الأربعاء 24 كانون الاول , 2025 11:31

كيف تعيد واشنطن ترتيب أولوياتها في سوريا بعد هجمات داعش الأخيرة؟

أعاد مقتل جنود أميركيين في سوريا فتح النقاش داخل الولايات المتحدة حول جدوى استمرار الوجود العسكري الأميركي، وحدود الرد على هجمات تنظيم داعش الارهابي، في لحظة تبدو فيها السياسة الأميركية تجاه سوريا أقل اندفاعاً وأكثر براغماتية مما كانت عليه في مراحل سابقة. فرغم الخطاب الحاد الذي تبناه الرئيس دونالد ترامب عقب الحادثة، إلا أن القراءة الأعمق للمسار الأميركي تشير إلى أن سوريا لم تعد تُصنّف بوصفها تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي يستدعي تدخلاً واسعاً أو مشروعاً سياسياً تقوده الولايات المتحدة بنفسها.

هذا التحول لا يعني أن واشنطن ترى أن الواقع السوري قد تحسّن جذرياً، بل يعكس إعادة تصنيف للمخاطر. فوفق مقاربة باتت واضحة في وثائق واستراتيجيات الأمن القومي عام 2025، تُدرج سوريا اليوم في خانة "المشكلات المحتملة" التي ينبغي احتواؤها، لا حلّها، ووضعها في مرتبة أدنى من الاستعجال مقارنة بملفات أكثر إلحاحاً على الأجندة الأميركية، من المنافسة مع الصين، إلى الحرب في أوكرانيا، والاستقطاب الداخلي الأميركي.

في هذا السياق، يصبح الهدف الأميركي الأساسي هو منع الانفجار لا إنتاج الحل. فالاستقرار، من منظور واشنطن، لا يُفهم على أنه تسوية سياسية شاملة أو إعادة بناء للدولة السورية وفق نموذج جديد، بل كحد أدنى من التوازن يسمح بتجميد الصراع، وضبط تداعياته الإقليمية، ومنع تحوّله إلى مصدر تهديد مباشر للمصالح الأميركية أو لحلفائها.

يعكس هذا النهج البراغماتي توجهاً أوسع في السياسة الأميركية يقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر، وتفويض الأدوار إلى الشركاء الإقليميين، مع الاحتفاظ بدور "الضابط العام للإيقاع". فواشنطن لا تسعى إلى إعادة تعريف سوريا سياسياً، بل إلى جعلها "قابلة للتعامل"، ضمن فلسفة "نقل الأعباء" التي باتت تشكّل جوهر الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.

ضمن هذا الإطار، يحتفظ الجيش الأميركي بنحو ألف جندي في سوريا، موزعين بين شمال شرق البلاد وقاعدة التنف، في مهمة محددة تتمثل في منع عودة تنظيم داعش، بحسب زعم البيت الأبيض. وقد تقلّص هذا العدد بالفعل خلال الأشهر الماضية، ما يعكس تردداً أميركياً واضحاً بين خيار البقاء المحدود وخيار الانسحاب الكامل.

يرى عدد من المحللين أن الرد الأميركي على الهجمات الأخيرة سيكون محصوراً في غارات جوية دقيقة أو ضربات بطائرات مسيّرة تستهدف ما تصفه واشنطن ببقايا شبكات داعش، دون الانزلاق إلى عمليات برية واسعة أو تصعيد يعرّض مزيداً من الجنود للخطر. هذا النمط من الرد ينسجم مع تجربة العامين الماضيين، حيث فضّلت الولايات المتحدة توجيه ضربات "منخفضة الكلفة السياسية" بدل إعادة فتح جبهة عسكرية كاملة.

في المقابل، تعزز الحادثة أصواتاً داخل الدائرة القريبة من ترامب كانت تدعو منذ سنوات إلى الانسحاب من سوريا، معتبرة أن بقاء قوات أميركية في انتشار غير محدد الأجل يثبت أنه ليس بلا كلفة، وأن استمرار ما يُعرف بـ"الهجمات من الداخل" قد يكرر سيناريو أفغانستان، حيث تحولت هذه العمليات إلى نقطة تحوّل عجّلت بالانسحاب.

يتقاطع هذا النقاش الأميركي مع تباين واضح في المقاربات الإسرائيلية لطبيعة التهديد في سوريا. فبينما ترى دوائر بحثية وأمنية في كيان الاحتلال أن التمييز الأميركي بين داعش وفصائل جهادية أخرى، مثل هيئة تحرير الشام، يعكس وهماً سياسياً ويعيد إنتاج التطرف بأشكال مختلفة، تميل مقاربات أميركية أخرى إلى قراءة أكثر تفكيكاً للمشهد الجهادي، تقوم على إبراز الانقسامات العميقة داخل هذا التيار، والرهان على احتواء بعض الفاعلين المحليين بدل دفعهم إلى موقع العداء المفتوح.

هذا الخلاف لا يدور حول توصيف داعش وحده، بل حول سؤال آخر أكثر شمولية. حول ما اذا كانت سوريا تُدار بوصفها ساحة صراع أيديولوجي طويل الأمد، أم ملف أمني ينبغي إبقاؤه تحت السيطرة بأقل قدر من الموارد والالتزامات؟

تكشف الهجمات الأخيرة في سوريا حدود الاستراتيجية الأميركية الراهنة. حيث لا رغبة في التصعيد، ولا استعداد للانسحاب السريع. وبين هذين الخيارين، تسعى واشنطن إلى إدارة الصراع لا حسمه، وإلى منع الأسوأ بدل السعي إلى الأفضل. في عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، لم تعد سوريا أولوية أميركية، لكنها أيضاً ليست ملفاً يمكن تركه بلا رقابة. هذه المعادلة الهشة هي ما سيحكم سلوك الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، إلى أن تفرض تطورات أكبر إعادة فتح الملف من جديد.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور