الأربعاء 17 كانون الاول , 2025 12:24

فورين بوليسي: بعد عام واحد: العقوبات الأميركية تخنق تعافي سوريا

لافتة إعلانية في سوريا تشكر السعودية وأمريكا!

تشير السيناتورة جين شاهين (العضو الأرفع ترتيباً والديمقراطية الأقدم في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي) والنائب جو ويلسون (العضو البارز في لجنتي القوات المسلحة والعلاقات الخارجية بمجلس النواب والرئيس المشارك للجنة هلسنكي الأميركية)، في هذا المقال الذي نشره موقع مجلة فورين بوليسي وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، بأن العقوبات الأمريكية التي كانت ولا تزال مفروضة على سوريا – مرةً بسبب مواقف الدولة السورية المقاومة للاحتلال الإسرائيلي وللهيمنة الأمريكية والآن بسبب رغبة الإدارة الأمريكية استخدام العقوبات لفرض الوصاية على السلطة المؤقتة – هي السبب الرئيسي فيما يعانيه شعب هذا البلد من مشاكل اقتصادية، وهو ما كانت أمريكا دائماً تحاول الترويج لغيره من الأسباب المزعومة.

إلّا أن اللافت في مقال شاهين وويلسون (اللذان يقودان مسار إلغاء قانون قيصر)، هو اعترافهما بأن ما حصل مؤخراً في الكونغرس الأمريكي لم يكن سوى تجميد للقانون لمدة 6 أشهر وليس إلغاءً، وبالتالي فإن كل التصريحات التي تحدثت عن إلغائه كانت خداعاً للشعب السوري بالدرجة الأولى.

النص المترجم:

قبل عام واحد في مثل هذا الشهر، حقّق الشعب السوري ما بدا مستحيلاً: فبعد ما يقارب 14 عاماً من صراع وحشي وخمسة عقود من الديكتاتورية، أطاح بنظام بشار الأسد ودخل مرحلة جديدة. وإرث الأسد مروّع بكل المقاييس: أكثر من 500 ألف قتيل، و13 مليون نازح، ومنظومة سجون قائمة على التعذيب والإخفاء القسري، واقتصاد منهار إلى حدّ أن أكثر من 90% من البلاد انحدروا إلى الفقر.

في آب/أغسطس الماضي، سافرنا إلى دمشق وشاهدنا عن قرب دمار الحرب الأهلية. لكننا، خلال لقاءاتنا مع الرئيس أحمد الشرع وأعضاء حكومته وقادة من مختلف المكوّنات الدينية والإثنية في سوريا، رأينا أيضاً أمراً لافتاً: سوريين يتعاملون مع هذه اللحظة بوصفها فرصةً لا تتكرر إلا مرة في الجيل لإعادة بناء بلدهم وإعادة تشكيل منطقتهم نحو الأفضل.

غير أنّ هذه الفرصة مهدَّدة اليوم بالعقوبات الأميركية التي فُرضت أصلاً للضغط على الأسد كي يوقف قمعه لشعبه. هذه العقوبات باتت اليوم تعاقب بلداً يتكوّن من ضحايا الأسد السابقين—وهم جميعاً يحاولون التعافي. وإذا لم نغيّر المسار، فقد يُبدَّد ما تحقّق بشقّ الأنفس من تقدّم، وتتبدّد معه آمال السوريين.

إن ما سيحدث تالياً لا يهمّ السوريين وحدهم، بل يهمّ الولايات المتحدة بعمق. فبعد عقود من التحالف مع خصومنا والتحوّل إلى بؤرة لعدم الاستقرار والإرهاب، تمتلك سوريا إمكانية أن تصبح عضواً مزدهراً في المجتمع الدولي. وهذا من شأنه أن يعود بالفائدة على علاقات التجارة الأميركية، وعلى مصالح الأمن القومي، وعلى شركائنا الإقليميين مثل إسرائيل وتركيا والأردن ولبنان والعراق.

لكن ترميم بلدٍ مزّقته الحرب الأهلية وتحول بمعظمه إلى أنقاض لن يكون سهلاً ولا رخيصاً. فالتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم "الدولة الإسلامية"، والجهات الخبيثة مثل إيران وروسيا، لن تنتظر فرصة لإعادة إدخال نفسها. ففي نهاية الأسبوع الماضي فقط، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنّ تنظيم "الدولة الإسلامية" قتل ثلاثة عناصر أميركيين في سوريا، في دليل على أنه ما زال يشكّل تهديداً قاتلاً. ولهذا، يجب أن تكون قوات الأمن السورية قادرة على مكافحة الإرهاب وحرمان هذه الجهات من القدرة على إطلاق عمليات داخل البلاد.

يواجه السوريون بنية تحتية متداعية، وانعداماً للأمن الغذائي، ونقصاً في الرعاية الطبية الموثوقة، ومخاطر جسيمة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، واقتصاداً يكافح للاتصال بالعالم بسبب العقوبات المستمرة. وتقدّر الأمم المتحدة أنّ سوريا ستحتاج إلى أكثر من 200 مليار دولار لإعادة الإعمار على مدى سنوات طويلة قبل أن تبدأ بالاقتراب من وضعها قبل الحرب.

تحتاج سوريا إلى وعدٍ حقيقي بمستقبل أفضل كي ترسم مساراً جديداً. ولهذا السبب، قُدنا—نحن الاثنين، ديمقراطياً وجمهورياً—الجهود لإلغاء "قانون قيصر" الذي فرض عقوبات قاسية على نظام الأسد. قد نختلف في السياسات بشأن قضايا أخرى، لكننا متّحدان في هذه المسألة—ونقدّر العمل المتوازي الذي قامت به إدارة ترامب.

إن منظومة العقوبات الشاملة التي فُرضت على الأسد تُبقي سوريا اليوم خارج الدائرة. فهي تعرقل محاولات الاستقرار والتعافي والبدء ببناء مؤسسات تمثيلية. وقد عملت إدارة ترامب على التراجع عن بعض العقوبات، بما في ذلك منح إعفاءات مؤقتة لمدة ستة أشهر من "قانون قيصر". غير أنّ أي مستثمرين من القطاع الخاص، أو أيّاً من شركائنا الإقليميين، لا يمكنهم تبرير استثمارات جدّية في ظلّ ضمانات لا تتجاوز ستة أشهر. ولهذا يجب على الكونغرس إلغاء "قانون قيصر" الآن.

إن إلغاء العقوبات المُنهِكة سيسمح للسوريين بالوفاء بالعديد من المطالب التي نضعها عليهم، عبر بناء القدرات اللازمة للعثور على الأسلحة الكيميائية وتدميرها، ووقف تجارة المخدرات غير المشروعة، والقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتطوير وسائل حماية جميع المواطنين السوريين على قدم المساواة. وقد أظهر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، السفير لدى تركيا توماس باراك، بالفعل كيف يمكن للانخراط الدبلوماسي المستدام أن يحقق نتائج كبيرة. ومن دون تعزيز القدرات، فإننا نطلب منهم ببساطة المستحيل. لدينا أدوات كثيرة لضمان استمرار سوريا في التقدّم الإيجابي في مجالات مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الانتقالية والحوار والاندماج الحيوي بين جميع المكوّنات السورية—وهي أدوات نستخدمها يومياً في تعاملنا مع دول غير خاضعة للعقوبات حول العالم. ويمكن أن تشمل هذه الأدوات بناء القدرات للأمن الداخلي والشرطة المدنية، والمساعدة على إعادة دمج اللاجئين العائدين، ودعم منظمات المجتمع المدني السورية الناشئة.

في العام الثاني من "سوريا الجديدة"، سيكون من الحاسم التأكد من ألا تنشأ أوليغارشية جديدة، وألا تحلّ ديكتاتورية طائفية جديدة محلّ القديمة. والولايات المتحدة مؤهلة على نحو فريد لاستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لإبقاء سوريا الجديدة منسجمة مع قيمنا ورؤيتنا. وستحتاج سوريا إلى مقاومة إغراء التوجّه إلى شركاء بديلين مثل الصين وروسيا بحثاً عن حلول سريعة لكنها غير موثوقة. كما يجب أن نعمل يداً بيد مع شركائنا الإقليميين، الذين سيكونون أساسيين في تأمين رأس المال المطلوب. وينبغي أن تكون أميركا وشركاتها الشريك التجاري والدبلوماسي والأمني المفضّل على المدى الطويل.

عندما تتغيّر الظروف على الأرض، يجب أن تتغيّر سياساتنا أيضاً. لدينا الآن نافذة تاريخية لإلغاء "قانون قيصر" وجعل واحدة من أكثر مناطق العالم حساسيةً واشتعالاً أكثر استقراراً وأكثر انسجاماً مع قيمنا ومصالحنا. تمتلك سوريا إمكانات هائلة، وسيتطلّب تحقيق هذه الإمكانات عملاً مشتركاً من الجميع—لخير سوريا ولخيرنا نحن أيضاً. وبعد كل ما عاناه السوريون، فإنهم لا يستحقون أقلّ من ذلك.


المصدر: فورين بوليسي - foreign policy

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور