السبت 20 كانون الاول , 2025 11:18

نداف إيلان يزعم: إيران حاولت صنع سلاح نووي من الجيل الرابع

يزعم الصحفي الإسرائيلي نداف إيلان، في هذا المقال الذي نشره على مدونته الشخصية وترجمه موقع الخنادق، عن تسريب معلومات استخبارية جديدة له، تتحدث عن وجود إشارات على أن إيران استكشفت فكرة طموحة وغير مُجرَّبة في العالم: سلاح نووي قائم على الاندماج الخالص. وكشف إيلان أن الأمر "بدأ الأمر بهدوء"، بما وصفه له مسؤولون إسرائيليون بـ"مؤشرات مقلقة... مجتزأة وسهلة الاستبعاد لا تنسجم مع الأنماط المألوفة لتخصيب اليورانيوم أو تسليحه. كانت تشير إلى مسار أغرب أكثر طموحاً يكاد يكون خيالياً...شيئاً لم تبنه أي دولة من قبل...التوصيف المهني هو "سلاح الجيل الرابع"". فما الهدف من نشر هذه المعلومات في الصحافة العبرية، هل تشي بنية الكيان لشن عدوان جديد على الجمهورية الإسلامية؟ ام أنها سردية قديمة جديدة لتحريض واشنطن والغرب ضد إيران؟

النص المترجم:

بدأ الأمر بهدوء، كما تبدأ هذه الأمور عادة، بما وصفه لي مسؤولون إسرائيليون بـ"مؤشرات مقلقة". ففي مطلع الحرب، بعد بضعة أشهر من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وردت إشارات من إيران — مجتزأة وسهلة الاستبعاد — لا تنسجم مع الأنماط المألوفة لتخصيب اليورانيوم أو تسليحه. كانت تشير إلى مسار أغرب. أكثر طموحاً. يكاد يكون خيالياً.

التقدير الذي تبلور كان مقلقاً: إيران كانت تستكشف نوعاً جديداً من السلاح النووي. ليس قنبلة قائمة على التخصيب، ولا حتى سلاحاً حرارياً نووياً بالمعنى الكلاسيكي، بل شيئاً لم تبنه أي دولة من قبل. التوصيف المهني هو "سلاح الجيل الرابع". اندماج خالص.

لفهم أهمية ذلك، لا بد من استطراد موجز. الأسلحة النووية التقليدية تقوم على الانشطار: شطر الذرة وإطلاق طاقة هائلة. أما الأسلحة الحرارية النووية فتضيف طبقة أخرى، إذ تُستخدم قنبلة انشطارية صغيرة لإشعال ذرات الهيدروجين، فيُطلق اندماجها طاقة أعظم. إيران، في المقابل، بدت وكأنها تدرس تحدياً بالغ الصعوبة: اندماجاً بلا انشطار. بلا يورانيوم. بلا بلوتونيوم. إشعاع ضئيل. تلوّث إشعاعي محدود. نظرياً، سلاح نووي أصغر، أنظف، وأصعب بكثير على التنظيم والرقابة.

إنه، بأي معيار، طموح مهووس بالعظمة. فالاندماج شديد التعقيد حتى في الظروف المخبرية. ولم ينتج أي جيش أو معهد أبحاث في العالم — بحسب ما هو معروف — قنبلة اندماجية خالصة. وكانت التقديرات صريحة: قدرة إيران على بناء مثل هذا السلاح تكاد تكون صفراً. ومع ذلك، ووفقاً لورقة موقف نُشرت قبل أشهر بقلم اللواء (احتياط) تامير هايمان، كان الجهد حقيقياً — لتصميم رأس نووي قائم على الاندماج. كما نُقلت أخيراً اقتباسات عن مصادر في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في صحيفة واشنطن بوست.

لماذا تسلك إيران هذا المسار، بعد أن استثمرت مليارات — وربما عشرات المليارات — في برنامج نووي تقليدي قائم على تخصيب اليورانيوم؟

طُرحت عدة تفسيرات:

_الأول كان الخداع: ستار دخاني يهدف إلى إخفاء اندفاعة متجددة نحو قنبلة نووية تقليدية.

_الثاني أخذ الفتاوى الدينية الإيرانية على محمل الجد — الفتوى المنسوبة إلى الخميني بتحريم السلاح النووي — واقترح نوعاً من الالتفاف القانوني: الاندماج، كما قد تجادل طهران، يقع خارج معاهدة حظر الانتشار النووي وخارج الحظر الديني. أو ربما، كما تكهّن مصدرون أمنيون غربيون، كان العلماء النوويون الإيرانيون يحاولون خداع قيادتهم السياسية نفسها؟

_التفسير الثالث جمع بين الاثنين: إيران أرادت أن تتعلّم. فمن خلال محاولة تحقيق اندماج عسكري، ستكون أكثر استعداداً لاختراق نووي مستقبلي، بعد أن تكون قد واجهت — حتى من دون نجاح — أحد أصعب التحديات التكنولوجية.

ضربت إسرائيل في إيران، ويمكنني أن أقدّر حسابياً أنها سعت أيضاً إلى تدمير جميع عناصر هذا المخطط الاستفزازي. غير أن مسؤولين سابقين قالوا لي إن هذه الحلقة برمتها تكشف شيئاً أعمق بشأن تصميم إيران على امتلاك قنبلة: استعدادها للاستثمار مهما كان الثمن — للابتكار والطموح والمفاجأة.

داخل شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، يُلقَّن الدرس بلا هوادة بعد فشل السابع من تشرين الأول: فبعد انتصار الجيش الإسرائيلي عام 1967 جاءت صدمة الهجوم العربي المفاجئ عام 1973. وفي استعارة اليوم، تمثل حرب الأيام الاثني عشر مع إيران "1967" الجديدة. والخشية هي الوقوع مجدداً في فخ الغرور.

سلاح الجو يعيش القاعدة ذاتها. فالضباط هناك لا يزالون يدرسون كيف امتصّت مصر صدمة عملية «موكيد» عام 1967 وطبّقت دروسها في الأيام الأولى من حرب يوم الغفران.

القادة الكبار في كلا الفرعين يعانون ليالي نوم متقطعة. وفي مكان ما بين النوم واليقظة، يتسلل السؤال ذاته: ماذا يفكّر العدو؟ ماذا يخطط — وماذا سيفعل لاحقاً؟ لا يسع الإسرائيليين إلا أن يأملوا بأن يكون فشل السابع من تشرين الأول قد نُقش أعمق في أذهان هؤلاء الضباط من النجاح الأخير ضد إيران.

مرّ نحو 6 أشهر منذ تلك الحرب — وربما كانت الأكثر نجاحاً في تاريخ إسرائيل. ضُرب العدو بقسوة. وتم تجاوز تحدٍّ تكنولوجي هائل بجرأة عملياتية وباستخبارات استثنائية قبل كل شيء. كانت خسائر إسرائيل محدودة؛ والنتيجة حاسمة. وكان هناك مكسب استراتيجي: انضمام الولايات المتحدة.

لكن الدرس الأعمق أبسط. المفاجأة فعّالة. يمكنها أن تعوّض فجوات هائلة في النوعية — كما حين غزت «حماس»، بلا دروع ولا قوة جوية حقيقية، إسرائيل. المفاجأة لا تحسم الحروب دائماً، لكنها قادرة على إعادة ترتيب الخريطة الاستراتيجية بين ليلة وضحاها.

المفاجأة سهلة؛ أسهل مما تعتقده معظم الجيوش. والأصعب بكثير هو تفكيك حالة الرضا عن الذات حين تستقر. ففي حزيران/يونيو 2025، كان الإيرانيون يعلمون أن إسرائيل تستعد للضرب. الإعلام المحلي والعالمي كان مشبعاً بإشارات عن هجوم وشيك. ومع ذلك فوجئوا — ولا سيما بفتك الضربة وبالخداع الذي أحاط بها.

الآن، المنطقة في سباق. "سباق إلى المفاجأة التالية"، كما قال لي أحد الضباط الكبار. هجوم صاروخي ومسيرّات منسّق من "حزب الله" وإيران والحوثيين. توغّل بري. أو خطأ في الحسابات الإيرانية — بافتراض أن إسرائيل على وشك الضرب، فتختار الضربة الاستباقية. السيناريوهات لا تنتهي.

بعد مجزرة "سمحات توراة"، دفنت الاستخبارات العسكرية بهدوء عبارة "التفوق الاستخباري". أصبحت محرّمة؛ الخطيئة الأصلية. وحلّ مكانها مبدأ مختلف، لا يزال متعثراً وغير مكتمل: تقديس الشك. ماذا نفوّت؟ ماذا لن نعرف؟ ماذا يتكشف بالفعل خارج حدود فهمنا؟

قصة تجربة الاندماج الإيرانية تختصر كل ذلك دفعة واحدة: طموح النظام التكنولوجي، واستعداد اقتصاد ينهار ودولة تعاني شحّ المياه لضخ الموارد في سلاح يكاد يكون خيالياً — والحقيقة المقلقة بأن المفاجأة، حتى الآن، لا تزال حيّة بقوة.


المصدر: مدونة الصحفي الإسرائيلي نداف إيلان

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور