الخميس 30 كانون الاول , 2021

2021.. عام انكشاف ثغرات الكيان الإسرائيلي!

على مشارف نهاية العام 2021، قراءة شاملة، بالتفاصيل والمؤشرات، لمحطات إخفاق الكيان الإسرائيلي السياسية والعسكرية في الداخل والخارج في العديد من الجبهات حيث يصف الباحث الفلسطيني المختص في الشؤون الإسرائيلية حسن لافي، في مقابلة خاصة لموقع "الخنادق" ان عام 2021 كان "سنة الحقيقة بالنسبة للكيان الإسرائيلي ومؤسسته العسكرية، وشهد العديد من التوترات على عدّة جبهات". وكان لا بدّ من التوقف عندها واستشراف تداعياتها في العام المقبل 2022.

الجبهة الإيرانية

حاول الكيان الإسرائيلي خلال هذا العام التلويح بضربة عسكرية ضد الجمهورية الإيرانية على خلفية شعوره بالتهديد الحقيقي من برنامجها النووي، لكن "لافي" يشير الى مفاجآت وقعت في جلسات النقاش الإسرائيلية حيث لم يكن يوجد لدى أوساط الاحتلال خطة سياسية منذ انسحاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي السابق، ولا خطة عسكرية لجيش الاحتلال. فيما كان الحديث عن إعطاء أوامر للجيش للبدء بإعداد خطة من أجل النووي الإيراني. وبالتالي لا يملك جيش الاحتلال القدرة حاليا ولا في السنة القادمة 2022 لتنفيذ ضربة عسكرية ولا لتحمّل تداعيات هذه الضربة والرد الإيراني، حيث يؤكد الخبير في الشأن الإسرائيلي ان أوساط الاحتلال تقدّر عامين ونصف لإتمام الخطة.

في المقابل يشرح المختص في الشأن الإسرائيلي، ان أي تصعيد مع إيران لا يستطيع كيان الاحتلال تحمّله وحده، فسيعمل في السنة القادمة على مسارين:

_ الأول: محاولة جرّ الولايات المتحدة الى الدخول في نوع من مواجهة مع الجمهورية الإسلامية، وتوسيع "الحلف الصهيو-أمريكي" في المنطقة، لكن هذا الخيار ثبت فشله حيث أنه كان للإمارات علاقات تجارية مع إيران في العام 2021، وكذلك السعودية تذهب الى تفاوض مع الجمهورية الإسلامية.

_ الثاني: العودة الى سياسته المعتادة، وهي "الحرب ما بين الحروب" ما يعني قيامه بعمليات أمنية مكثّفة غير معلنة.

حزب الله (الجبهة الشمالية)

لأول مرة منذ حرب تموز عام 2006 يقصف الاحتلال أراض لبنانية بالطائرات، ويشير لافي الى ان خطوة الاحتلال كانت ظناً منه أنه قادر على "تعديل قواعد الاشتباك" مع حزب الله وفرض معادلات جديدة، لكنه تفاجأ برد المقاومة السريع بقصف 19 صاروخاً باتجاه الأراضي المحتلة ما اضطرها للانكفاء، ويؤكد الخبير أن "إسرائيل خسرت جولة مهمة أمام حزب الله، الذي اعتبر الكيان انه غارق في الأزمات الداخلية اللبنانية بما سيجعله أكثر رضوخاً".

قطاع غزة (الجبهة الجنوبية)

يشرح الخبير في الشؤون الإسرائيلية ان كيان الاحتلال ظنّ ان ما يسميه "سياسة الاحتواء" من خلال التسهيلات الإنسانية قادرة على فصل غزّة عن القضايا الفلسطينية ولا سيما عن القدس والضفة الغربية، لذلك حاول رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو، قبل خروجه من المشهد السياسي، أن يستخدم التهويد والاستيطان كورقة انتخابية، فيما كانت تقديرات الاحتلال ان فصائل المقاومة في غزّة لن تكون حاضرة، لكنها تفاجأت ان الفصائل دخلت في معركة سيف القدس لأجل القدس والضفة، وحوّلت من الجبهات التي عمل الاحتلال على التفرقة فيما بينها الى وحدة وجبهة واحدة بل كادت أن تُدخل الجبهات الخارجية في محور المقاومة لتكون مجتمعة جبهة واحدة. ويؤكد لافي أن الإخفاق في التقدير كان ضربة جدية للحسابات الإسرائيلية

كما ان "سياسة الاحتواء" انقلبت ضد كيان الاحتلال حيث استغلت الفصائل هذه الفترة لمراكمة قوتها وامكاناتها العسكرية التي أدخلت 6 مليون مستوطن الى الملاجئ. وحتى ان الإخفاقات التي كشفتها "سيف القدس" كانت أيضاً على مستوى جهوزية جيش الاحتلال الذي، بحسب ما يصف الخبير في الشأن الإسرائيلي، يعيش "حالة صدمة" خاصة من عدم تمكنه تنفيذ ما تدرّب عليه لأعوام، لدرجة أن أفيد كوخافي (رئيس هيئة أركان الجيش الاحتلال) الذي كان صاحب "خطة الزخم متعدد السنوات" وكان يزعم من خلالها إيصال جيش الاحتلال نحو "قدرة على تحقيق النصر ورفع الجهوزية"، قد شكّل بنفسه 14 لجنة تحقيق بعد معركة "سيف القدس" لدراسة الأخطاء واستخلاص العِبر".

الجبهة الداخلية

يؤكد لافي ان عام 2021 كشف أن الجبهة الداخلية لكيان الاحتلال هي "جبهة رخوة"، حيث لا جهوزية للجيش، وغير قادرة على تنفيذ ما تسميه "خطة الدفاع" وتحقيق الأهداف المناطة بها، وكذلك ان الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أقدمت على أخطاء كبرى، بالإضافة الى ان عملية "نفق الحرية" وتحرّر الاسرى الـ 6 كانت أيضاً صفعة أمنية قوية للكيان. أما في القدس والضفة، فيشير الخبير في الشأن الإسرائيلي الى ان الاحتلال على الرغم من تكثيفه لحملات الاعتقال الا أنه لم يملك أسلوباً واستراتيجية واضحة للتعامل مع الموجة المتصاعدة من حالة المقاومة والعمليات الفدائية.   

ومن ناحية "التحصينات العسكرية"، فان الاحتلال أيضاً عانى هذا العام من عجزه عن القيام بأهدافها الكاملة: أولا، القبة الحديدة لم تمنع في معركة "سيف القدس" من إصابة الصواريخ الفلسطينية لأهدافها، حيث يشير لافي ان إذا اخذنا بادعاءات الاحتلال ان القبة قادرة على التصدّي لـ 85% من الصواريخ هذا يعني ان الجبهة الداخلية خلال "سيف القدس" لم تستطع ان تتحمّل سقوط أقل من 20 صاروخ يومياً ولجأت الى الولايات المتحدة لإيقاف الحرب، في وقت يؤكد لافي ان القبة الحديدية حقيقة لا تستطيع منع سوى نسبة 45% من الصواريخ، وبالتالي يؤكد لافي ان "القبة الحديدية أثبتت عام 2021 أنها مشروع غير مجدي".

ثانياُ، بناء الجدار تحت أرضي لا سيما عند الحدود مع قطاع غزّة لم يختبر الكيان الإسرائيلي نجاحه بعد لذلك لا يمكن اعتباره مشروعاً ناجحاً، بحسب الخبير في الشأن الإسرائيلي، كما ان الجدار جزء مهم منه كان مستكملاً أيام معركة "سيف القدس" ولم يمنع الانتصار الفلسطيني، ولا البالونات الحارقة التي طالت مستوطنات غلاف غزّة. وكذلك صرّحت الفصائل الفلسطينية أن لديها من الإمكانات ما يمكن اختراقه وتجاوزه، وحتى مناوراتها هذا العام (درع القدس، والركن الشديد) كانت تحاكي كيفية اسر جنود الاحتلال، كما استطاع قنّص فلسطيني بعد اكتمال الجدار من أطلاق النار وإصابة مستوطن في الخارج، وبالتالي لا يمكن ان يكون هذا الجدار عائقاً أمام عمليات المقاومة، بما يؤكد ثغرة جديدة في "تحصينات" الاحتلال.

أما في "الموساد" وداخل مؤسسات الاحتلال، فتظهر فضائحهم على العلن وفي الاعلام العربي حيث شهد هذا العام انتحار ثلاث ضباط في الموساد في مكاتبهم، وهذا ما يشير الى أزمة داخل الموساد، بحسب ما يشرح الأستاذ لافي وخاصة أنه من يتابع البرنامج النووي الإيراني في الكيان.

ويتابع لافي ان عام 2021 أثبت ان جيش الاحتلال "بلا أخلاق" حتى في الداخل حيث انتشرت فضائح الإغتصاب في معسكرات الجيش، وبتشهير وتصوير جنسي يقوم به ضباط وفي وحدات مهمة من الجيش.

وشهد هذا العام تراجعاً في ثقة الجمهور بجيش الاحتلال، وتشير الأوساط الإسرائيلية في تقديراتها عام  2021 ان هناك انزعاجاً من هذه الظاهرة التي لا يعرفون تفسيرها، ويضيف لافي ان معسكرات الاحتلال تعاني من مشكلات لوجستية حيث يرمي الجنود الوجبات المقدّمة نتيجة عدم النظافة.

الناحية السياسية

شهد العام 2021 أكبر توترات وتعقيدات في المشهد السياسي، ويقول لافي ان 2021 كان عام الانكسار السياسي للكيان حيث غادر من يعتبر "آخر الملوك" وهو نتنياهو الذي أسقط داخلياً عبر التحالفات وخارجياً حيث كان لواشنطن الدور الكبير في إسقاطه وخاصة مع مجيء الرئيس الديمقراطي جو بايدن، والكيان سياسياً لم يملك بديلاً فالحكومة الحالية هي حكومة تناقضات، اتفق مكوناتها على عدم الاختلاف على ما يسمونه القضايا الأساسية، وبالتالي الحكومة عام 2021 لم تتخذ أي قرار في المواضيع الكبيرة والمهمة والاستراتيجية، وهذا نوع من الإخفاق السياسي.

كما ان الحكومة لا يقودها شخص واحد، بل رُباعي: هم نفتالي بنيت (رئيس الحكومة الحالي، زعيم اليمين المتطرف)، يائير لابيد (يساري، وزير خارجية الاحتلال الحالي)، بني غانتس (وزير الحرب) و أفيخادور ليبرمان (رئيس حزب يميني)، وكل منهم يبحث لان يكون هو رئيس الوزراء القادم بعد هذه الحكومة، كما صنع هذا العام العديد من التعارضات التي ستنسحب للعام القادم، حيث ان الوزارات من المفترض أن يكون لديها استراتيجية واحدة الا ان كل منها تسير في سياسات وزيرها الذي يعتبر نفسه هو القادر على ان يكون رئيس الوزراء القادم، بحسب ما يشرح الخبير في الشأن الإسرائيلي حسن لافي.  

  الا ان من المرجّح ان تستمر هذه الحكومة لعدّة عوامل يشير اليها  الخبير لافي تتمثّل في إقرار الموازنة، واستطلاعات الرأي حتى الآن تعطي نتنياهو تفوقاً وبالتالي فان الائتلاف لا فرصة لديه بحيث اذا ذهب نحو الانتخابات لن يكون لديهم الحظوظ في حكومة قادمة، بما يعني أنهم سيحاولون الحفاظ على "مكتسباتهم" الحالية، وايضاً الولايات المتحدة تريد استمرار هذه الحكومة لانها تبعد نتنياهو، وهي بهذا التشكيل ضعيفة بما يسمح لواشنطن بالضغط عليها خاصة في الفترة القادمة بشأن الاتفاق النووي، وكذلك ان لابيد (المناوب لرئاسة الحكومة) يقدّم التنازلات من أجل ان يتولى منصبه في منتصف السنة القادمة 2022.      

عام فضح الثغرات

في النتيجة يؤكد الخبير في الشأن الإسرائيلي ان 2021 هو عام تكشّف وفضح الثغرات والأزمات السياسية والعسكرية والأمنية للكيان الإسرائيلي، وان كل هذه الثغرات والاخفاقات تُعد بحسب لافي، "مؤشرات على بدء تهاوي المشروع الإسرائيلي برمّته لأن الجيش هو عماد هذا المشروع". وإذا ما دفعت غطرسة الاحتلال به نحو معركة في أي جبهة من الجبهات، فيؤكد المختص بالشأن الإسرائيلي، انها ستكشف مزيدأً من الثغرات في الكيان وجيشه. ويتابع لافي مشيراً الى تراجع عسكري لافت لجيش الاحتلال، "فالجيش الذي كان عام 1967 يحتل 3 مناطق عربية في أقل من 4 أيام، في عام 2021 ويدخل عام 2022 وهو يبحث عن مخارج لمآزقه الداخلية والخارجية".

الكيان الإسرائيلي عام 2022؟

سيكون عام 2022 عام البحث عن مخارج والحلول للأزماته، كما عام صياغة الاستراتيجيات للتعامل مع كافة الجبهات، بحسب ما يقول لافي. فيما تشير التقديرات الإسرائيلية الى ان "احتمالية نشوب حرب شاملة متعددة الجبهات مع إسرائيل في العام المقبل منخفضة، وستستمر الأنشطة في مواجهة المحاولات الإيرانية للتمركز في سوريا، وسيواصل الجيش الإسرائيلي زيادة عدد أهداف الهجوم، بالإضافة إلى الأسلحة وإمكانات الهجوم". 


الكاتب: غرفة التحرير