لم تُبنَ "إسرائيل" يومًا بوصفها دولة "طبيعية" في النظام الدولي، بل جرى تصميمها تاريخيًا كأداة وظيفية داخل بنية الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط. منذ تأسيسها، أُنيط بها دور محدد: ضمان تفوق المصالح الأميركية-الأوروبية في منطقة غنية بالموارد، حساسة جيوسياسيًا، وقابلة للاشتعال الدائم. غير أنّ ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو إخفاق عسكري محدود، بل تحوّل بنيوي عميق: "إسرائيل" لم تعد أداة استقرار في الحسابات الغربية، بل باتت عبئًا، ومصدر اضطراب وفوضى يصعب احتواؤه.
وهم القوة: حين تُخفي الهيمنة هشاشتها الداخلية
تبدو "إسرائيل"، من الخارج، كقوة لا تزال قادرة على شنّ الحروب على جبهات متعددة، وضرب خصومها دون اكتراث بالكلفة الإنسانية أو السياسية. هذا المظهر، الذي يُقدَّم إعلاميًا كدليل على "الردع" و"التفوق"، يخفي في الواقع أزمة داخلية عميقة. فالدول الوظيفية، وفق منطق الإمبراطوريات، لا تُقاس قوتها بقدرتها على التدمير، بل بقدرتها على إنتاج الاستقرار لصالح من يرعاها. وعندما تفشل في ذلك، تتحول من أصلٍ استراتيجي إلى عبء.
"إسرائيل" اليوم تخوض حروبًا بلا أفق، وتستخدم القوة بلا قدرة على تحويلها إلى إنجاز سياسي. لم تنجح في القضاء على حركة حماس، ولم تستعد أسراها، ولم تفرض شروطها على الإقليم. ما نجحت فيه فقط هو تعميم الفوضى، وتفكيك ما تبقى من توازنات هشّة كانت تخدم الغرب نفسه.
الغرب وسحب الأدوات: إدارة الانكفاء بدل المواجهة
من غير الواقعي توقّع أن يعترف القادة الغربيون علنًا بأن "إسرائيل" أصبحت عامل عدم استقرار. الاعتراف كهذا يعني الإقرار بفشل عقود من السياسات الإمبريالية. لذلك، تُفضَّل استراتيجية أكثر "نعومة": سحب الأدوات تدريجيًا، تقليص الغطاء، تخفيض الحماسة، وترك "إسرائيل" تتآكل داخل الواقع الذي صنعته بنفسها.
هذا ما يفسّر التحولات الصامتة في الموقف الأميركي-الأوروبي. فالدعم غير المشروط يتراجع، والخطاب الأخلاقي يتلاشى، والصمت يحلّ محل التبرير. حتى الشخصيات التي مثّلت أقصى أشكال الانحياز لـ"إسرائيل"، مثل دونالد ترامب، باتت أقل اندفاعًا في الدفاع عنها، لا بدافع أخلاقي، بل لأن كلفتها السياسية باتت أعلى من فوائدها.
الغرب لا يواجه "إسرائيل"، لكنه لم يعد مستعدًا لحمايتها من نتائج أفعالها. وهذا في منطق الهيمنة شكل من أشكال العقاب.
غزة كنقطة انكشاف: سقوط السردية الأخلاقية
شكّلت حرب الإبادة على غزة لحظة انكشاف تاريخية. لم تعد "إسرائيل" قادرة على تسويق نفسها كـ"ديمقراطية تحارب الإرهاب"، ولا كـ"جيش أخلاقي". الكمّ الهائل من الأدلة على التدمير الممنهج، واستهداف المدنيين، والبنية التحتية، ونزع الإنسانية عن شعب كامل، دمّر السردية التي احتاجها الغرب لتبرير دعمه.
وحين تنهار السردية، تنهار الوظيفة. فالدولة الوظيفية تعيش على خطابها بقدر ما تعيش على سلاحها. وما نشهده اليوم هو تصدّع هذا الخطاب في الجامعات، ووسائل الإعلام، والرأي العام الغربي، لا سيما بين الأجيال الشابة. هذه ليست مسألة تعاطف أخلاقي، بل تحوّل ثقافي-سياسي طويل الأمد، ستكون له نتائج استراتيجية.
من التوسع إلى المطاردة: تقلّص الدور العسكري
رغم ادعاءاتها العلنية، تحتاج "إسرائيل" إلى موافقة وتنسيق دولي لتعمل عسكريًا خارج حدودها. ومع تراجع هذا الغطاء، تتقلص عملياتها. لم تعد قوة توسع استراتيجي، بل قوة مطاردة تكتيكية: اغتيالات هنا، ضربات محدودة هناك، بلا قدرة على تغيير قواعد اللعبة.
هذا التقلّص ليس خيارًا، بل نتيجة مباشرة لتحوّل موقعها في النظام الإقليمي. "إسرائيل" لم تعد اللاعب الذي يُعاد ترتيب المنطقة حوله، بل طرفًا يُطلب منه التكيّف مع ترتيبات تُصاغ من دونه.
الانهيار الداخلي: "الدولة" كقشرة جوفاء
الأخطر من التراجع الخارجي هو التفكك الداخلي. فالمجتمعات التي تُبنى على التعبئة الدائمة والعسكرة المستمرة تدفع ثمنًا اجتماعيًا مؤجلًا. في "إسرائيل"، يظهر هذا الثمن اليوم بوضوح: انهيار منظومة الصحة النفسية، تفكك التعليم، استقالات جماعية في مؤسسات الدولة، نقص في القضاة، شلل في النظام القضائي، وتآكل الإدارة العامة.
ما تسمي "الدولة" تتحول تدريجيًا إلى قشرة: مؤسسات بلا كفاءات، وظائف تُملأ بالولاء السياسي لا بالخبرة، وصراعات داخلية حول "هوية إسرائيل" تحلّ محل أي نقاش عقلاني حول موقعها في العالم. هذا نمط كلاسيكي لانهيار الدول التي تعيش أطول من صلاحيتها الوظيفية.
أزمة الأخلاق الزائفة: حين ينفصل الخطاب عن الواقع
الفضائح التي تطال "الجيش"، ولا سيما سلاح الجو، ليست أحداثًا هامشية. إنها تعبير عن انفصام عميق: المؤسسة المسؤولة عن تدمير مدن كاملة تتحدث عن "القيم" و"الأخلاقيات"، بينما تُجرَّم سلوكيات ثانوية كذريعة لإعادة إنتاج وهم الانضباط الأخلاقي. هذا ليس أخلاقًا، بل مسرح سياسي.
حين يُستبدل النقاش حول الجرائم البنيوية بالانشغال بالتفاصيل السلوكية، فهذا مؤشر على نظام لم يعد قادرًا على مواجهة حقيقته.
في النهاية؛ "إسرائيل" لا تنهار لأنها ضعيفة عسكريًا، بل لأنها فقدت وظيفتها في النظام الذي أنشأها. لم تعد أداة استقرار، ولا نموذجًا يُحتذى، ولا عبئًا يمكن تبريره أخلاقيًا. إنه كيان يعيش على فائض العنف في عالم بدأ، ببطء ولكن بثبات، يتخلّى عن سرديات القرن الماضي.
والأخطر، من منظور تاريخي، أن الدول التي تفقد وظيفتها الإمبريالية لا تُنقَذ عادةً. تُترك لتواجه تناقضاتها الداخلية، إلى أن يتآكل بنيانها من الداخل. بهدوء. وبثبات.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]