الخميس 18 كانون الاول , 2025 04:07

ديفيد هيرست: كيف يمكن لسوريا أن تكون سبب سقوط إسرائيل؟

جندي إسرائيلي في الجنوب السوري

يعتقد الصحفي البريطاني ديفيد هيرست في هذا المقال الذي نشره موقع " Middle East Eye" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أنه بعد عام على انهيار نظام الرئيس بشار الأسد، تركت الاستراتيجية الإقليمية الإسرائيلية المتزايدة العدوانية تل أبيب، غارقة في صراعات على عدة جبهات. فهو يذكّر بأن أحمد الشرع الجولاني الذي "صاغ اسمه الحركي على صورة تاريخ والده كلاجئ من الجولان المحتل"، والذي صرّح حينما كان مقاتلاً: "لن نصل إلى دمشق فقط؛ القدس بانتظارنا"، قد حرص على إرسال إشارات واضحة بأن إدارته لن تشكّل أي تهديد لإسرائيل، وأن عدوان الأخيرة قد يغير هذه الحال.

النص المترجم:

مرّ عام كامل على سقوط الزعيم السوري بشار الأسد. وكان كثير من اللاعبين الدوليين في الساحة السورية يحضرون "منتدى الدوحة" فيما كانت حلب وحمص وحماة ودمشق تسقط تباعاً كبيتٍ من ورق بيد قوات المعارضة المتقدمة.

كنت أراقب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وهو يتلقى الأخبار عبر شاشة تلفزيون. حتى "وجه البوكر" الذي اشتهر به أقدم وزير خارجية في العالم لم يستطع إخفاء ما كان يفكر فيه. انقبض وجهه كحجرٍ سقط فجأة.

وعندما صعد لافروف إلى المنصة بصفته "صانع خبر"، بدا منزعجاً من أي سؤال يتعلق بالتطورات، وطالب بالحديث عن أوكرانيا بدلاً من ذلك.

وما إن خلع أبو محمد الجولاني بزته العسكرية وتحوّل إلى أحمد الشرع، حتى بدأ الرئيس السوري المؤقت يروّج لخطاب السلام.

وإدراكاً منه أنه صاغ اسمه الحركي على صورة تاريخ والده كلاجئ من الجولان المحتل، وإدراكاً أيضاً لتصريحه السابق كمقاتل حين قال: "لن نصل إلى دمشق فقط؛ القدس بانتظارنا"، حرص الشرع على إرسال إشارات واضحة بأن إدارته لن تشكّل أي تهديد لإسرائيل.

ومضى محافظ دمشق الجديد، ماهر مروان، أبعد من ذلك في مقابلة مع الإذاعة العامة الأميركية NPR، قائلاً:
"لا نخاف من إسرائيل، ومشكلتنا ليست مع إسرائيل. ولا نريد التدخل في أي أمر يهدد أمن إسرائيل أو أمن أي دولة أخرى… نحن نريد السلام، ولا يمكن أن نكون خصماً لإسرائيل أو خصماً لأي أحد".

صدرت هذه التصريحات في ذروة الإبادة الجارية في غزة، ما أثار خيبة أمل الفلسطينيين الذين كانوا يتوقعون من سوريا موقف دعمٍ أوضح.

لكن النظام الجديد عكس في الوقت نفسه إنهاكاً حقيقياً لشعبٍ خرج لتوّه من أدمى حرب أهلية شهدتها المنطقة خلال أربعة عشر عاماً.

تبدّل المزاج

بعد عام، تغيّر مزاج الشارع السوري بصورة دراماتيكية.

ففي عرض عسكري حديث حضره الشرع، هتف الجنود:
"غزة، غزة، غزة، شعارنا ليل نهار، قصف ودمار. قادمون إليكِ يا عدونا، قادمون، قادمون، ولو كنتِ جبلاً من نار، سأصنع من دمي ذخيرة، ومن دمكم أنهاراً".

وبعد ذلك بقليل، لمح وزير إسرائيلي إلى احتمال اندلاع حرب مع سوريا.

قبل أيام من ذلك، كادت غارة إسرائيلية قبيل الفجر على قرية جنوب دمشق أن تتحول إلى كارثة عسكرية. ففي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، قصفت المروحيات والمدفعية الإسرائيلية بلدة بيت جن، على بعد 50 كيلومتراً جنوب غرب دمشق، فيما اقتحم الجنود منازل واعتقلوا ثلاثة قرويين، بحسب وسائل إعلام محلية.

ثم اندلع اشتباك مسلح بعدما انخرطت القرية بأكملها في محاولة صدّ القوات المتوغلة. واستُدعيت الطائرات المقاتلة مع تطويق القوات الإسرائيلية. وعند انسحابها، كان قد قُتل 13 سورياً وجُرح 25 آخرون، فيما أُصيب ستة جنود إسرائيليين، ثلاثة منهم بجروح خطيرة.

ما الذي حدث خلال عام واحد ليقلب المزاج السوري إلى هذا الحد؟

عندما وصل الشرع إلى السلطة، كان أمام إسرائيل خياران: إما احتضان التغيير في النظام وبناء حليف جديد في سوريا، لا سيما لو عرضت مساعدة الشرع في واشنطن.

فقد سبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن سهّل طريق محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض، بما مكّنه من انتزاع ولاية العهد من ابن عمه الأكثر خبرة. وكان بالإمكان اتباع الاستراتيجية نفسها مع الشرع في سوريا.

لكن إسرائيل اختارت طريقاً آخر، فأطلقت حملة قصف هائلة دمّرت خلال أيام سلاح الجو السوري، وأغرقت أسطوله البحري، وسوّت رادارات دفاعه الجوي بالأرض. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت القوات الإسرائيلية توغلاً برياً في جنوب سوريا؛ وكان هدفها الأول السيطرة على جبل الشيخ، ثم توسعت العملية لاحقاً لتشمل منطقة أكبر من قطاع غزة.

إضعاف سوريا

دافع وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس عن الغزو بوصفه "ضرورياً لحماية مجتمعات الجولان والجليل من التهديدات"، مستشهداً بهجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بوصفه الدافع الأساسي. غير أن مثل هذه التبريرات موجهة للاستهلاك العام فقط؛ فإسرائيل لطالما خططت لإضعاف سوريا بصورة دائمة عبر تقسيمها إلى كانتونات، وتحويلها إلى نسخة أخرى من ليبيا.

وكما ذكرتُ في تقاريري وقت سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، فإن سرعة انهيار النظام فاجأت الأصدقاء والخصوم على حد سواء.

وقد أحبط ذلك خطط تل أبيب لإقامة روابط عسكرية واستراتيجية مع الأكراد في الشمال والدروز في الجنوب، بما كان سيُبقي الأسد ضعيفاً على الدوام وخاضعاً للنفوذ الإماراتي.

وكان من شأن ذلك أن يحقق أربعة أهداف: قطع خطوط إمداد السلاح الإيراني إلى حزب الله، إضعاف سوريا بشكل دائم، إقصاء تركيا عن شمال سوريا، وإقامة ممر جوي فوق جنوب سوريا وشمال العراق، تستطيع إسرائيل عبره قصف إيران بانتظام.

وقد لمح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هذا التوجه قبل شهر من سقوط الأسد، حين قال إن على إسرائيل التواصل مع الأكراد والدروز في سوريا ولبنان، مشيراً إلى "جوانب سياسية وأمنية" يجب أخذها في الاعتبار.

وقال ساعر: "علينا أن ننظر إلى التطورات في هذا السياق، وأن نفهم أنه في منطقة سنكون فيها دائماً أقلية، يمكننا أن نقيم تحالفات طبيعية مع أقليات أخرى".

كان اللعب على الورقة الدرزية وسيلة لإخفاء مسعى إسرائيل إلى الهيمنة الإقليمية. فالدروز أنفسهم لم يسعوا في البداية إلى الاحتلال الإسرائيلي. وبعد أسابيع من تولي الشرع السلطة، قال الزعيم الدرزي الشيخ حكمت الهجري لموقع "ميدل إيست آي": "الاجتياح الإسرائيلي يقلقني وأنا أرفضه".

وأضاف أن الاتصالات بين دروز سوريا والسلطات الجديدة في دمشق كانت إيجابية، لكنه أردف: "نحن ننتظر إنجازات من الحكومة الجديدة، لا مجرد كلمات إيجابية".

غير أن الهجري غيّر موقفه هذا الصيف، بعد اشتباكات طائفية بين مقاتلين دروز وبدو أودت بحياة أكثر من 500 شخص وأجبرت القوات الحكومية على الانسحاب. عندها تبنى أجندة انفصالية صريحة، ودعا السويداء باسمها العبري "جبل باشان"، وناشد الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية التدخل.

الاصطدام بجدار

قوبل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب سوريا وغاراته الجوية — إذ قصفت إسرائيل سوريا أكثر من 600 مرة منذ وصول الشرع إلى السلطة — بصمتٍ كامل من دمشق وأنقرة معاً، علماً أن الاستخبارات العسكرية التركية كانت قد ساعدت فصائل المعارضة على السيطرة على حلب.

وكان مركز التجاذب بين تركيا وإسرائيل حول الجهة التي ستفرض هيمنتها على الأجواء السورية موقعين شمال دمشق: قاعدة T4 الجوية ومطار تدمر العسكري، اللذين قصفتهما إسرائيل مراراً لمنع أنقرة من نشر أنظمة دفاع جوي متطورة.

في نيسان/أبريل، تحركت تركيا لتولي إدارة قاعدة T4 ضمن اتفاق دفاعي مع دمشق، لكن شيئاً لم يحدث، وقررت أنقرة بدلاً من ذلك الدخول في محادثات "فك اشتباك" مع تل أبيب، التي وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود. وتبيّن أن الاتفاق الدفاعي لم يكن أكثر من تفاهم على تدريب القوات السورية.

شهدت دمشق زيارات مكثفة لمسؤولين أتراك رفيعي المستوى، وتجري حالياً محادثات لنشر قوات تركية بصفة استشارية. لكن نبرة أنقرة الحادة إزاء الاستيلاء العسكري الإسرائيلي غير المبرر على السويداء كانت دائماً أعلى من أفعالها.

فقد أصدرت النيابة العامة في إسطنبول 37 مذكرة توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين — بينهم نتنياهو وكاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وآخرون — بتهم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية في غزة. ومع ذلك، اتسم الموقف العسكري التركي بحذر شديد، ما أتاح لإسرائيل ملء الفراغ وفرض شروط "السلام" لاحقاً.

وتركيا، القوة العسكرية التي أسقطت يوماً طائرة روسية فوق شمال سوريا، ليست وحدها المترددة في مواجهة القوة بالقوة.

كان أول رد فعل للشرع على التهديد الإسرائيلي هو التوجه إلى السعودية. وقد رد محمد بن سلمان، بحسب ما نُقل، قائلاً للشرع إن المملكة خسرت سوريا مرة واحدة ولن تخسرها مجدداً.

وعرّف محمد بن سلمان الشرع على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في لقاء مهّد لزيارة إلى البيت الأبيض ورفع "قانون قيصر"، ما سمح بتدفق رأس المال الأجنبي مجدداً إلى دمشق.

علاقات على المحك

كانت أفكار ترامب بشأن سوريا، وكذلك أفكار مبعوثه توم باراك، داعمة بقوة للشرع. وقد ضغط ترامب شخصياً من أجل رفع عقوبات قيصر، قائلاً إن الحكومة السورية تعمل بجد "لبناء دولة حقيقية ومزدهرة".

وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، تعرّض هذا الدعم لاختبار قاسٍ عندما قُتل جنديان أميركيان ومترجم مدني في هجوم لتنظيم "داعش" وسط سوريا. لكن ترامب لم ينقلب على الشرع، المقاتل السابق في "القاعدة". بل أقرّ بغضب القيادة السورية من الحادث، وبأن دمشق لا تسيطر على المنطقة التي وقع فيها الهجوم.

وتعهد ترامب برد قاسٍ — لكن ضد "داعش"، لا ضد دمشق كما كان يمكن أن يحدث بسهولة.

ومع غياب أي رد عسكري مضاد، تشعر إسرائيل بإحباط متزايد من ترامب على الصعيد الدبلوماسي. وقد عبّر عن التفكير العسكري الإسرائيلي مؤخراً المقدم أميت ياغور في صحيفة "معاريف"، حين كتب أن باراك لا يُعتمد عليه لأنه متأثر أكثر من اللازم بالبلد الذي يقيم فيه حالياً، أي تركيا.

وقال ياغور إن سوريا "ليست دولة تاريخية"، بل "تجميع لطوائف جُمعت لخدمة احتياجات الانتداب الفرنسي". وعملياً، بحسب قوله، فإن الشرع ليس سوى "عمدة دمشق وضواحيها".

وأضاف أن لإسرائيل أربعة مصالح مركزية: ضمان توقف سوريا عن العمل كوكيل لتركيا، منع "الميليشيات الجهادية" التابعة للشرع من الوصول إلى الحدود الإسرائيلية، منع وقوع مجزرة جديدة بحق الدروز، ووقف تحوّل سوريا "إلى دولة إسلامية تُحكم بالشريعة".

حروب "لا تنتهي"

رفع الشرع منسوب خطابه. ففي منتدى الدوحة هذا العام، قال الرئيس المؤقت إن إسرائيل تصدّر الأزمات إلى دول المنطقة لصرف الأنظار عن مجازرها المروعة في غزة. لكنه لا يزال يعوّل على ترامب للتوسط في انسحاب إسرائيلي.

أما نتنياهو، فقد تعهد بعدم الانسحاب من جنوب سوريا، وذهب أبعد من ذلك في خطاب ألقاه في "قمة ديلبوك" لصحيفة نيويورك تايمز، حين وصف الحروب التي أطلقها بأنها "لا تنتهي".

وقال نتنياهو: "ربحنا هذه الحرب، لكنها لا تنتهي. الأمر يشبه، كما تعلمون، إذا كان لديك سرطان واستأصلته، فقد يعود مجدداً. في أنواع معينة من السرطان. لكن إذا لم تستأصله، تموت".

إنها استعارة كاشفة — لكنها، على أقل تقدير، مؤسفة للغاية.

فكما سيخبرك أي طبيب، يمكن للسرطان أن يعود لأن الخلايا السرطانية تصبح أقوى وأكثر مقاومة للعلاج، فيما يزداد المريض ضعفاً. وفي نهاية المطاف، قد يقتل العلاج المستخدم لمحاربة السرطان المريض نفسه.

وبهذه الاستعارة، يعترف نتنياهو ضمناً بأن إسرائيل لن تنتصر أبداً في هذا الصراع؛ بل ستستسلم له في نهاية المطاف.

ففي اعتقادها أنها هزمت حزب الله وإيران والآن حماس؛ وفي استخفافها العلني باتفاقات وقف إطلاق النار التي وقّعتها؛ وفي هيمنتها على جنوب لبنان وجنوب سوريا، تبدو القوات العسكرية الإسرائيلية عند حدود الإنهاك المفرط — ولا سيما إذا كانت كل هذه الجبهات ستبقى مفتوحة على الدوام.

وقد تثبت سوريا أنها نقطة التحول في طموحات إسرائيل العسكرية المتزايدة العدوانية. وقد تتحقق نبوءة نتنياهو بوصفها نبوءة تحقق ذاتها — وحينها سيكون الوضع خارجاً عن سيطرته.


المصدر: Middle East Eye

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور