السبت 27 كانون الاول , 2025 11:24

العدوان الإسرائيلي–الإماراتي في اليمن قد ينقلب بنتائج كارثية

الإمارات هي المحرّك الرئيسي للأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة

يرى هذا المقال الذي نشره موقع " PalestineChronicle" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن أمريكا والكيان المؤقت تواجهان مأزقاً استراتيجياً في اليمن لا تملكان حياله حلاً حقيقياً، سوى السعي إلى إبقاء البلاد في حالة حرب دائمة. وأنه على الرغم من التزام القوات المسلحة اليمنية بوقف هجماتها ضد "إسرائيل" انسجاماً مع هدنة غزة، تواصل تل أبيب التأكيد أن المواجهة مع صنعاء لم تنتهِ. وبالتوازي، يتحرك "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم إماراتياً للاستيلاء على مناطق واسعة في الجنوب، ملوّحاً بإعلان الانفصال، بما يعمّق الصراع الإقليمي ويكشف التنافس الحاد بين أبو ظبي والرياض.

ويشير المقال إلى أن الهدف الإسرائيلي الأساسي يتمثل في دفع الإمارات لاستخدام المجلس الانتقالي للسيطرة على ميناء الحديدة، بما يضمن الهيمنة على البحر الأحمر ويحدّ من قدرة اليمن على فرض حصار بحري. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر كبيرة بحسب معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى التابع للوبي الصهيوني في أمريكا، إذ قد يؤدي صدام إماراتي–سعودي إلى إضعاف الجبهة المناهضة لـ"أنصار الله" وفتح الباب أمام توسّع نفوذهم، خصوصاً في المناطق الغنية بالنفط. ويخلص إلى أن انتصار صنعاء وتوحيد اليمن سيُعدّ كارثة لواشنطن وتل أبيب، لأنه سيعزز محوراً معادياً لـ"إسرائيل"، ما يدفعهما إلى تفضيل استمرار الحرب والمعاناة على القبول بواقع جديد.

النص المترجم:
على الرغم من أن القوات المسلحة اليمنية أوقفت هجماتها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد "إسرائيل"، التزاماً بوقف إطلاق النار في غزة، يواصل مسؤولون في تل أبيب التأكيد على أن جبهتهم ضد صنعاء لم تُغلق بعد.

في المقابل، كان "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم من دولة الإمارات منشغلاً بالاستيلاء على أراضٍ كانت تحت سيطرة قوات مدعومة من السعودية، مع إطلاق إشارات واضحة إلى نيته إعلان استقلال جنوبي اليمن. وهذه التطورات، البعيدة عن كونها مجرد صراعات داخلية بين جماعات مسلحة، تحمل تداعيات إقليمية كبيرة.

في الثالث من كانون الأول / ديسمبر، سيطر المجلس الانتقالي على محافظة حضرموت من قوات موالية للسعودية، أعقب ذلك الاستيلاء على محافظة المهرة. ولم يكتفِ الانفصاليون المدعومون من الإمارات بذلك، بل ذهب عدد من مسؤوليهم إلى إعلان نيتهم الانفصال وإقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن.

ولفهم السياق، كانت الأذرع المحلية لكل من الإمارات والسعودية في اليمن تشغّل هيئة حكم مشتركة انطلاقاً من مدينة عدن الساحلية في الجنوب. ولسنوات، حاول التحالف الذي تقوده السعودية تثبيت الرئيس اليمني المخلوع عبد ربه منصور هادي في السلطة، بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا و"إسرائيل". وبناءً على ذلك، جرى توصيف هادي بوصفه "الرئيس المعترف به دولياً"، في حين أنه في الواقع لم يكن يمتلك أي سلطة فعلية.

وعلى الرغم من الحقيقة الواضحة بأن حركة "أنصار الله" أقامت وتدير حكومة في عاصمة البلاد، وتحظى بدعم شعبي واسع، واصلت الأمم المتحدة مجاراة المطالب الغربية بالاعتراف بنظام الوكلاء التابع للسعودية. وفي عام 2022، أنشأت الرياض ما يُعرف بـ"مجلس القيادة الرئاسي"، الذي مُنح صلاحيات الرئاسة ويُقدَّم بوصفه "الحكومة المعترف بها دولياً".

ويترأس هذا المجلس رشاد العليمي، وهو شخصية غير منتخبة وعضو ضمن هيئة مكوّنة من 8 أشخاص. واعتباراً من أيار / مايو 2023، مُنحت 3 مقاعد من أصل 8 في المجلس لمسؤولين ينتمون إلى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، وهو المجلس الذي قام لاحقاً بطرد المسؤولين المدعومين من السعودية من عدن.

وقد شكّلت المكاسب الإقليمية الأخيرة للمجلس الانتقالي تهديداً أمنياً مباشراً لكل من السعودية وسلطنة عُمان، وعمّقت الخلاف القائم بين أبو ظبي والرياض. ومن جهتها، يبدو أن الإمارات كانت تدرس، في مرحلة ما، شن حملة عسكرية ضد "أنصار الله"، في إطار تنسيقها مع "الإسرائيليين".

التطورات الأخيرة في اليمن أثارت قلقاً لدى محللين صهاينة في واشنطن، إذ يرون أن أي صراع إماراتي–سعودي على الساحة اليمنية بين وكلائهما سيضرّ بالجهود المبذولة لمواجهة "أنصار الله" في صنعاء. ووفق هذا المنطق، نشر "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" (WINEP) مؤخراً دراسة تحليلية دعا فيها إلى تجنب صراع من هذا النوع، وحثّ الطرفين على توحيد جهودهما ضد "أنصار الله".

من الواضح أن الهدف الأساسي لـ"الإسرائيليين" هو دفع حلفائهم الإماراتيين إلى استخدام المجلس الانتقالي للسيطرة على مدينة الحديدة الساحلية، بما يضمن الهيمنة على البحر الأحمر. وتكمن أهمية ذلك بالنسبة إلى تل أبيب في إضعاف القوات المسلحة اليمنية ومنعها من فرض حصار فعّال على السفن الإسرائيلية. بل إن "إسرائيل" دفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى شن حرب على اليمن لأكثر من شهر في محاولة لكسر الحصار في البحر الأحمر، لكنها انتهت بفشل ذريع.

وحذّر "معهد واشنطن" من أن أي صراع بين الوكلاء السعوديين والإماراتيين قد يفتح الباب أمام قوات "أنصار الله" للسيطرة على محافظة مأرب الغنية بالنفط، وهو سيناريو كارثي بالنسبة إلى "الإسرائيليين" والأميركيين. ومع ذلك، لا يبدو حتى الآن أن أي تفاهمات إماراتية–سعودية قد تبلورت لإيجاد حل للتنافس بينهما في اليمن.

بدلاً من ذلك، جاء الاتفاق الأبرز الذي أُبرم مؤخراً بين حكومة صنعاء والسعودية، وتمثل في أكبر صفقة تبادل أسرى منذ بداية الحرب، حيث جرى الاتفاق على إطلاق سراح 1700 معتقل من "أنصار الله" مقابل 1200 أسير من الطرف المعارض.

ومن المهم توضيح أن حكومة "أنصار الله" غالباً ما تُوصَف في الإعلام الغربي بـ"الحوثيين"، في حين يُطلَق على المعارضة المدعومة من السعودية اسم "الحكومة اليمنية". وقد يسبب هذا التوصيف التباساً، لكنه في جوهره خطاب دعائي يُستخدم لتشكيل صورة الصراع بما يعكس الانحياز الغربي، لا الواقع الموضوعي على الأرض.

قد يجادل البعض بأن المعارضة المدعومة من السعودية هي "الحكومة المعترف بها دولياً" وفق الأمم المتحدة، وهذا صحيح شكلياً، لكنه لا يعكس حقيقة موازين القوى. فلا توجد دول كبرى أو حتى دول صغيرة كافية مستعدة للاعتراف بحكومة صنعاء، ما أتاح للغرب وحلفائه العرب منع أي انعكاس للواقع الفعلي داخل الأمم المتحدة أو في الإعلام الدولي.

في هذه المرحلة، يبدو أن المجلس الانتقالي الجنوبي يسيطر على غالبية المناطق الخاضعة للمعارضة في اليمن، ما يُضعف الدور السعودي بشكل كبير. غير أن المجلس الانتقالي لا يمتلك قاعدة شعبية تؤهله لإقامة دولة جنوبية مستقرة أو مستدامة. فقد واجه احتجاجات متكررة ضد حكمه، نتيجة فشله في توفير أبسط الخدمات للسكان. كما أن الفساد الفاضح، إلى جانب الأنشطة الإجرامية وغياب الكفاءة الإدارية، تركت السكان في أوضاع بالغة السوء. وحتى في محافظتي حضرموت والمهرة، توجد معارضة واسعة قد تفضي إلى إسقاطه بسرعة.

وفي هذا السياق، إذا قرر المجلس الانتقالي شن هجمات ضد القوات المسلحة اليمنية التابعة لـ"أنصار الله"، فإن استراتيجية هزيمة القوات الوكيلة للإمارات تبدو بسيطة نسبياً. فإضافة إلى إمكانية إلحاق هزيمة ميدانية بتلك الجماعات المسلحة، يكفي توجيه ضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة نحو المقر الحقيقي للمجلس الانتقالي: دبي. وإذا ما أغرقت الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة دبي وأبو ظبي، فإن المخطط الإماراتي سينهار سريعاً.

أما السعودية، فهي دولة أكبر وأكثر قدرة على تحمّل الضغوط مقارنة بالإمارات الأصغر حجماً، ما يجعل الرياض خصماً أكثر صلابة من أبو ظبي. وإذا أصبحت قوات المجلس الانتقالي الوكيلَ الرئيسي للمعارضة، ولم تعد السعودية قادرة على الحفاظ على موطئ قدم فعلي في اليمن، فإن طريق إعادة توحيد اليمن سيغدو أكثر بساطة.

إن الحرب بين "أنصار الله" والمجلس الانتقالي لها حل واضح: إغراق الإمارات بالصواريخ والطائرات المسيّرة لفترة ممتدة، ما سيجبرها على الانسحاب من اليمن. وعندها، لن يكون أمام الرياض خيار سوى التوصل إلى اتفاق أشمل مع صنعاء، بما يؤدي عملياً إلى إنهاء الحرب بالكامل.

في نظر "إسرائيل" والولايات المتحدة، يُعد هذا السيناريو كارثياً. فإذا ما سيطرت "أنصار الله"، حتى في إطار صيغة تقاسم سلطة، على كامل اليمن وأصبحت قيادته المعترف بها رسمياً، فإن ذلك سيعزز قوتها بشكل كبير ويجعلها تهديداً أكبر لـ"إسرائيل". ومن منظور تل أبيب، سيكون هذا بمثابة "إيران 2.0" في العالم العربي: حكومة إسلامية معادية علناً لـ"إسرائيل" وداعمة بقوة للمقاومة الفلسطينية.

ومهما اختلفت طرق التحليل، تبقى الحقيقة واحدة: الولايات المتحدة و"إسرائيل" لا تملكان حلاً لمأزقهما في اليمن. والخيار الوحيد أمامهما هو محاولة إبقاء البلاد في حرب دائمة، وتشديد العقوبات، وضمان معاناة هائلة للسكان المدنيين، فقط لتأجيل الصعود الحتمي لدولة يمنية تقودها "أنصار الله"، تمتلك ترسانة عسكرية آخذة في التطور المستمر.


المصدر: Palestine Chronicle

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور