الخميس 24 شباط , 2022

حزب الله ومحاربة الفساد: التحديات والمخاطر

بعد انتهاء عهد ميشال سليمان المشهور بوثيقة "إعلان بعبدا" التي استهدفت المقاومة وحاولت تفكيك ثلاثية "جيش شعب مقاومة"، ودعت إلى تحييد لبنان من خلال الحد من نشاطات حزب الله الدفاعية، بقيت البلاد في فراغ رئاسي لمدة سنتين لمعالجة التسويات. وقد دعم حزب الله حليفه الرئيس ميشال عون للوصول إلى الرئاسة، وذلك بعد حصول قوى "8 آذار" المؤيدة للمقاومة، والممانِعة للمحور السعودي الأمريكي، على الأغلبية النيابية.

وفي هذه المرحلة، كانت مظاهر تفكك النظام السياسي والاقتصادي الفاسد قد بدأت تظهر، وكانت بداية الانهيار الاقتصادي في بلد يعتبر الفساد فيه نظامًا وليس حالة عارضة على النظام كما في الأنظمة الأخرى.

في إحدى المحاولات لتغطية العجز بتاريخ 17 تشرين الأول 2019، تم اقتراح ضريبة على الواتساب كانت كالشعرة التي قصمت ظهر البعير، خرج على إثرها الناس إلى الشوارع بشكل عفوي وانخرطت بشكل متجانس أي بدون أي فرز أو اصطفاف، لكن سرعان ما بدأ الفرز وعاد شعار "كلن يعني كلن" في لحظة غليان الشعب.

تفاعل الجماهير والأحزاب مع الشعار:

في ساحات الاحتجاج، لم يكن الفرز واضحًا على كاميرات البث المباشر، لكنها سرعان ما أصبحت مقسومة إلى قسمين، منظمات غير الحكومية NGOS وقوات وكتائب ومستقبل واشتراكي، والقسم الآخر قوى وطنية لها تاريخها النضالي مع مجموعات مستقلة نظمت نفسها وليدة اللحظة الثورية. أول من أطلق الشعار هم المنظمات المدنية وتبناها جزء من المتظاهرين مباشرة في لحظة الغليان، ثم بالتدريج بدأت الشعارات التي تستهدف حزب الله وسلاحه تتردد بشكل أساسي في الساحات باعتباره "الحزب الذي يهيمن على الدولة بقوة السلاح"، وبدأت وسائل الإعلام بالتصويب على هذه الفكرة تحت مبدأ تبنيها لمطالب الناس، فبدت هذه الاستهدافات كأنها مطالب ثورية.  وكان توزيع الخيم الخاصة بالأحزاب المخصصة للنوم وإقامة النشاطات والندوات قد قسّمت ساحة الشهداء ورياض الصلح إلى مناطق نفوذ، بالإضافة إلى توزيعهم الجغرافي في مناطقهم، حيث كانوا يعمدون إلى قطع الطرق فيها. فكيف تفاعل كل هؤلاء مع شعار "كلن يعني كلن"؟

-جمهور المستقبل كان له حضور جيد ووازن، حضر الناس منهم بصفتهم المواطنية ورددوا شعار "كلن يعني كلن" بكل أوجاعهم، ولكن، عندما استقال الحريري وبقي عون وبري في السلطة، تغيّر موقفهم؛ عادوا إلى قواعدهم الحزبية.

-اعتبر القوات أنفسهم خارج السلطة، وبأنهم حزب معارض منذ البداية، وأن شعار "كلن يعني كلن" لا يشملهم. في الساحات، كان ثمة مجموعات منزعجة من وجود حزب من أحزاب السلطة بينهم، رفعوا شعار "صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني"، فردّ عليهم جمهور القوات "كلن يعني كلن نصر الله واحد منن". حصل مثل هذه المناوشات والاستفزازات طيلة فترة الاحتجاجات، مع العلم أن هذه المجموعات التي هتفت ضد جعجع ليست محسوبة على الثنائي الشيعي.

-تحركات مطلبية عفوية جابت منطقة عاليه والشوف في الأيام الأولى للثورة، حمل الناس فيها يافطات كتب عليها كلن يعني كلن، ورددوا "كلن يعني كلن وليد واحد منن". وقاموا بقطع الطريق الدولية وطريق عاليه، وكذلك صوفر مفترق وصلة الأوتوستراد العربي، حاول موكب وزير التربية حينها أكرم شهيب المرور، وتم منعه من قبل المحتجين. كان ذلك قبل أن يركب الاشتراكي موجة الثورة باعتباره "أول المطالبين بالدولة المدنية العلمانية الخالية من الفساد، ويدخل بشكل رسمي في الحراك، الأمين العام لـ"منظّمة الشباب التقدمي" سلام عبد الصمد، أشار إلى أنّ "منظّمة "التقدمي" شاركت "رسميّاً في المظاهرات في بداية الحراك، لكنّ الحراك أكل نفسه". بعدها هدأ الشارع الدرزي وتراجع عن هذا الهتاف.

-الأحزاب اليسارية، ما عدا مجموعة "اليسار الجدد"، رددوا شعار "كلن يعني كلن" مضافًا إليه أسماء كل الزعماء والسياسيين ما عدا السيد نصر الله، لم يدخل معهم في الشعار.

-بعض النواب المستقلين حضروا في الساحة، مثل النائب فؤاد مخزومي الذي كان له مجموعة باسم "لبنان اللقاء"، ونصبوا خيمة وأقاموا فيها الندوات.

هكذا نرى أن جمهور التظاهرات لم يكن متجانسًا أبدًا، وأغلب الناس تحركوا ضمن توجهاتهم السياسية وليس بصفتهم الشخصية، ومن بقي من الجمهور انخرط مع تجمعات منظمات المجتمع المدني التي حاولت حشد أكبر عدد ممكن، والقليل الذي لا يذكر نزل بمبادرة شخصية وظلّ دون إطار في الميدان.

 الجدير ذكره، أنه في الأيام الأولى للمظاهرات لم يكن الوضع على هذا الحد من الفرز، ومع مرور الوقت القليل بدأت الاصطفافات تتشكل بشكل تلقائي. وهكذا لم يكن هناك أي إجماع على مضمون "كلن يعني كلن"، ومن كان على الأرض يعلم جيدًا أن الكثير من التظاهرات انفضًت بسبب هذا الشعار تحديدًا.

سيميائية الشعار:

ليس ثمة تعريف ومنهج واضح لهذا الشعار، ولا لمواصفات الأشخاص الذين يشملهم، عندما نقول "كلن يعني كلن"، كلهم ماذا؟ هل هناك رابطة بين الدال "كلهم" بمدلوله الحقيقي لـ "الزعماء السياسيين"؟ هل كلهم فاشلون، أم عاجزون، أم سارقون، أم فاسدون.. وهل جميعهم بنفس المستوى من أي نمط سيشملهم؟

إن عدم وجود نمط pattern محدد للشخصيات الذين يشملهم الشعار سيؤدي إلى عملية تعميم غير منطقية ستؤدي بدورها إلى خلق سياقات غير محددة للشعار، تبقي الخيارات مفتوحة ومتاحة للاستثمار السياسي، والتعميم، والإلهاء، والشيطنة وإعادة التوجيه، وغيرها من استراتيجيات التضليل|. ذلك أن هذا الشعار لو كان يحتمل الحقيقة لكان واضحًا ومحددًا، بعكس التضليل الذي يعتمد على عدم الوضوح. وبالنظر إلى خصائص الجماهير المنضوية في الانتفاضات والثورات، فإن الفرد حين يكون منضويًا في جمهور، فإنه لن يبحث عن الحقيقة بالأدلة والبراهين، بل سيتحول إلى جزء من كتلة تسير نحو الهدف الذي تتوق إليه، الشعارات التي يطرحها المحركون هي العجلات، والعجلات ستصل بالجمهور إلى هدف المحرك. وفي الحالة هنا، احتجاجات 2019 في لبنان، ليس هناك تحديد واضح لهوية المحرك، أو بالأحرى ليس ثمة وجود طبيعي للزعيم أو القائد المحرك، وهذه العملية تجري عكس التيار السائد لسيكولوجيا الجماهير فالجماهير تحتاج إلى انتماء وإلى قائد بالفطرة، ولا جمهور من دون قائد، فتم استبدال القائد بمجموعة من قادة الرأي لأسباب إدارية وسياسية.

الواضح أن أحد أهداف طرح وترويج هذا الشعار يأتي ضمن تصعيد واضح لمنظمات المجتمع المدني، لإخراج الجماهير التي تشكل أكثر من 80%من عباءة الطوائف والزعماء، إلى نفق لا يعرف الناس فيه اتجاههم، واللافت أن هذا الغموض يشبه الغموض الذي حصل لدى إسقاط الأنظمة في أحداث ما سمي بـ "الربيع العربي"، وكل الفوضى التي أعقبتها.

عناصر تشكيل الشعار:

يتم تصميم الشعارات لكي تعبر عن معتقدات المجموعات وتوجهاتهم، وإذا نجح الشعار فإنه يتحوّل من تعبير عن المعتقدات ويصبح بنفسه معتقدًا إذا كان نافذًا لقلوب الجماهير وتمّ الترويج له بشكل جيّد، لكن يمكن ملاحظة أن شعار "كلن يعني كلن" يحمل بذور ضعفه، ذلك أن عناصر تشكيله لا تتناسب مع طبيعة الجماهير بشكل عام والجماهير اللبنانية بشكل خاص، وبالنظر إلى المعطيات السابقة بكيفية تفاعل الجماهير مع الشعار يمكن استنتاج العناصر التالية:

التعميم: هذا التعميم عدا عن أنه يظلم محاربي الفساد، فإن الفاسد يستفيد عبر وضعه في خانة واحدة مع من يعارض الفساد، ولا يخلو أي نظام مهما كان فاسدًا من إصلاحيين، فيتم نسف كل نضالاتهم بوضعهم بنفس الخانة مع الفاسدين. والواقع أن طرح هكذا تعميم لحركة شعبية يفترض أن تكون تصحيحية، يفترض ألا يكون ساذجًا إلى حد استبعاد الفاعلين الإصلاحيين الواقفين بوجه محدلة الفساد، والعارفين بدهاليز السياسة اللبنانية، والذين لا يمكن الاستغناء عنهم لبناء أي نظام جديد.

الغموض: الشعارات التي تحتوي على غموض تمنح الفكرة هامشًا واسعًا في التفسير وتوحي بالعمق وتقدم للجمهور عنصرًا تشويقيًا. والتشويق لعمق غير واضح المعالم سيؤدي إلى إرباك التفكير وبالتالي سيكون أسهل شيء أن يعمد الفرد إلى اتباع مندرجات وفروع الفكرة وتأييدها بسبب تأييده للفكرة الأولى، لعلّ واضعي هذا الشعار عوّلوا على هذا العنصر لكي يتبنى الناس طروحاتهم المستقبلية القائمة على تشخيص مصلحة هؤلاء بحسب أي واقع جديد. لقد فشل هذا الشعار في الحصول على إجماع، لكنه أثبت فعاليته الدعائية من خلال استدامة استخدامه، والبناء عليه لتفريغ الاتهامات المباشرة للفئة المستهدفة بهذا الشعار، وهي فئة لم تشارك في الفساد باعتراف الجميع.

عندما نقف أمام شعار تم تداوله بشكل مكثف وتسليط الضوء عليه بهذا الزخم، وهو متعثّر ويحمل في بذوره ما يؤدي إلى التشخيص الخاطئ وبالتالي لن يؤدي إلى حلول ناجعة، ويحمل في ذاته وضع العراقيل لأي حركة تصحيحية ويترك الواقع السياسي الاجتماعي مفتوحًا دون وجود مسار واضح ومحدد للعودة للحياة الطبيعية، يستدعي أن يتساءل المواطن (أو لفت نظر المواطن) لماذا تتمسك المنظمات المدنية به وماذا يمكن أن يكون الهدف منه؟ ولماذا "كلّهم" دون أي اعتبار للمصلحين منهم؟ ولماذا أرفق هذا الشعار بتصويب مباشر وصريح وعلني على حزب الله وسلاحه الذي طالما حصل على إجماع علني للأغلبية من المكونات اللبنانية؟

الضغط السياسي والإعلامي خلال وبعد "ثورة 17 تشرين"

من خلال ملاحظة نشاط المنظمات المدنية وبروزها كما لم تبرز سابقًا على وسائل الإعلام، ومن خلال مراقبة المحطات الإعلامية الثلاثة التي رفعت شعار الاحتجاجات (الجديد-  MTV  - LBC) والتي كانت المنابر الأساسية لمحللي الثورة، ومن خلال تجميع الشعارات التي رفعت وتحليلها، وبحسب المعطيات، فإن الإدارة الأمريكية التي دأبت على كسر إرادة حزب الله ومنع انخراطه في المجتمع اللبناني لن توفّر هذه الفرصة في استكمال ما بدأت به بعد حرب تموز بشكل ممنهج وعلني، فعملت على توجيه "ثورة 17 تشرين" من خلال الشعارات ومن بعدها استغلال قضية انفجار المرفأ، وبحسب ظروف ومعطيات المرحلة كان المقصود من شعار "كلن يعني كلن" وما دعمه من شعارات مسألتان:

-تغيير الطبقة السياسية التي تحتوي على أغلبية حليفة لحزب الله.

-التشكيك في مصداقية حزب الله في نظر بيئته الحاضنة من خلال تصنيفه ضمن الجهات الفاسدة.

-التأسيس لتحميل حزب الله مسؤولية الفساد والخراب من خلال اتهامه بتغطية ودعم وحماية الفاسدين.

فبدأوا بالمطالبة بـ:

-استقالة الحكومة

-انتخابات نيابية مبكرة

-انتخابات رئاسية

على أساس أن تأتي هذه الانتخابات بطبقة جديدة من السياسيين لا يملك فيها حزب الله الأغلبية.

إلى ذلك، الواضح أنه لم يكن مهمًا لدى الإدارة الأمريكية أن تضحي بحلفائها وتسقطهم للوصول إلى هدفها. فشعار "كلن يعني كلن" كعبارة على سطح الواقع الفاسد، يسهل استيعابها وترديدها ومناسبة لـ "فشة خلق" الناس بالزعماء الذين أوصلوهم إلى هذا التدهور، وكهدف يحقق للإدارة الأمريكية ما لم تستطع تحقيقه في حرب تموز ومن بعده مناورات حقبة فيلتمان و"إعلان بعبدا"، هو الآن فرصة أهم من مراعاة هؤلاء الذين فشلوا في إعطاء الأمريكي ما يريد. فذهبوا للدفاع عن أنفسهم في خطاب نمطي كان ضعيفًا ومكشوفًا وغير مقنع للمجتمع اللبناني، فذهبوا بدورهم باتجاه التصويب على سلاح حزب الله لإلهاء الناس عن فسادهم.

جاء انفجار المرفأ في 4 آب بعد حوالي 10 أشهر من الحراك، كفصل جديد من فصول استخدام الشعار ممتطيًا الغضب والاستياء الشعبي الذي عزز النقمة على الفساد الإداري وعلى السياسيين بسبب وجود نيترات الأمونيوم في المرفأ. قبل أن تلملم الجهات الصحية الناس من الطرقات ومن تحت الأنقاض كان ثلاثي محطات التلفزة اللبنانية قد بدأ بتوجيه الاتهام لحزب الله وفبركة الأخبار والمعلومات المختلفة التي تدينه في الحادثة. وبعد فترة طويلة من التحقيقات التي لم يتم إعلان نتائجها عن سبب الانفجار في المرفأ، بدأ طلب الأذونات لاستدعاء مجموعة من السياسيين والأمنيين لمحاكمتهم، وبدأت معركة تشبه بضراوتها معركة حزب الله مع المحكمة الدولية، وبعدها سيذهب حزب الله منهكًا إلى الانتخابات، التي تسعى السفارات (الأمريكية والسعودية) أن تشكل من خلالها طبقة سياسية جديدة مؤلفة من أتباعها في المجتمع المدني، صرفت لها ميزانية بقيمة 3 مليار دولار.

واليوم، لا يبدو أن هذا الشعار ما زال بنفس الزخم الذي بدأ به، على الرغم من محاولة تعزيزه في كل مناسبة. وهو حاليًا محصور بجهود منظمات المجتمع المدني لاستهداف حزب الله. وقد بدأت مفاهيم ومصطلحات تضليلية لدعم فكرة انخراط الحزب في منظومة الفساد، مثل "لا حكومة نظيفة في ظل السلاح"، "لا للسلاح غير الشرعي"، "حزب الله يحمي الفاسدين"، "حزب الله يسيطر على المرافق الأساسية للدولة".

على الرغم من الجهود الواضحة للحزب في كشف ملفات الفساد والتي توجت عام 2018 بالإعلان الرسمي عن الحرب عليها، تحصل هذه الاتهامات، ويتم العمل على نشرها وتعزيزها لدى الجماهير. وسنعمد إلى توضيح هذه الجهود والإنجازات التي قام بها حزب الله ووضعها في سياقاتها مع الحديث عن تحدياتها وتداعياتها على كافة المستويات.

حزب الله ومحاربة الفساد

اللافت أن هذه الحملة لتصنيف الحزب كغيره ضمن الجهات الفاسدة جاءت بعد فترة قصيرة من إعلان حزب الله حربه على الفساد في برنامجه الانتخابي عام 2018 على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله والذي قسم برنامج مكافحة الفساد إلى 3 أقسام: الإصلاح الإداري والسياسي، في السياسات المالية والاقتصادية، في السياسات التنموية والاجتماعية. وأعلن السيد نصر الله عن "تشكيل إطار تنظيمي خاص في حزب الله مهمته مواجهة الفساد والهدر" في الدولة وأجهزتها. وقال: "من لديه معطى فساد ضد حزب الله فليتقدم به، والمشارك في الهدر والفساد سنحاسبه". وذهب في الموقف عميقًا بأنه "سيتابع إطار مكافحة الفساد شخصيًا، لأننا أمام مرحلة خطرة".

هذا المسار في سياسة حزب الله ليس مفاجئًا، بل يأتي ضمن مسار متدرج بدأ عام 2005. من العام 1992 تاريخ دخول حزب الله إلى البرلمان وصولًا إلى 2005، في تلك الفترة كان الحزب متفرغ بشكل أساسي للمقاومة وكان يساعد بيئته من خلال مؤسساته وكان يتهم بأنه دولة داخل الدولة. شكلت كتلة الوفاء للمقاومة معارضة للسياسات المالية والاقتصادية ولم توافق على أي موازنة مالية حتى العام 2018، حيث كان النهج الاقتصادي قائمًا على وضع الأموال في المصارف والاعتماد على السياحة والفوائد والقروض، بدلًا من دعم القطاع الزراعي والصناعي لنصبح بلدًا منتجًا ونحتاج إلى استيراد أغلب سلعنا. فاعتمدت سياسات مالية قائمة على أن المجتمع الدولي يعطي القروض للمصرف المركزي والمصرف المركزي يعمل على إعطاء القروض للدولة ضمن هندسات مالية حافظت على استقرار الليرة لفترة من الزمن، قبل أن تصل هذه السياسة إلى حائط مسدود وتبدأ بالانهيار عام 2019.

مساهمات حزب الله في مكافحة الفساد من 2005 إلى 2018:

مع دخول حزب الله إلى الحكومة عام 2005 وحتى العام 2017، وقع لبنان تحت سلسلة من الأحداث حيث لم يشهد استقرارًا طيلة هذه السنوات (تداعيات اغتيال الحريري – حرب تموز – 7 أيار - الحرب على سوريا – معارك الجرود)، فكان لدى حزب الله أولويات جعلته لا ينخرط بعمق في عملية الإصلاح. كان عليه أن يحمي الناس أولًا ويؤمن على حياتهم، قبل أن يذهب إلى تأمين معيشتهم. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن الحزب لم يتخلَّ عن مسؤولياته في الداخل بل كان يقوم بدوره ضمن الحدود التي لا تؤثر على القضايا الكبيرة المرتبطة بالحماية:

-عام 2009 خاض حزب الله معركة التنصت غير الشرعي.

-عام 2016 الملف الأدسم وهو "فضيحة الاتصالات" وقضية التخابر الدولي غير الشرعي لشركة "ستديو فيجن".

-إيجارات المباني الرسمية إحدى مصادر الهدر المستمر للمال العام والتي تقارب قيمتها 250 مليون دولار سنويا.

ظروف إعلان الحرب على الفساد عام 2018:

عام 2017 انتهى حزب الله من معركة الجرود وأصبحت ظروف التركيز على ملفات الداخل مؤاتية فأعلن حزب الله الحرب على الفساد خلال الحملة الانتخابية عام 2018، في هذا العام كانت مؤشرات الانهيار قد بدأت بالظهور، دفعت الحزب إلى تبني خيار مواجهة الفساد بشكل رسمي ومكثف، بعد مجموعة تحولات كالتالي:

-قراءة للوضع الاقتصادي المتجه نحو الهاوية ما يهدد الأمن الاجتماعي ويتسبب بضياع جزء كبير من الإنجازات الوطنية وعودة البلد إلى المحاور الصغيرة الأمر الذي يؤدي الى اندثار تجربة المقاومة.

-مسؤولية شرعية للتدخل ومحاولة إنقاذ البلد تفرضها الأحوال المعيشية المتدهورة.

-نضوج أجهزة الحزب واكتسابها خبرة في العمل السياسي الداخلي وملفات الفساد.

-مطالبات على المستويين الشعبي والرسمي بأن يتحرّك الحزب لممارسة دوره السياسي الداخلي.

-استغلال الدول المعادية للبنان للأوضاع المالية الصعبة والفساد المستشري في الوزارات والادارات العامة، خصوصا وأن هذه الدول تستفيد من هذه المشاكل لتقييد المؤسسات وتكبيلها بشروط والتزامات تساهم بعملية القضم من سيادة الدولة وتؤثر على التوجه السياسي العام، وتستخدم في الابتزاز السياسي وعمليات الإرغام.

صحيح أن الإعلان الرسمي عن المعركة ضد الفساد جاء توقيته في فترة الحملات الانتخابية النيابية عام 2018، إلا أن مكافحة الفساد بالنسبة للحزب لم يكن يومًا شعارًا انتخابيًا.

الملفات التي تمت متابعتها خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2021:

الملفات المنجزة كليا وتحققت فيها نتائج نهائية:

1-ملف الحسابات المالية: تم استخراج الملف من الأدراج الرسمية (2500 وثيقة) وهي عبارة عن تدقيق مالي في الانفاق والايرادات والقروض والهبات وسلف الخزينة منذ العام 1993 حتى العام 2017.

2-التخابر الدولي غير الشرعي: متابعة على مدى 5 سنوات بدءًا من لجنة الاتصالات وصولًا إلى القضاء المبرم.

3-ملف الانترنت غير الشرعي: انهاء الملف الذي بدأ العمل به في المرحلة الأولى.

4-قرض غير ذي جدوى بقيمة 500 مليون دولار: أثير الموضوع في الهيئة العامة لمجلس النواب وتم إلغاء القرض.

5-الهدر في شركتي الخلوي: خفض الانفاق بحدود 100 مليون دولار.

6-قرض البنك الدولي المتعلق بإعادة تأهيل الطرقات في الجنوب: الوفر 2.7 مليون دولار لمصلحة الطرقات العامة في الجنوب.

ملفات أنجزت وصدرت فيها قرارات ظنية:

1-الهدر في الصرف الصحي: صدرت قرارات ظنية ضد عدد من الشركات ومجلس الإنماء والإعمار.

2-ملف سد بريصا: الادعاء من المدعي العام المالي على مجلس الانماء والإعمار والشركات المنفذة.

3-التلاعب بسعر صرف الدولار: ملاحقة قضائية ضد أنطوان صحناوي ومصرفه سوسيتيه جنرال واستكمال المتابعة من المدعية في جبل لبنان غادة عون.

ملفات قيد المتابعة في القضاء:

1-ملف الرسوم الجمركية: جرت تحقيقات مع الجمارك وإدارة النفط وقيمة الهدر بحدود 20 مليون دولار.

2-ملف الأموال المحولة أو المهربة من لبنان: جرت متابعات قضائية من دون اتخاذ خطوات فعلية.

ملفات تمت متابعتها:

1-سد بسري وإفلاس الشركة المنفذة

2-ملف تخفيض سعر الدواء

3-قرض بقيمة 250 مليون دولار بعنوان تطوير النقل الحضري.

4-الفساد والهدر المالي في وزارة التربية

5-أزمة الفيول وانعكاسها على قطاع الكهرباء

6-ترشيد الدعم المالي

7-تلزيم الشركات المستثمرة للمنشآت المخصصة لتزويد الطائرات بالوقود

8-مخالفات مالية في نفق سليم سلام

وقد تمت إثارة أغلب هذه الملفات في وسائل الإعلام وبثت تقارير تلفزيونية وتحقيقات صحفية عديدة تناولت ملفات الفساد بالتفصيل.

محاولات داخلية وخارجية لإسقاط المشروع:

الواقع أن المعركة ضد الفساد هي معركة تتسم بالأمد الطويل والنتائج المتأخرة، وليست شبيهة بالمعارك العسكرية التي تحصد نتائجها بتوقيت وزمان معين، وفيها الكثير من التعقيدات حيث الفاسد يفتقر إلى أدنى مستويات الأخلاق. كما أن المعارك والمواجهات الخارجية تقوم مع الأعداء، أما في الداخل فتقوم مع الشركاء، وعليه فإن معركة حزب الله في الداخل تشوبها الكثير من التحديات التي سنتحدث عنها في هذه الورقة. وبالتوازي، فإن الإدارة الأمريكية تعرف جيّدًا أن حزب الله، إذا انتصر في معركته على الفساد، فقد انتصر في معركة المشروعية على مستوى الوطن بأكمله، مضافا اليه أن كل وكلاء أمريكا في الداخل هم من الفاسدين. من هنا بدأ المتضررون من الداخل والخارج بالعمل على كافة الجبهات لإسقاط مشروع الحزب بمكافحة الفساد خاصة بعدما نجح في مجموعة من الملفات واستطاع الضغط من خلال أخرى على الرغم من كل القيود والعوائق والتحديات داخل المؤسسات الرسمية والقضاء، فبعد رفع شعار "كلن يعني كلن" واللعب على وتره، بدأوا بالتصويب على:

-أن حلفاء حزب الله متورطين بقضايا فساد وقاموا بتحميل الحزب مسؤولية تأمين غطاء لهم.

-استهداف مكامن الفساد الموجودة في البيئة الداخلية والبيئة المحيطة بالحزب. مثل اتهام أحد الكوادر في البقاع بملفات فساد، ومسألة القضاة الشرعيين وتحريك ملفات في المجلس الشيعي الأعلى بهدف ضرب المصداقية ونزع صفة العدالة.

-استخدام الأحداث التي تحصل لتوجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى حزب الله، مثل استغلال انفجار المرفأ لاستدعاء القادة الأمنيين المحسوبين على الحزب وتوريطهم بمحاكمات تشبه المحكمة الدولية.

-الحرب الإعلامية على مستوى السياسيين ووسائل الإعلام التي تتهم الحزب بالفساد وأنه من يوصل لبنان إلى الانهيار والمجاعة.

-تعزيز الحصار الاقتصادي على الحزب وحلفائه الذين يشكلون الأغلبية في مؤسسات الدولة، واتهامه بالتسبب بحصار لبنان.

-عرقلة كل الحلول للخروج من نفق الانهيار وتحميل حزب الله مسؤولية الأزمة.

كيف تعامل حزب الله مع القضية:

لم يقدم حزب الله نفسه يومًا على أنه فوق المحاسبة، فور إعلانه الحرب على الفساد دعا الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله "من لديه أي معطى أو شك بتورط أي مسؤول في حزب الله بفساد، فليقدم لنا الأدلة لأننا مصممون على الحفاظ على نقاء مسيرتنا". وهو بالتالي وعلى الرغم من شهادة القاصي والداني بنظافة كفّه، سواء في الوزارات أو في الملفات النيابية والانتخابية -حتى أن بعض الحلفاء اتهموا قيادة الحزب باعتماد ضوابط مثالية في العديد من القرارات التي تخص الشأن الداخلي- لم يقدّم نفسه بشكل تمايزي وانعزالي بل أكد على محاسبة أي فاسد.

وعلى الرغم من الكمية الهائلة من التحريض والتجييش والتضليل التي يتم بثها في الخطابات السياسية والإعلامية والاستفزازات الأمنية التي كانت تحصل بسببها أو عن سابق تخطيط، إلا أن الحزب كان يعي منذ اليوم الأول حجم المؤامرة وما الذي يراد جرّ البلد إليه، وبقي متمسكًا بمبدئه الأساسي وهو المحاسبة عبر القانون ومؤسسات الدولة.

تحديات التزام حزب الله بمحاربة الفساد

تحدي الضوابط الأخلاقية: منذ اليوم الأول لوضع الخطة كان ثمة سياسات عامة رسمها مجلس الشورى وتم وضع مجموعة من ضوابط:

-مكافحة الفساد من خلال القضاء ومؤسسات الدولة

-لا تذهب الملفات إلى القضاء إلا مرفقة بالمستندات والدلائل

-لا نعالج الملفات بالسجالات السياسية

-ليست مهمة الحزب التسمية والتشهير فالتسمية هي مسؤولية القضاء هو الذي يسمي ويحاسب وفق الآليات القانونية.

عندما تضع جهة معينة قادرة وقوية على مختلف المستويات وتملك قاعدة جماهيرية ملتفة حولها وملتصقة بها بحجم القاعدة الشعبية التي يملكها حزب الله، عندما تضع هكذا ضوابط وسياسات مبنية على الضوابط الأخلاقية النابعة من المبادئ التي يقوم عليها الحزب، فهذا يرمز إلى أن الحزب يسعى إلى تركيز فكرة أنه حزب يؤمن بمشروع الدولة ومؤسساتها، ويربي جمهوره على هذا المبدأ، وعدم التشهير والتسمية والخوض في سجالات بما هو عكس السائد بين الأطراف المتخاصمة في لبنان، يعكس أن حزب الله لا يهمه تسجيل النقاط والتصويب على خصومه السياسيين حتى لو جاء ذلك على حساب شعبيته ومصالحه. وقد تم استثمار هذه المسألة من قبل الإعلام المعادي من خلال اللعب على وتر طبيعة الجمهور الذي يميل إلى الفضيحة وتبسيط الأشياء، فبدأ العمل على تسخيف هذه السياسات والضوابط. وتجاهل جديتها وفعاليتها، بدلًا من تسليط الضوء والثناء عليها لأنها تأكيد على أن الحزب لا يسعى إلى مكاسب سياسية وشعبوية، ولا حتى يستغلها. وبدأ إغراق السوق بالمطالبة بفضح الأسماء والتشهير بها على أنها الطريقة الوحيدة لمكافحة الفساد وكل ما عدا ذلك هو عجز وفشل، وذلك بهدف إحباط المسار الجديد.

يرى حزب الله أن مقولة "السياسة لا دين لها" هي مقولة غير دقيقة، وحزب الله في ممارسته للسياسة يعتمد على مبدأ "سياستنا عين عبادتنا وعبادتنا عين سياستنا"، وقد قدم الحزب نموذج أخلاقي في السياسة قائم على الالتزام مع الحلفاء والوفاء بالوعود مع الناس والمصداقية، وهو لا يخدم شعبه ليحصل على شعبية، بل يذهب إلى الخدمة لأنه يعتبرها واجبًا شرعيًا، ويوازن في سياسته بين واجباته تجاه الجمهور وبين الشراكة والسلم الأهلي.

تحدي محاسبة الفاسدين عبر القانون: منذ اليوم الأول كان حزب الله يعرف جيدًا أن هناك مشاكل كبيرة في القضاء، إلا أن الخطوة الأولى في محاربة الفساد كانت كشف الفساد من خلال مؤسسات الدولة والمتمثلة بالقضاء، وأي طريقة أخرى في المعالجة ليست عبر مؤسسات الدولة هي فساد بعينها، لأنها ستتخطى مؤسسات الدولة والقانون. وكان يجب وضع القضاء أمام مسؤولياته حتى لو كانت أبوابه مغلقة في أغلب الملفات. إلا أن هذا المسار في العلاقة مع القضاء لم يكن وحيدًا، بل عمل الحزب على تقديم مشاريع قوانين لإصلاح القضاء، فبدأ العمل على كشف الثغرات وتقديم المشاريع وهي موجودة الآن بلجنة الإدارة والعدل ويوجد لها لجنة داخل الحزب.

إلى ذلك قدم نواب حزب الله مشاريع قوانين أينما وجد ثغرات، مثل قانون المنافسة، قانون الشراء العام (المناقصات)، اقتراح خفض الانفاق لبعض بنود موازنة 2019، قانون تضارب المصالح، وقانون تعديل هيئة التحقيق الخاصة. ويعتبر الحزب عرّاب قانون رفع الحصانات عن الموظفين والرؤساء والوزراء. وكانت هذه المنهجية هي المنهجية الصحيحة لأي طرف يريد أن يحارب الفساد برأي الحزب. فبدأ العمل من قبل الإعلام المعادي على تسطيح وتسخيف هذا المسار من خلال الاستهزاء بفكرة الملفات والمستندات، وكان يتم التهكم في كل مرة يُتحدث فيها عن الملفات والمستندات، فالتهكم على فكرة الدلائل والإثباتات يعطي انطباعًا بأن هذه المسألة غير مجدية وليست هي الطريقة الصحيحة، مع العلم أن الدلائل والمستندات هي الوحيدة القادرة على إنزال العقوبات بالفاسدين، وعدم وجودها يعني أن كل الجهود لا تتعدى السجالات السياسية، وهو الأمر الذي يحتاجه الفاسدون ويناسبهم الترويج له.

تحدي الشركاء والحلفاء: لم يُذكر أن حزب الله دافع يومًا عن أي حليف ظهر له ملف فساد أو أنه أوقفه، وهو يردد على لسان كوادره من لديه ملف فساد ضد حلفائنا فليذهب إلى القضاء ويقدمه. إلى ذلك فإن حزب الله باعتماده سياسة عدم التسمية والتشهير فإن ذلك لا يعني التغطية بأي حال من الأحوال.

تحدي التطلعات الشعبية: ينظر إلى حزب الله على أنه الحزب القادر على حل جميع المشاكل ولديه الحلول لكل شيء باعتباره الحزب الأقوى والذي أثبت قدرته بالتراكم منذ نشأته إلى اليوم، وهي بالتالي عندما تحمله المسؤولية، فإنها أيضًا تحمله النتائج، والواقع أن حزب الله هو جزء من الجهات الناشطة المساعدة في بلد مليء بالتعقيدات والأطراف المتنازعة داخليًا وخارجيًا، وأن حلّ المشاكل نظريًا لا يمكن أن يحصل إلا عبر مؤسسات الدولة، وأنه وحده لا يستطيع تمرير الإصلاحات المطلوبة، بل يحتاج إلى الآخرين لتمرير القوانين ولتحقيق ذلك يحتاج إلى تأييد الأغلبية النيابية. على مستوى الجمهور قد يتمكن من تقديم الخدمات وإصلاح بعض المشاكل، ولكن في الإصلاحات الكلية يحتاج إلى الآخرين، كما أن إصلاح الفساد لا يتحقق بالذراع بل بالمسارات القانونية. والواقع أن الإعلام المعادي قد استغل أيضًا هذه المسألة. صحيح أن من القاعدة الشعبية من يتطلع إلى الحزب على أنه قادر عن حسن نية، إلا أن هناك فئة تروج لهذا المنطق باعتبار الحزب قوة متعاظمة على الرغم من معرفتها بأن الحزب غير قادر على ذلك، وذلك لتحميله مسؤولية فشل الإصلاح.

تحدي الوفاء بالوعود الانتخابية والإصلاحية: يمكن ملاحظة أن كل ما تمّ طرحه في البرنامج الانتخابي بدأ العمل به ومنه ما أنجز، مع العلم أن سنة واحدة فقط كان فيها نوع من الاستقرار لتحقيق الإنجازات التنموية والتشريعات والرقابات قبل أن يبدأ حراك 17 تشرين الذي اعقبه انهيار في سعر صرف الليرة واستقالة حكومة الحريري وكورونا ومن ثم انفجار المرفأ واستقالة حكومة دياب والحصار الاقتصادي.

 تداعيات دخول حزب الله معركة الفساد

منذ تأسيس حزب الله، نزل الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد عباس الموسوي بين الناس ورفع شعار "سنخدمكم بأشفار عيوننا". ولطالما قدمت المقاومة الخدمات المتنوعة لجمهورها واستمرت بتطوير مؤسساتها الخدماتية لتحسين وضع بيئتها التي طالما كانت مهمشة، وقد بدأ نشاط تلك المؤسسات في ظروف صعبة على صعيد التمويل وتطورت نسبيًا بالتدريج.

مخاطر تقدم الدور المقاوم نحو السياسة

لم تنفصل ثورية حزب الله المترجمة على الجبهات عن رفضه للظلم والفساد. وكما ذكرنا في هذه الورقة، منذ اليوم الأول لدخول حزب الله إلى البرلمان لم يوافق يومًا على موازنات الهدر، واستمر باقتراح مشاريع قوانين وفضح ملفات فساد بالقدر الذي أتاحته الظروف الأمنية والسياسية.

تأنى حزب الله كثيرًا قبل إعلانه شنّ الحرب على الفساد في دولة يعتبر فيها الفساد نظامًا. وأي حرب على الفساد فهي حرب على النظام القائم على المحاصصة والمحسوبيات والكارتيلات والفوائد وسوء استخدام السلطة، حتى أن محاربة الفساد فيه، إذا لم تكن قائمة على ستة وستة مكرر قد تؤدي إلى حرب أهلية. كل هذه الأمور تقف عوائق أمام النجاح وتجعله أكثر صعوبة.

والوفاء بوعود الإصلاح مسألة غير مضمونة أولًا وبعيدة المدى ثانيًا. من جهتها، تتوقع الجماهير أن الحزب الذي طالما وفى بوعوده وانتصر في حروبه المتتالية، سينتصر اليوم حتمًا، وفي الغالب لا يسأل عن الدهاليز السياسية ولا يهتم لمسألة الإمكانيات والاحتمالات خاصة في ظل تدهور الوضع المعيشي، وأزمة الدولار الخانقة. هناك فئة ليست قليلة من جمهور المقاومة يقفون اليوم أمام وضعهم المعيشي ويحملون الحزب النتائج وذلك لأن لهم فيه أملًا طويلًا، ولديهم تطلعات وتوقعات عالية بقدرة الحزب على حسم أي موضوع، نظرًا للتجارب في الميادين الأخرى.

التحلل الهادئ لبنية الفساد

لدى أي حديث عن محاسبة الفاسدين، يتحسس الفاسد رأسه، ربما لن يرضخ الفاسد ويمحي مخالفاته السابقة، لكنه على الأقل سيخفف من مخالفاته في الحاضر إن لم يوقفها، وكل من كان فاسدًا جهارًا نهارًا فإنه سيعمد إلى فساده في السرّ، الأمر الذي يخفف من حدة الفساد. فالفاسد الصغير المنتشر بين صغار الموظفين والذي يقوم بمخالفاته من دون تنسيق مع الآخرين، عندما يسمع في الإعلام عن ملفات يتم تقديمها للقضاء دون ذكر الأسماء والتفاصيل، فإن هذا الغموض سيجعله أكثر حذرًا، كما أن الفاسد الكبير المنتشر بين كبار الموظفين والمسؤولين سيعمد إلى تفكيك شبكة المصالح خوفًا من كشفها، أو تجميد الحماية السياسية على أقل تقدير.

إلى ذلك، فإن الملفات التي يعمد الحزب إلى تقديمها للقضاء، ثم تصطدم بحائط مسدود، سيكشف ذلك عن الثغرات الموجودة في القوانين القضائية، فيعمد بعد ذلك إلى تقديم قوانين إصلاح في المجلس النيابي ويضغط باتجاه إقرارها. ومن لن يوافق أو يصوّت على قوانين إصلاح، فإنه بذلك سيصبح مكشوفًا لدى الرأي العام بتغطيته على الفساد.

إلى ذلك، يشكل إعلان الحرب على الفساد لدى طرف من الأطراف تحفيزًا للأطراف الأخرى للمضي في ذلك، ومنهم من سيتحمس لرفع الشعار قولًا وفعلًا، حتى لا يقال إن الحزب وحده من تصدى للفساد، وسيجتهد بتقديم الاقتراحات والقوانين وغيرها من سبل المعالجة. والأثر الأهم هو تحوّل قضية الفساد إلى مسألة محورية في الجدال السياسي.

وعليه، يمكن القول إن مجرّد إعلان الحرب على الفساد له آثار بنيوية ستنعكس على المدى الطويل، لقد فتح حزب الله الملف الأكبر في الفساد وهو ملف الاتصالات الذي يدخل إيرادات كبيرة إلى الدولة، وهو يقف حجر عثرة في وجه ملفات الهدر في الموازنات المالية، والكثير من الملفات التي يعمل على متابعتها والتي ستظهر نتائجها على المدى القصير والبعيد. وبغض النظر عن النتائج المباشرة فإن تأثير بدء تلك المواجهة بدأ يعطي ثماره الأولى من خلال تراجع شعبية الفاسدين وانكشافهم ماليًا وشعبيًا.

الصدام

يمتلك حزب الله من القوة والمقدرة ما يجعله قادرًا على التفوق في أي صدام محتمل، وهو ما تستسيغه أطراف لبنانية وجزء كبير من الجمهور الذي يئس من النظام اللبناني الفاسد ويرى أن الحلّ هو بقوة الذراع. وقد لفت الأمين العام السيد حسن نصر الله النظر إلى هذا الأمر في مقابلته مع إذاعة النور في عيد الانتصار والتحرير من العام 2020 إلى أن "من يريد القتال فينا من أجل الاصلاح في لبنان يجب أن يتفهم أن المقاومة على رأس لائحة الاستهداف في الكرة الأرضية، وأمام أي تحولات جديدة عندما تسير بمسار يجب أن تنتبه المقاومة ما إذا كانت تسير إلى الكمين الذي ينصبه لها العدو". وأضاف: "نحن ضد العزل والاقصاء ولا نريد حرباً اهلية في لبنان ولا نريد أن نحكم البلد". ذلك أن أي خلاف في لبنان على أي موضوع يتحول بسرعة إلى خلاف طائفي. كما أن العزل والإقصاء سيعملان على تربية الأحقاد ويؤديان إلى التدخل الدولي. وقد لفت سماحته إلى أنه "لا مصلحة ولا يمكننا أن نستخدم القوة في أي ملف فساد في لبنان". فاستخدام القوة لمكافحة الفساد هو فساد بدوره. وقد أشار السيد نصر الله إلى أن "النظام اللبناني يحتاج إلى تطوير وإصلاح لكن ليس على قاعدة نسفه، ولكن يمكن الجلوس والبحث في تطوير الطائف". ففي ظل الظروف الاقتصادية والصحية الحالية، يبدو أن الحديث عن تغيير نظام الطائف في لبنان الذي اقتتل اللبنانيون لمدة 18 عامًا حتى تم التوصل إليه، هو هو ترف لا يتمتع به اللبنانيون حاليًا، خاصة في ظل عدم وجود نظام بديل يمكن التعويل عليه.

التشهير

أما في مسألة التشهير، يذكر أنه في الفترة ما بين 2008 و2018، درجت العادة في بعض البرامج تحت عنوان الصحافة الاستقصائية، أن يعمد الصحفيون في بعض المحطات اللبنانية (الجديد- lbc) إلى كشف قضايا فساد من خلال التشهير بأصحابها وقد نالت هذه البرامج أعلى نسب مشاهدة. هذا النوع من البرامج ربى الجمهور على ثقافة التشهير حتى بدا لهم أن محاسبة الفاسد لا تحصل الا بالتشهير، وهذا الأسلوب بكل الأحوال يقدم "فشة خلق" للجمهور وتشفي، فيحبه الجمهور ويستسيغه، ويتطلع إليه باهتمام، إلا أن هذا الأسلوب لم يذكر أنه وضع أي فاسد في السجن، أو استرجع مالًا منهوبًا. فقط أدى إلى سجالات ودعاوى قدح وذم استنزفت حماس اللبنانيين ولم تقدم لهم أي خطوة عملية.

الاستفادة من حزب الله في مواجهة الفساد

حزب الله هو النموذج الذي دخل في نظام الفساد اللبناني دون أن يتلوث بالفساد، بل رفع لواء الحرب على الفساد من باب مؤسسات الدولة، انطلاقًا من اعتقاده الراسخ بأن البناء والإصلاح في مجتمع متعدد الانتماء والطوائف لا يحصل إلا عبر الدولة ومؤسساتها، وهذا الإيمان بالوطن، بالإضافة إلى نظافة الكف التي يشهد بها العدو والصديق، وبالنظر إلى قاعدته الجماهيرية الأكبر من بين كل الأحزاب اللبنانية، كل ذلك يستدعي أن ينظر إلى الحزب كأول طرف قادر، وليس استبعاده وشمله بشعار ملتبس مثل "كلن يعني كلن".

طرح الشعارات في ظروف محددة ومع الإغراق الكافي قد يؤدي إلى تغيير الحقائق وتضييع الحقوق، والتلاعب بالعقول هي مهنة اعتادت عليها الأنظمة الاستعمارية. ما يستدعي الدقة والوضوح والعمل على تبيين الأسس التي تبنى عليها عمليات إعادة التوجيه، فكل تضليل يرتكز بالضرورة إلى وقائع حقيقية، إلا أنه يعمد إلى تعديل مثاقيلها ووجهتها.


الكاتب: غرفة التحرير