعنى التهديد على الحدود من جانب جيوش نظامية، لكن الهامش الأمني بسبب ضيق وأرجحية التدحرج نحو مواجهة قائمة، ولا يوجد لها إمكانية تحرك ومرونة واسعة، وخصوصاً في حال طرأ تحول على الجبهتين الشمالية أو الفلسطينية.

المؤشر الرابع: الوضع الاستراتيجي مرتبط بمراهنات الكيان على عنصر الزمن، لضمان اتساع الفجوة بصورة كبيرة على صعيد ميزان القوى العسكري (والاقتصادي والعلمي)، بين الكيان والدول العربية. فالذهنية العسكرية تسعى لتفوق عسكري نوعي يمنع أي إمكان مستقبلي لتهديد الكيان الإسرائيلي، وهي تراهن على عامل الزمن في استمرار حالة الاضطراب والتناحر والتراجع على الصعد العسكرية والاقتصادية والتراس الوطني في العالم العربي. وهنا، الموقف الهستيري من النووي الإيراني، ربما يُفهم في سياق إمكان وجود سلاح نووي إيراني قد يكسر حالة اللاعودة من التفوق العسكري الإسرائيلي.

المؤشر الخامس: مخاطر التغيير السريع والمفاجآت الاستراتيجية

مع اختلال مفهوم الردع، وضبابية الرؤية الاستراتيجية والخوف من التغير السريع والمفاجآت الاستراتيجية ونتيجةً للهزائم المتتالية في المعارك نتيجة عجز الكيان عن مواجهة قدرات المقاومة، يظهر السعي الحثيث للكيان من خلال توسيع إمكانات الجيش، زيادة كلفة الاستراتيجية الدفاعية تمت مضاعفتها 4 اضعاف وزيادة الاستثمار في البحث والتطوير، وإقامة حدود يمكن الدفاع عنها، وتشكيل تحالفات إقليمية جديدة تساهم في تراجع عزلتها الإقليمية، والحفاظ على علاقتها الاستراتيجية المميزة مع الولايات المتحدة.    

4. الحاجة الإسرائيلية للاعتماد على الأنظمة البراغماتية في المنطقة رغم هشاشتها

يعمد الكيان المؤقت للذهاب إلى التحالفات مع الأنظمة الإقليمية المحيطة من خلال الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية؛ وعبر تحسين صورتها بين الدول العربية من خلال دفع عملية دبلوماسية مع الفلسطينيين، وتعميق جذور السلام من خلال التعاون على مختلف المستويات، وإبراز قيمة الكيان في المنطقة. يظهر ذلك جليًا من خلال تسارع وتيرة التطبيع التي تتم بين الكيان والدول العربية. وهذا إنما يسجل مؤشرًا على الحاجة إلى إقامة تحالف إقليمي رغم هشاشة دوله ردًّا على تشكيل تحالفٍ إقليميٍّ ضدّ الكيان المؤقت من قبل دول محور المقاومة في منطقة غرب آسيا.

استنادًا لما تمّ عرضه؛ فإن التهديدات الوجودية الخارجية هي تهديدات خطيرة يخشاها الكيان المؤقت ويشغل أجهزته الاستخباراتية الأمنية والعسكرية ويعمل على مضاعفة قدراته في سبيل مواجهتها. إلا أن ما يقوض ركائزه ويضعفها، ويبني لمرحلة التفكك والتآكل هي الاختلالات الداخلية الديمغرافية والاقتصادية وضف البنية السياسية وتشتت الهوية داخل المجتمع الإسرائيلي. فبين الانتماء "الديمقراطي" والانتماء الديني، يغدو الكيان أمام حالة من التضعضع الداخلي.

وحيث ان التهديد النووي الإيراني قد وضع على سلم الأولويات الإسرائيلية الخارجية، ورجحت كفة الخطر الذي يتهدد الكيان من خلاله؛ فإن التهديد القائم على الساحة الفلسطينية داخليا لا يقل عنه أهمية وخطورة بحسب مؤشرات الأمن القومي الإسرائيلي. إلا أن عموم الجمهور الإسرائيلي يرى الخطر محدقٌ داخليا، نظرًا لما يعاينه من ظروف محلية تجعل من الكيان مكانًا غير آمن ووطنًا "مؤقتًا" بالنسبة له.

إن ما تقدم من تهديدات، أوصل بنا بالبحث إلى الإضاءة على أهم ثغرات الكيان الإسرائيلي، لتثبت أن معالم التصدعات البنيوية في هيكله بدأت تظهر وتنبأ ببداية تفككه. تصدر هذه الثغرات مشكلة التوازن بين إدارة التهديدات العسكرية وإدارة المشكلات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية، وتلاه غياب رؤية استخباراتية عسكرية بعيدة المدى واختلال توازن الرعب النووي في المنطقة.


الكاتب: غرفة التحرير