الجمعة 02 كانون الثاني , 2026 03:00

"إسرائيل" والقلق الوجودي: لماذا تحتاج إلى تفكيك محيطها الإسلامي؟

نتنياهو وأرض الصومال

لا يمكن قراءة اعتراف "إسرائيل" بإقليم أرض الصومال بوصفه خطوة سياسية معزولة أو مجرّد مغامرة دبلوماسية على هامش النظام الدولي، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أعمق يتعلق ببنية القلق الوجودي الذي يحكم السلوك "الإسرائيلي" منذ نشأته. فـ"الدولة العبرية"، على الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، تعيش حالة دائمة من عدم الاطمئنان الجيوسياسي، نابعة من موقعها داخل فضاء إسلامي واسع، ديمغرافيًا وجغرافيًا، لا تزال ترى فيه تهديدًا كامِنًا لاستمرارها على المدى البعيد.

من هذا المنظور، لا تُفهم السياسات "الإسرائيلية" بوصفها تعبيرًا عن قوة واثقة، بل كاستجابة كيان صغير نسبيًا، محدود العمق الاستراتيجي، يحاول تعويض هشاشته البنيوية عبر إضعاف محيطه، لا عبر الاندماج فيه. وهنا تتقاطع الحالة "الإسرائيلية" مع أنماط تاريخية عرفتها قوى أخرى شعرت بعدم التوازن بين قدراتها العسكرية ومحيطها الحضاري، فاختارت تفكيك البيئة المحيطة بدل التكيّف معها.

الجغرافيا كهاجس دائم

"إسرائيل" كيان محاط بدول إسلامية تشكّل، مجتمعة، كتلة بشرية تفوقها بعشرات المرات، وتمتد جغرافيًا من المحيط الأطلسي إلى جنوب شرق آسيا. هذا الواقع، في حد ذاته، يولّد شعورًا دائمًا بالحصار، لا يخفف منه التفوق العسكري ولا التحالف مع الولايات المتحدة. فالتاريخ يُظهر أن التفوق التقني لا يضمن وحده الاستقرار طويل الأمد إذا لم يترافق مع قبول إقليمي أو توازن ديمغرافي.

في هذا الإطار، يصبح تفكيك الدول المحيطة خيارًا استراتيجيًا منطقيًا من وجهة النظر "الإسرائيلية". فالدول الكبيرة والمتماسكة تشكّل تهديدًا محتملاً، حتى وإن كانت ضعيفة مؤقتًا، بينما الكيانات الصغيرة والمنقسمة أقل قدرة على بلورة سياسات مستقلة أو خوض صراعات طويلة النفس.

من فلسطين إلى القرن الأفريقي

الاعتراف بإقليم أرض الصومال لا يمكن فصله عن هذا المنطق. فالإقليم، غير المعترف به دوليًا، يقع في منطقة بالغة الحساسية من العالم، عند بوابة باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ومن خلال هذا الاعتراف، لا تسعى "إسرائيل" فقط إلى موطئ قدم عسكري أو أمني جديد، بل إلى إدخال عنصر تفكك إضافي في الجغرافيا الإسلامية، وتحديدًا في القرن الأفريقي، الذي يشكّل الامتداد الجنوبي للأمن العربي.

إن دعم الكيانات الانفصالية ليس سلوكًا طارئًا في السياسة "الإسرائيلية". فقد سبق لـ"إسرائيل" أن دعمت انفصال جنوب السودان، وساندت بقوة مسار استقلال كردستان العراق، ورحبت بانفصال تيمور الشرقية، والجماعات الدرزية في سوريا. هذه الحالات لا يجمعها رابط جغرافي واحد، لكنها تلتقي عند هدف تفكيك دول إسلامية كبيرة أو مرشحة لأن تكون مؤثرة إقليميًا.

التفكك كبديل عن الأمن

من منظور بنيوي، لا تسعى "إسرائيل" إلى "الأمن" بالمعنى الكلاسيكي، أي إقامة توازنات مستقرة مع محيطها، بل إلى إدارة دائمة لحالة عدم الاستقرار. فالدول المفككة والمنهكة بالصراعات الداخلية لا تملك فائض القوة أو الإرادة السياسية لمواجهة "إسرائيل"، ولا تشكّل بيئة حاضنة لمشاريع إقليمية مناوئة لها.

وهنا يظهر التناقض الجوهري في الخطاب "الإسرائيلي": ففي الوقت الذي ترفض فيه الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، بذريعة الحفاظ على "أمن الدولة"، تسارع إلى دعم حق تقرير المصير عندما يؤدي إلى تفكيك دول إسلامية أخرى. هذا التناقض ليس أخلاقيًا بقدر ما هو وظيفي، تحكمه معادلة واحدة: ما يُضعف المحيط يُعتبر مشروعًا، وما يقوّيه يُعدّ تهديدًا.

العامل الديمغرافي: الخوف الصامت

إن الديموغرافيا غالبًا ما تكون العامل الأكثر تجاهلًا في التحليل السياسي، رغم كونها الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل. و"إسرائيل"، التي تدرك هشاشتها الديمغرافية مقارنة بمحيطها، ترى في تفكيك الدول الإسلامية وسيلة غير مباشرة لإدارة هذا الخلل. فالدول الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية تمثّل، في المخيال الاستراتيجي "الإسرائيلي"، خطرًا مؤجلًا، حتى وإن كانت غارقة في أزماتها اليوم.

القرن الأفريقي: حلقة ضعيفة في النظام الإقليمي

اختيار أرض الصومال ليس صدفة. فالقرن الأفريقي منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى، وتعيش دوله حالات هشاشة بنيوية: حروب أهلية، أزمات اقتصادية، وصراعات على السلطة. في مثل هذا السياق، يصبح إدخال لاعب خارجي كـ”إسرائيل” عامل تفجير إضافي، لا عنصر استقرار.

كما أن الاقتراب من باب المندب يمنح "إسرائيل" قدرة غير مباشرة على التأثير في أمن البحر الأحمر وقناة السويس، أي في أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد اليمني والمصري والعربي. ومن هنا، لا يبدو الاعتراف بأرض الصومال مجرد خطوة رمزية، بل جزءًا من إعادة رسم خرائط النفوذ في مرحلة ما بعد غزة.

القلق الوجودي بدل الثقة الاستراتيجية

في المحصلة، تكشف هذه السياسة "الإسرائيلية" عن دولة غير مطمئنة إلى مستقبلها في محيطها الطبيعي، فتختار الهروب إلى الأمام عبر تفكيك هذا المحيط. إنها استراتيجية نابعة من القلق أكثر مما هي تعبير عن قوة واثقة. فالدول الواثقة من استقرارها تسعى إلى بناء أنظمة إقليمية متوازنة، لا إلى تعميم الفوضى.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام العالم الإسلامي: هل يستمر في التعامل مع هذه السياسات كحوادث منفصلة، أم يبدأ بقراءتها كجزء من مسار بنيوي طويل الأمد يستهدف الجغرافيا، والديموغرافيا، والقدرة على النهوض؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بـ"إسرائيل" وحدها، بل بمستقبل المنطقة ككل.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور