الإثنين 15 آب , 2022

معركة شبوة: بوابة التحولات السياسية والعسكرية جنوباً

شبوة

أفضت مواجهات عام 2019، بين المجلس الانتقالي من جهة، وبين الشرعية المحسوبة على حزب الإصلاح من جهة أخرى، إلى سيطرة الأخير بشكل مطلق على محافظة شبوة، بعد هزيمة قوات النخبة الشبوانية التابعة للإمارات في تلك المعركة.

وخلال الثلاث السنوات الماضية، حوّل حزب الإصلاح شبوة إلى  شبه عاصمة سياسية وعسكرية، وسيطرت قوات ما يسمى الشرعية حينها، على كل مديريات المحافظة، غير أن سيطرة حركة أنصار الله، على مديريات بيحان في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، قلب الموازين في شبوة، وحشد التحالف السعودي الإماراتي، قوات العمالقة للقتال في بيحان، رافضاً تقديم دعم لقوات الإصلاح، متهماً الأخيرة بالتفريط بمديرات بيحان التي تشكل أهمية من حيث الثروة النفطية والغازية، ومن حيث ترابطها جغرافياً بمحافظتي مأرب والبيضاء، وبعد الانتصار الذي حققته قوات العمالقة في بيحان، وزّع التحالف تلك القوات في مواقع عسكرية بمحاذاة قوات الشرعية، بالتزامن مع تأسيس الإمارات قوات جديدة تحت اسم "دفاع شبوة"، وهي القوة التي أسستها أبوظبي على انقاض قوات النخبة الشبوانية التي هُزمت في مواجهات عام 2019.

ولعل أبرز العوامل التي دفعت بالإمارات للاهتمام بشبوة، يتمثل بالعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، التي أحدثت أزمة عالمية في الوقود، ومن أجل السيطرة على حقول النفط، والبدء بشكل عاجل بتصدير ملايين من النفط الخام عبر محافظة شبوة، عيّن التحالف القيادي في المؤتمر عوض ابن الوزير العولقي، محافظاً لشبوة، بديلاً للمحافظ الإصلاحي، محمد صالح بن عديو، وباشر التحالف بشحن كميات من النفط الخام حيث ترسو ناقلات النفط بشكل أسبوعي في ميناء النشيمة بالمحافظة.

خطوة تعيين محافظ جديد، مثّلت إزاحة ناعمة لنفوذ الإصلاح في شبوة، غير أن القوات العسكرية الرسمية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، ما تزال تسيطر على المحافظة، وأبرز تلك القوات: القوات الخاصة، والأمن العام، وقوات النجدة، ولواء 21 ميكا، واللواء الثاني جبلي، ولواء 163، ولواء حماية المنشآت.

وخلال الستة الأشهر الماضية منذ تعيين ابن الوزير، توترت الأوضاع عسكرياً  بين القوات الموالية للإمارات، والأخرى الموالية للإصلاح، وقبل أسابيع تعرض قائد القوات الخاصة، العميد عبدربه لعكب، لعملية اغتيال فاشلة، قتل فيها أحد مرافقيه، نفذت العملية قوات دفاع شبوة، الموالية للإمارات، هذه العملية مثّلت الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة، وبعدها فقط بأيام، اتخذ المحافظ قرار إقالة لعكب، غير أن الأخير رفض القرار، بناء على توصية من وزير الداخلية إبراهيم حيدان، الذي اعتبر القرار مخالف للقانون، وتعيين قائداً للقوات الخاصة من صلاحيات وزير الداخلية،  وأثناء المحادثات داخل عتق، لتهدئة الأوضاع والخروج بتسوية بين المحافظ وقائد القوات الخاصة، استهدفت قوات دفاع شبوة، قائد كتيبة الطوارئ، أحمد لشقم، الذين قتل ومرافقيه، إثر الاستهداف اشتعلت المواجهات بين الطرفين.

 اشتعال المواجهات

خلال اليومين الأولين من المعارك، سيطرت قوات الإصلاح على معظم مدينة عتق، وظلت القوات الموالية للإمارات، محصورة في المطار، وفي مبنى المحافظة، وحاولت الإمارات تدفع بتعزيزات من عدن، غير أن القوات الموالية للإصلاح قطعت الطريق على تلك القوات في محافظة أبين، فيما تدفقت تعزيزات لقوات الإصلاح من مأرب وأبين.

وفي محاولة لوقف الاقتتال الذي اتسعت رقعته لليوم الثالث على التوالي، حاول المجلس الرئاسي، اتخاذ قرارات توافقية، قضت بتغيير جميع القيادات العسكرية والأمنية من الطرفين، ليحل عنهم قيادات توافقية تنتمي لحزب الإصلاح، والمؤتمر والمجلس الانتقالي، غير أن الاوضاع ميدانياً كانت قد تجاوزت أي تسويات، خصوصاً والقيادة الإماراتية تشرف على المعركة ميدانياً، وكانت تحضّر لاستهداف قوات الإصلاح بعدد من الغارات.

 ومع فجر يوم الأربعاء، اليوم الثالث للمواجهات، شنت قوات الإصلاح هجوماً كبيراً حققت من خلاله انتصار على القوات الموالية للإمارات، وحاصرت مطار عتق الدولي، حيث تمركز القوات الإماراتية، الأمر الذي عجّل بتدخل الطيران، الذي غير المعادلة، بعد أن استهدف كل الوحدات الأمنية والعسكرية التابعة للإصلاح في عتق، مما اضطرها للانسحاب إلى خارج مدينة عتق.

ماذا بعد سيطرة الإمارات على شبوة

 على الرغم من أن القوات الإماراتية تسيطر منذ ما قبل المواجهات على مواقع حيوية في شبوة، سواءً منشأة بلحاف الغازية، والموانئ، إضافة إلى آبار وحقول النفط والغاز، إلا أنها لم تحكم سيطرتها بشكل مطلق إلا بعد المواجهات الأخيرة، ويمثّل إخراج قوات الإصلاح من شبوة، انتصاراً لأبوظبي، تمكنت من خلاله إبعاد شبح الإخوان من المحافظة، ويسهل عليها ابتلاع محافظة شبوة، التي تعد من أكبر من المحافظات اليمنية، والغنية بالثروة النفطية والغازية، وتتمتع بموقع وموانئ مطلة على البحر العربي، فضلاً عن ارتباطها جغرافيا بمحافظتي حضرموت ومأرب الغنيتين بالنفط والغاز، إضافة إلى ارتباطها بمحافظتي أبين والبيضاء.

ويسهّل السيطرة على محافظة شبوة، للإمارات التوغل شرقاً صوب حضرموت والمهرة، وتلك المحافظتين، آخر معاقل قوات الإصلاح في المحافظات الجنوبية، غير أن التمدد الإماراتي شرقاً سيواجه حرباً مختلفة، وذلك لأن ثقل حزب الإصلاح العسكري يتكدّس في المنطقة العسكرية الأولى، بسيئون بمحافظة حضرموت، إضافة إلى البيئة القبلية الرافضة في محافظة المهرة، مسنودة بقوة عسكرية مدعومة بشكل مباشر من سلطنة عمان، التي ترى في هذه القوات بمثابة السياج المدافع عن حدودها ضد تقدم القوات المدعومة من الرياض وأبوظبي.

وعلى الرغم من أن مواجهات شبوة فتحت الأبواب مشرعة لحرب مقبلة في حضرموت والمهرة، إلا أنها في نفس الوقت دقّت ناقوس الخطر بالنسبة لحزب الإصلاح، ولمواجهة مصيره الأخير، يحاول الحشد سياسيا وعسكرياً لصدّ المعركة الأخيرة، غير أن الظروف المحلية والإقليمية قد لا تساعد الإصلاح على الانتصار في هذه المعركة.

محلياً تبدو الثلاثة الأطراف الرئيسية في البلاد، على خصومة مع حزب الإصلاح، وهذه الأطراف هي: حركة أنصار الله، المجلس الانتقالي، قوات طارق صالح، (المؤتمر)، وفي الوقت الذي تمكنت فيه حركة أنصار الله، إضعاف ومحاصرة الإصلاح، في الجوف ومأرب، فإن قوات طارق، تعيد تموضع قواتها في محافظة تعز، بمحاذاة قوات الإصلاح، وذلك قبيل المواجهة المتوقعة بين الطرفين، برغم أن المحافظة يتقاسم السيطرة عليها، الحركة، وحزب الإصلاح، إلا أن عين قوات طارق، على المناطق التي يسيطر عليها حزب الإصلاح، إما جنوباً فإن الانتقالي ومنذ ما قبل معارك شبوة، يحضّر لمعركة سيئون، في مواجهة المنطقة العسكرية الأولى، التابعة لحزب الإصلاح.

هكذا تبدو الظروف المحلية، يخوض الإصلاح المواجهة منفرداً مع جميع الأطراف الرئيسية المؤثرة في الساحة اليمنية، بالتزامن مع ظروف إقليمية تمضي رياحها عكس ما تشتهي سفن الإصلاح، خصوصاً وقطر وتركيا، بالإضافة إلى سلطنة عمان، ليس من الوارد حالياً مساندة الإصلاح في معركته الأخيرة، وذلك بعد التقارب بين هذه الدول من جهة، وبين السعودية والإمارات من جهة أخرى، وإن كان هناك من إمكانية للتدخّل القطري، على غرار الدعم الذي قدمته الدوحة بعد أزمة الحصار، للقوات الميدانية التابعة للإصلاح في تعز ومأرب وشبوة، إلا أن ظروف الدوحة الراهنة المتعلقة باستضافة كأس العالم، لا يؤهلها للدخول في أزمة جديدة مع السعودية والإمارات، وإن كان للدوحة نية للتدخل فسيكون بعد انتهاء كأس العالم، عندها الأوضاع ربما تكون  قد حسمت عسكرياً ضد الإصلاح.


الكاتب: أحمد الحسني