الثلاثاء 16 كانون الاول , 2025 02:54

واشنطن بوست: "المنطقة العازلة" الإسرائيلية تُشعل الجنوب السوري

يؤكد هذا المقال الذي نشرته صحيفة "واشنطن بوست" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية الهادفة إلى شقّ منطقة عازلة في جنوب سوريا، تؤدّي إلى تصاعد التوتر والغضب عند الشعب السوري. معتقداً بأن الاعتداءات الإسرائيلية يبدو أنها بدّدت — رغم الضغوط الأميركية — أي آمال قريبة في حدوث انفراج في العلاقات بين سلطة أحمد الشرع الجولاني والكيان المؤقت.

النص المترجم:

استيقظ قاسم حمادة الشهر الماضي على أصوات إطلاق نار وانفجارات في قريته بيت جن، جنوب غربي سوريا. وخلال ساعات قليلة، فقد ابنين له، وكنّة، وحفيديه البالغين من العمر 4 و10 أعوام. وكان الخمسة من بين 13 من أبناء القرية قُتلوا في ذلك اليوم على يد القوات الإسرائيلية.

وكانت قوات إسرائيلية قد داهمت القرية — وليس للمرة الأولى — في إطار سعيها، بحسب قولها، إلى اعتقال عناصر من جماعة مسلّحة تخطّط لشنّ هجمات داخل إسرائيل. وقالت إسرائيل إن مسلحين أطلقوا النار على الجنود، ما أسفر عن إصابة ستة منهم، وإن القوات ردّت بإطلاق النار واستعانت بإسناد جوي.

غير أن حمادة، شأنه شأن آخرين في بيت جن، رفض رواية إسرائيل عن وجود مسلحين في القرية. وقال السكان إن رجالاً مسلحين من أبناء البلدة واجهوا الجنود الإسرائيليين باعتبارهم قوة غازية، ليُقابلوا بنيران الدبابات والمدفعية الإسرائيلية، تلاها هجوم بطائرة مسيّرة. ووصفت حكومة دمشق ما جرى بأنه "مجزرة".

وقد أدّت هذه المداهمة وغيرها من التحركات الإسرائيلية الأخيرة داخل سوريا إلى زيادة التوتر، وإحباط السكان، وإلى تقويض فرص أي انفراج وشيك في العلاقات بين البلدين — رغم الضغوط الأميركية.

حضور إسرائيلي آخذ في الاتساع

كان التقارب الإسرائيلي–السوري يبدو ممكناً في كانون الأول/ديسمبر الماضي، عقب إطاحة متمردين يقودهم إسلاميون سنّة بالرئيس السوري الاستبدادي بشار الأسد، الحليف الوثيق لإيران، العدو اللدود لإسرائيل.

وقال الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، الذي قاد المتمردين الذين سيطروا على البلاد، إنه لا يرغب في صراع مع إسرائيل. إلا أن إسرائيل أبدت شكوكاً عميقة حياله، نظراً لماضيه القتالي وتاريخ جماعته في الارتباط بتنظيم القاعدة.

وسارعت القوات الإسرائيلية إلى فرض واقع جديد على الأرض، إذ تحرّكت داخل المنطقة العازلة التي ترعاها الأمم المتحدة في جنوب سوريا بمحاذاة هضبة الجولان، التي احتلتها إسرائيل من سوريا خلال حرب عام 1967 ثم ضمّتها لاحقاً، في خطوة لا يعترف بها معظم المجتمع الدولي.

وأقامت القوات الإسرائيلية حواجز ومنشآت عسكرية، بما في ذلك على تلة تطل على مساحات واسعة من الأراضي السورية، كما أنشأت مهابط مروحيات على جبل الشيخ القريب ذي الأهمية الاستراتيجية. وتحلّق طائرات الاستطلاع الإسرائيلية المسيّرة بشكل متكرر فوق البلدات السورية المجاورة، فيما يشاهد السكان دبابات وآليات "همفي" إسرائيلية تجوب تلك المناطق.

وتقول إسرائيل إن وجودها مؤقت ويهدف إلى "تطهير" المنطقة من بقايا موالية للأسد ومسلحين، لحماية إسرائيل من الهجمات. لكنها لم تعطِ أي إشارة إلى قرب انسحاب قواتها. كما لم تُسفر المحادثات بين البلدين للتوصل إلى اتفاق أمني عن أي نتيجة حتى الآن.

أشباح لبنان وغزة

أثارت التطورات في لبنان المجاور، الذي يشترك بحدود مع كل من إسرائيل وسوريا، وكذلك الحرب المستمرة منذ عامين في غزة بين إسرائيل وحركة "حماس"، مخاوف لدى السوريين من أن تكون إسرائيل بصدد تثبيت سيطرة دائمة على أراضٍ في جنوب سوريا.

ولا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة في جنوب لبنان بعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة وأنهى أحدث حرب بين إسرائيل و"حزب الله". وكانت تلك الحرب قد اندلعت بعد يوم واحد من هجوم "حماس" على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين بدأ "حزب الله" بإطلاق صواريخ على إسرائيل تضامناً مع حليفته "حماس".

 

وقد أضعفت العمليات الإسرائيلية في لبنان — التي شملت قصفاً واسعاً في مختلف أنحاء البلاد وتوغلاً برياً العام الماضي — "حزب الله" بشكل كبير.

واليوم، لا تزال إسرائيل تسيطر على 5 نقاط تلية في جنوب لبنان، وتشن غارات جوية شبه يومية على ما تقول إنها أهداف لـ"حزب الله"، وتسيّر طائرات استطلاع مسيّرة فوق البلاد، وأحياناً تنفّذ توغلات برية ليلية.

أما في غزة، حيث أفضت خطة وقف إطلاق نار من 20 بنداً طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى هدنة بين إسرائيل و"حماس"، فمن المخطط إنشاء مناطق عازلة مماثلة تحت سيطرة إسرائيل حتى بعد انسحابها لاحقاً من أكثر من نصف القطاع الذي لا تزال تسيطر عليه.

وخلال اجتماع لقادة إقليميين وشخصيات دولية عُقد مطلع هذا الشهر في الدوحة، اتهم الشرع إسرائيل باستخدام تهديدات متخيّلة لتبرير أفعالها العدوانية. وقال إن "جميع الدول تدعم انسحاباً إسرائيلياً" من سوريا إلى الخطوط التي سبقت الإطاحة بالأسد، مضيفاً أن ذلك هو السبيل الوحيد لكي "تخرج سوريا وإسرائيل معاً في حالة من الأمان".

أزمات سوريا المتشعّبة

واجهت القيادة الجديدة في دمشق سلسلة من التحديات منذ الإطاحة بالأسد. فقد عجزت حكومة الشرع عن تنفيذ اتفاق مع سلطات محلية تقودها قوى كردية في شمال شرقي البلاد، فيما باتت مساحات واسعة من محافظة السويداء الجنوبية تحت إدارة أمر واقع تقودها الأقلية الدينية الدرزية، عقب اشتباكات طائفية هناك في منتصف تموز/يوليو مع عشائر بدوية محلية.

وتدخلت القوات الحكومية السورية، مناصرةً عملياً العشائر البدوية. وقُتل مئات المدنيين، معظمهم من الدروز، كثيرون منهم على أيدي مقاتلين حكوميين. ويعيش أكثر من نصف نحو مليون درزي حول العالم في سوريا، فيما يقيم معظم الدروز الآخرين في لبنان وإسرائيل، بما في ذلك في هضبة الجولان.

كما قامت إسرائيل، التي تقدّم نفسها مدافعاً عن الدروز — رغم أن كثيرين منهم في سوريا ينتقدون نواياها — بخطوات انفتاح تجاه الأكراد في سوريا.

وقال مايكل يونغ، كبير المحررين في "مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت: "الإسرائيليون هنا ينتهجون استراتيجية شديدة الخطورة". وأضاف أن هذه الاستراتيجية تتعارض مع مواقف السعودية وتركيا ومصر — وحتى الولايات المتحدة — التي "تتفق جميعها على أن النتيجة المطلوبة اليوم هي قيام دولة سورية موحّدة وقوية إلى حد معقول".

تباين إسرائيلي–أميركي حول سوريا

وفي مقطع فيديو نُشر من مكتبه عقب زيارته جنوداً إسرائيليين جُرحوا في بيت جن، على بعد أقل من 5 كيلومترات من حافة المنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تسعى إلى "منطقة عازلة منزوعة السلاح من دمشق حتى المنطقة العازلة (الأممية)"، بما في ذلك جبل الشيخ. وأضاف: "من الممكن أيضاً التوصل إلى اتفاق مع السوريين، لكننا سنتمسك بمبادئنا في كل الأحوال".

وقد لاقت هذه الاستراتيجية رفضاً واسعاً من المجتمع الدولي، بما في ذلك واشنطن، التي دعمت جهود الشرع لتكريس سيطرته على كامل الأراضي السورية.

كما استدعت العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا انتقادات علنية نادرة من ترامب، الذي تبنّى الشرع — المدرج سابقاً على قائمة الإرهاب الأميركية — ودعمه. وقال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال" عقب اشتباكات بيت جن: "من المهم جداً أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وصادق مع سوريا، وألا يحدث أي شيء يعرقل تطور سوريا إلى دولة مزدهرة".

ومن المتوقع أيضاً أن تكون سوريا على جدول الأعمال حين يزور نتنياهو الولايات المتحدة ويلتقي ترامب في وقت لاحق من هذا الشهر.

ويشكك خبراء في أن تنسحب إسرائيل من سوريا في أي وقت قريب، فيما تفتقر الحكومة الجديدة في دمشق إلى أوراق ضغط أو قوة حقيقية في مواجهة الجيش الإسرائيلي المتفوق بكثير.

وقال عصام الريس، المستشار العسكري في مجموعة الأبحاث السورية "إيتانا": "إذا كنت تُنشئ مهابط طائرات، فهذا يعني أنك لست هنا لفترة قصيرة".

أما حمادة، العامل من بيت جن، فقال إنه "لم يعد يحتمل الوضع" بعد فقدانه 5 من أفراد عائلته. وأضاف: "إسرائيل تضرب حيثما تشاء، وتدمّر ما تشاء، وتقتل من تشاء، ولا أحد يحاسبها".


المصدر: واشنطن بوست - Washington post

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور