الإثنين 15 كانون الاول , 2025 04:15

تدمر تكشف الوهم: السيادة المؤجَّلة تحت حراب واشنطن وفوضى داعش

دبابة محترقة في الصحراء السورية

تؤكّد حادثة تدمر التي حصلت السبت 13/12/2025، والتي قُتل خلال 3 أمريكيين، بأن سوريا ستبقى رهينة الفوضى التي تتشابك فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية، وأن خطوات السلطة المؤقتة بزعامة أحمد الشرع الجولاني بالتقرب من الولايات المتحدة الأمريكية وتقديم فروض الطاعة لها، لن تجلب الرخاء الى هذه البلاد إطلاقاً!

فعلى صعيد أمريكا، فهي التي لا ترغب في الخروج من البلاد الغنية بالموارد الطبيعية من نفط وغاز ومعادن، والتي يهمها التواجد في هذه العقدة الاستراتيجية على صعيد منطقة غربي آسيا، لأهداف أساسية: حماية إسرائيل، ومواجهة محور المقاومة، وضمان الهيمنة بكافة أشكالها على دول المنطقة. لذلك من غير المستبعد أن تعمد الى تفعيل ورقة تنظيم داعش الوهابي الإرهابي، بهدف ضمان علّة تواجدها العسكري في سوريا.

ومن جهة الكيان المؤقت، فإن من مصلحته بقاء حالة الفوضى الأمنية والعسكرية المضبوطة في سوريا، بل حتى تصاعد وتيرة هذه الفوضى كماً ونوعاً من أجل الحفاظ على مصالح الكيان الاستراتيجية، لا سيما الاحتفاظ بما تم احتلال بعد سقوط نظام الرئيس الأسد في 08/12/2024.

وفي سياق متّصل، تؤكد عملية داعش في تدمر أن سلطة الشرع الجولاني ليست كما تُظهّر إعلامياً، فهي غير كاملة لا على المنطقة الجغرافية التي تنتشر فيها قواتها، ولا على قواتها أصلاً. فالهجوم حصل من قبل عنصر أمني تابع له، ووقع الهجوم أثناء قيام الجنود الأمريكيين بلقاء مع قائد سوري رئيسي في العمليات ضد داعش.

ووفقاً لبيان وزارة الداخلية السورية الصادر يوم الأحد 14 كانون الأول / ديسمبر 2025، تم اعتقال 5 أشخاص للاشتباه في "تورطهم في إطلاق النار على جنود أمريكيين وسوريين في مدينة تدمر بوسط سوريا يوم السبت"، الذي أدى الى " قُتل جنديان من الجيش الأمريكي ومترجم مدني على يد مهاجم استهدف قافلة للقوات الأمريكية والسورية قبل أن يُقتل برصاص الشرطة"، كاشفة بأن مرتكب حادثة إطلاق النار هو "عنصر في قوات الأمن السورية يُشتبه في تعاطفه مع تنظيم الدولة الإسلامية"، زاعمةً بأنها قيّمت المهاجم قبل أيام من الهجوم، وخلصت إلى أنه قد يحمل أفكاراً متطرفة وأنها كانت قد اتخذت أمر إقالته يوم الأحد (أي بعد يوم من العملية)!

كما أعلنت وزارة داخلية الشرع الجولاني، بأن وحداتها في تدمر نفذت عملية بالتنسيق مع "قوات التحالف الدولي"، وأسفرت عن اعتقال خمسة مشتبه بهم، وتمت إحالتهم فوراً للاستجواب. لكن مال لم تكره داخلية الشرع الجولاني في بيانها، هو أن أمريكا نفذت عدة غارات جوية وعمليات برية في سوريا، مستهدفة من وصفتهم بمشتبهين بالانتماء لتنظيم داعش خلال الأشهر الأخيرة، وأن الكثير من هذه العمليات قد تم "بمشاركة قوات الأمن السورية". وهذا ما يظهر حجم الاستباحة الأمنية الأمريكية للبلاد، ومدى تساهل سلطة الشرع مع القوات الأمريكية، بطريقة ستكون بلا شك سبباً لتصاعد حربه مع تنظيمه القديم أي داعش.

الشيباني يعيد تقديم فروض الطاعة لأمريكا

وسريعاً اتصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يوم الأحد، بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ليناقش معه تفاصيل الهجومـ وليقدم له التعازي بهم وليؤكد له "التزام الحكومة السورية بتقويض وتدمير خطر تنظيم داعش المشترك".

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فصرّح متوعداّ: "أستطيع أن أؤكد لكم أن من ارتكب هذا الهجوم في سوريا سيتعرض لأضرار جسيمة. لقد قبضوا على الشخص... لكن ستكون هناك أضرار جسيمة". مضيفاً بأنه "كان هذا هجومًا لتنظيم داعش على الولايات المتحدة وسوريا، في منطقة خطيرة للغاية من سوريا، لا تخضع لسيطرتهم الكاملة. الرئيس السوري، أحمد الشرع، غاضب ومنزعج للغاية من هذا الهجوم. وسيكون هناك ردٌّ قاسٍ للغاية".

إنّ ما جرى في تدمر ليس حادثاً أمنياً معزولاً، بل لحظة كاشفة لطبيعة المسار الذي تُدفع إليه سوريا اليوم: سلطة منقوصة، سيادة معلّقة، وتدخل أمريكي يتحرّك بحرية تحت ذريعة محاربة داعش، فيما تُدار الفوضى بوصفها أداة نفوذ لا عرضاً عابراً. فالتقارب مع واشنطن لم ينتج استقراراً، بل عمّق الاستباحة، وأعاد إحياء تناقضات قاتلة داخل البنية الأمنية نفسها، وفتح الباب أمام تصعيدٍ لن يكون آخره. وبين فوضى "مضبوطة" تخدم مصالح الاحتلال، وواقعٍ أمني هشّ، تبدو سوريا اليوم أبعد ما تكون عن الخلاص، وأقرب ما تكون إلى إعادة تدوير الأزمة بأدوات جديدة، وعناوين قديمة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور