الثلاثاء 14 كانون الاول , 2021

كيف سيكون النظام الاقليمي بعد الانسحاب العسكري الأميركي؟

إنّ الحركة الأمريكية في منطقة غرب آسيا، تحددها الحاجة وضرورة تخفيف الأعباء عن واشنطن. وتاليًّا، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هندسة الإقليم بكل موازين القوى المتواجدة فيه كخيار استراتيجي في خدمة الانكفاء الأمريكي. وعمليًّا، يفيد الانكفاء إقدام واشنطن على اعتماد سياسات كانت موضع قبول سابقًا كونها تتسم بطابع الضعف، في مقابل التراجع عن سياسات ذات أولوية في نهج الولايات المتحدة القيادي. وبمعنى آخر، يشير الانكفاء إلى انقضاء زمن القرارات العسكرية الحاسمة في الهيمنة الأمريكية على منطقة غرب آسيا.

وأشارت دراسة لمركز دراسات غرب آسيا حملت عنوان "الانكفاء العسكري الاميركي، اعادة تشكيل النظام الاقليمي في غرب آسيا وشرق المتوسط" الى أنّ تكاليف واشنطن بعد عقدين من التدخل المباشر في ملفات المنطقة على كل من المستوى الدولي والإقليمي والداخلي دفعت لخيار الانكفاء التدريجي. لقد زادت أعباء التحديات في منافسة القوى العظمى والاقطاب الجديدة، وفي مواجهة تنامي محور المقاومة، وفي تقديم الحلول للأزمات الأمريكية الداخلية؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الأهداف العامة:

-إعادة صياغة إدارة الصراع في ظلّ افتقاد القدرة على التحكم بالمواقف.

-ترتيب موازين القوى القائمة، وتشكيل توازن أمني إقليمي جديد، والتقليل من الخسارة الأمريكية قدر الإمكان. 

-التحكم بمسار الصراع الناجم عن ملء الفراغ القيادي.

-عرقلة تمدد وسعة نفوذ القوى الإقليمية والدولية الصاعدة ومحاصرة محور المقاومة عبر الوكلاء والحلفاء، وحتى المنافسين من شركاء وخصوم.

-المحافظة على قدر من الثقل الأمريكي في ساحات التعاون والمنافسة رغم الانسحاب.

-توجيه الصراع بعيدًا عن الصراع الأساسي (المقاومة/العدو).

-تحقيق أكبر عزلة ممكنة للعدو لشلّ حركته وتوهين مقاومته.

-محاولة تأمين المصالح الأمريكية الدائمة في المنطقة.

-توريث "إسرائيل" دور شرطي شرق المتوسط والخليج أو المعاون.

وتستهدف عملية التشكيل هذه، عدة جهات مقسمة على 3 تيارات وهم اللاعبون من منظور أميركي: الخصوم (روسيا، الصين)، المنافسون (فرنسا، تركيا) والأعداء (إيران وقوى محور المقاومة).

أما السياسة الأميركية تجاه هذا الصراع هي إدارة النزاعات وإدارة الوكلاء والمواجهة المباشرة عبر الاستثمار في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، واتخاذ اجراءات استعراضية مع الحلفاء والشركاء لإثبات حرية الوصول والقدرة وتقوية نزعة التفرقة وصدع مفهوم الوحدة الإسلامية بين دول محور المقاومة، والبيئة الإسلامية عمومًا. ووضعت لأجل تطبيق هذه السياسة إجراءات تنفيذية عدة.

وتتطرق هذه الورقة البحثية التي أعدها مركز دراسات غرب آسيا إلى الأدوات التنفيذية التي قد تصل إلى عمليات الاغتيال وإلى العوائق والعقبات أمام واشنطن لتنفيذ هذه السياسة.

وتستشرف الدراسة عدداً من السيناريوهات المحتملة:

-مزيد من التناحر بين حلفاء أمريكا مع زيادة منسوب التنافس في ملء الفراغ الإقليمي، وتزايد عدم الاستقرار في التحالفات الأمريكية ذاتها، وتعدد قطبية واسع يجعل نفوذ أمريكا نسبيًّا ورهنًا بسياسات الفاعلين الآخرين.

-محاولة السيطرة على منافذ الخليج البحرية، وإنشاء آليات دولية لمحاصرة الحركة النفطية الإيرانية، خاصة مع العودة للاتفاق.

-إنشاء آليات قانونية جديدة تقوّض عملية الاستثمار الإيراني للعلاقات العربية في حال رفع العقوبات الحالية.

-إعادة تفعيل مسارات الفدرلة في سوريا والعراق، والعمل على إنضاجها على المدى المتوسط البعيد عبر الوكيل الدولتي، البريطاني تحديدًا.

-العمل على إثارة الصراعات والنزاعات الأهلية والطائفية والمذهبية في دول المنطقة وترسيخ مكانتها في لائحة الدول الفاشلة.

-افتعال حروب أو أزمات بين دول الجوار عبر استثمار مشكلات المياه والطاقة.

-ظهور تكتلات جديدة تشكّل مزيدًا من التهديدات والتحديات على محور المقاومة.

-زيادة الإنفاق العربي على "إسرائيل"، وتعزيز التعاون التكنولوجي "الإسرائيلي" العربي، وقيام قواعد "إسرائيلية" في دول الخليج مكان القواعد الأمريكية.

-التركيز الأمريكي على تعطيل مبادرات الحزام والطرق الصينية.

-عودة نشاط المنظمات المتطرفة العنيفة المحلية.

-عودة ملف ضم الضفة إلى الطاولة مع نهاية مسلسل التطبيع.

-مزيد من تراجع النفوذ الأمريكي الاقتصادي والسياسي أمام زيادة تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة، ومن ثم المكانة الجيوسياسية الصينية.

-حرب إسرائيلية من أراضي عربية ضد إيران في ظل تسليم أمريكا "إسرائيل" موقع الضامن للأمن الخليجي.

وتخلص الدراسة إلى ان تركيز صناع السياسة الأمريكية على "أمريكا أولًا" والشرق الأقصى ثانيًا، وتخفيف الالتزام بقضايا الشرق الأوسط لا يعني التخلي عن المصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما إعادة صياغة السياسة بما يخفف الكلفة عن واشنطن ويحافظ على نفوذها في ذات الوقت، ويتوازن مع نفوذ القوى العظمى فيها. ترتب أمريكا أولوياتها في المرحلة الحالية والمقبلة وفق دوافع ثلاثة: الحاجة إلى التأثير على المنافسة الجيوسياسية داخل المنطقة، ومواجهة السلوك الإيراني بشكل أكثر فاعلية، والحاجة إلى تركيز اعتماد الوكالة في التحرك بالمنطقة. وهي تحاول الاستفادة مما تعانيه المنطقة من انعدام الأمن الاقتصادي والدفاعي وإطلاق العنان لمسمى "الدبلوماسية الأمريكية المتوحشة". لذلك تقتضي المرحلة المقبلة بحساسيتها وخطورتها تقويض كل ما من شأنه ان يحقق الاستقرار او النجاح للمخطط الأمريكي في المنطقة.


المصدر: مركز دراسات غرب آسيا