السبت 20 كانون الاول , 2025 12:29

الربيع العربي: جلب ثقافة النحر

مشاهد من ثورات "الربيع العربي"

عندما اندلعت موجة الثورات التي عُرفت بالربيع العربي، حملت معها أحلام الشعوب في التغيير والعدالة الاجتماعية والسياسية. كان من الطبيعي أن يطمح المواطن العربي، بعد عقود من الاستبداد والفقر والظلم، إلى حياة كريمة ونظام يحترم إرادته. لكن ما حصل كان بعكس هذه التطلعات، إذ تحولت هذه الثورات إلى كارثة اجتماعية وسياسية، تغذت على ثقافة العنف والتطرف.

لا يمكن النظر إلى ما حدث في الربيع العربي بمعزل عن الدعم والأجندات الخارجية الذي لعب دورًا جوهريًا في مسار هذه الثورات. فقد استغلت الدول الكبيرة وجع الشعوب ومعاناتها من الظلم والفقر كأداة لتحقيق مآربها، ليس من أجل تحسين حياة المواطنين، بل لتعزيز نفوذهم في المنطقة وتحقيق أهداف استراتيجية وسياسية بعيدة المدى. تم تمويل وتسليح مجموعات بأعداد خيالية، وتوجيه بعض الحركات السياسية في اتجاهات محددة، مما أدى إلى خروج الأمور عن سياقها الطبيعي، وتحويل الانتفاضات الشعبية إلى أدوات لتفتيت الدول وإضعاف مجتمعاتها.

بالطبع، لم يكن هناك من ينكر حق الشعوب في التغيير ورفع الظلم عنها، لكن الطريقة التي سارت بها الأمور كانت فوضوية وخطيرة. ما بدأ كحركة شعبية سلمية ضد الاستبداد الحكومي، سرعان ما تحوّل إلى فوضى مسلحة، سادت فيها الدوغمائية والعنف بلا هوادة. لتكون نتائج هذه الثورات أشد قسوة من ظلم الحكام أنفسهم، إذ شهدت بعض الدول انهيار مؤسساتها الأمنية والسياسية، وانتشار الفوضى الاقتصادية والاجتماعية والقتل والذبح.

انتشار الفكر المتطرف وتنظيمات الإرهاب

من أخطر نتائج الربيع العربي ظهور الفكر المتطرف الذي كان متخفياً بشكل مكثف وانتشاره كالنار في الهشيم. فقد تبلورت التنظيمات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة في هذا المناخ المليء بالفراغ السياسي والضعف الأمني. وتشكلت ركائز هذه الجماعات من السجون التي حررها المشاركون في الثورات، حيث أُطلق سراح عناصر يحملون أفكارًا متطرفة وعقدًا عنيفة دفينة. كما انضم إلى هذه التنظيمات عناصر أرسلوا من أوروبا والغرب، عُرفوا بقسوتهم ووحشيتهم، وتسببوا في مصائب أكبر من تلك التي عانى منها المواطنون تحت الحكام السابقين. عمليات النهب والقتل والاغتصاب والاستعباد المروع للنساء جعلت من الوضع أشبه بالعودة إلى الجاهلية، بعيدًا عن أي شعارات للتحرر أو العدالة.

أصل أي ثورة هو السعي إلى تحسين أوضاع المجتمع، ليس الرجوع إلى الوراء أو الانغماس في العنف بلا هدف. لكن في كثير من الدول التي شهدت الربيع العربي، غطت الفوضى والتطرف على أي محاولة للتقدم. أصبحت شعوب هذه الدول تحت رحمة إرهابيين بلا مبدأ ولا ضمير، كانوا مجرد أدوات في يد من لهم أطماع ومآرب خارجية، مستفيدين من هشاشة الدولة وانشغال المواطن في البقاء على قيد الحياة.

يمكن القول إن الربيع العربي كشف حجم المأساة وكذللك حجم الهشاشة في الدول العربية التي استغلتها التدخلات الخارجية، وأظهر ببرودة مدى سهولة استغلال المظالم الشعبية من قبل القوى العالمية. هذه الثورات، التي كان من المفترض أن تحمل شعوبها نحو الحرية والتطور، أدت في النهاية إلى مزيد من الانقسام والفوضى والعنف، وأعادت بعض المجتمعات إلى دوامة التخلف والرجعية. لذلك فإن أي تحرك شعبي يجب أن يكون نتاج قرار ذاتي مؤطر بخطط واضحة للبناء والإصلاح، وألا يكون أداة في يد الخارج لتحقيق الأهداف الخاصة على حساب مستقبل الشعوب.

هكذا تحول الربيع العربي إلى مناخٍ خصب للقتل والتطرف والانقسامات المجتمعية العميقة. التي ما زلنا نشهد تبعاتها حتى اليوم. ولم تحقق هذه الثورات أي مطالب للشعوب أو تحد من معاناتهم لأن همها الأساسي لم يكن البشر بل إرهاق الدول العربية وتسخين مناطقها لتكون أرضاً خصبة لزرع السياسات التي تخدم الخارج.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور