الأربعاء 02 أيلول , 2026 03:19

كيف تحاول واشنطن وتل أبيب حماية تحالفهما من التآكل الداخلي؟

علمي أميركا وإسرائيل

تكشف دراسات أميركية وإسرائيلية صدرت خلال عامي 2025 و2026 عن تصاعد المخاطر التي باتت تهدد استدامة العلاقة الأميركية-الإسرائيلية على المدى المتوسط والطويل، إذ يتمثل الخطر الأبرز في تآكل القاعدة السياسية والمجتمعية التي استند إليها هذا التحالف لعقود، مع تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، واتساع الفجوة بين الأجيال، وارتفاع النظرة السلبية بين الشباب الأميركي، بالتوازي مع تراجع الطابع الحزبي المزدوج الذي طالما ميّز الدعم التقليدي لإسرائيل. ولا يقتصر هذا التراجع على البيئة الديمقراطية وحدها، بل يترافق مع بروز اتجاهات داخل اليمين الأميركي تعيد تقييم الالتزامات الخارجية من زاوية الكلفة والمصلحة المباشرة، بحيث تجد إسرائيل نفسها أمام خطر مزدوج: تصاعد الانتقادات المرتبطة بغزة والضفة والكارثة الإنسانية والقضية الفلسطينية من جهة، وتنامي خطاب يشكك في جدوى الالتزام الأميركي وكلفته العسكرية والمالية ومساهمته في جرّ واشنطن إلى صراعات إقليمية جديدة من جهة أخرى. هذا التحول بدأ ينعكس أيضًا داخل المؤسسات السياسية الأميركية، وخاصة الكونغرس، حيث اتسع النقاش حول شروط المساعدات العسكرية ونقل السلاح وحدود الالتزام الأميركي، وهو ما يكتسب أهمية إضافية مع اقتراب انتهاء مذكرة التفاهم الحالية عام 2028.

أمام هذه المخاطر، انصرفت مراكز الفكر الأميركية والإسرائيلية إلى بحث سبل "تحصين" العلاقة، وطرحت مجموعة من الإجراءات تتوزع بين المسار المؤسسي والمسار السياسي-المجتمعي. يقوم المسار الأول على مأسسة العلاقة الأمنية عبر ثلاث طبقات: تثبيت التعاون بمذكرات تفاهم طويلة الأجل يمتد التفاوض عليها إلى ما بعد 2028، والبحث في معاهدة دفاع محدودة تركز على التهديدات الوجودية، وتوسيع شبكة الترتيبات الدائمة في الإنتاج المشترك وضمانات الإمداد والدفاع الصاروخي. غير أن هذه المأسسة تصطدم بأن مذكرات التفاهم لا تشكل التزامًا قانونيًا مطلقًا، وتبقى المساعدات خاضعة لسلطة الكونغرس، فيما تحتفظ الإدارات المقبلة بحرية إعادة تقييم أولوياتها.

ويرتبط بهذا المسار الانتقال من نموذج "المساعدات" إلى نموذج "الشراكة" القائم على الاعتماد الصناعي والتكنولوجي المتبادل، بحيث تنشأ داخل الولايات المتحدة مصالح صناعية مستفيدة من استمرار التعاون مع إسرائيل، كما تقترحه دراسة مركز MEPIN التي تدعو إلى انتقال تدريجي على مدى عشر سنوات من تمويل المساعدات العسكرية إلى مشتريات إسرائيلية ممولة ذاتيًا. لكن هذا التحول يتطلب قدرة مالية إسرائيلية كبيرة في وقت تحتاج فيه إسرائيل أصلًا إلى إعادة بناء مخزوناتها بعد سنوات الحرب، ولا يلغي سلطة الكونغرس على القيود التصديرية، كما لا يعالج جذور تآكل الشرعية السياسية للعلاقة، وهو ما يشير إليه تقرير JINSA بوضوح حين يرصد الفجوة المتسعة بين القيمة الاستراتيجية التي تقدمها إسرائيل وتراجع مكانتها لدى الرأي العام الأميركي.

أما تعميق الاعتماد العسكري والعملياتي فيسعى إلى تحويل التعاون من علاقة دعم عند الأزمات إلى ترابط بنيوي دائم، عبر تكثيف المناورات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتوسيع التوافق بين أنظمة القيادة والسيطرة، وصولًا إلى مستويات أكثر تقدمًا تشمل توسيع الوجود العسكري الأميركي داخل إسرائيل نفسها. غير أن هذا المسار يحمل مفارقة سياسية: فكلما تعمّق الاندماج العسكري، ارتفع لدى شرائح أميركية واسعة الانطباع بأن التحالف يزيد احتمالات التورط التلقائي في الحروب الإسرائيلية، بينما قد تجد إسرائيل نفسها من جهتها أكثر ارتباطًا بالتنسيق مع واشنطن على حساب استقلاليتها العملياتية. ويكمّل هذا المسارَ تحصينُ تدفق السلاح وسلاسل الإمداد عبر توسيع المخزونات المسبقة التموضع وخطوط الإنتاج المشتركة للذخائر، بهدف تقليص الفجوة بين الالتزام السياسي والقدرة الفعلية على الإمداد وقت الحاجة، مع أن هذا الإجراء لا يلغي بدوره سلطة القرار السياسي الأميركي في حال تحوّلت المعارضة داخل الإدارة أو الكونغرس إلى سياسة رسمية مقيّدة.

وعلى المستوى السياسي-المجتمعي، تبرز محاولات الحفاظ على الدعم الحزبي المزدوج عبر توسيع العلاقات مع القيادات الديمقراطية والمرشحين الصاعدين وعدم حصر التواصل بالحزب الجمهوري وحده، رغم أن إعادة بناء إجماع تراجع أصعب بكثير من المحافظة عليه، خصوصًا مع استمرار التباعد الشعبي بشأن غزة والضفة. وتضاف إلى ذلك محاولة فك الارتباط بين صورة إسرائيل وصورة حكومتها عبر تنويع المتحدثين باسمها من باحثين وأكاديميين وشخصيات مدنية، وترميم العلاقة مع اليهود الأميركيين الذين باتوا أقل تجانسًا في مواقفهم، إضافة إلى إدارة الخلافات عبر آليات تشاور مسبق تمنع تحوّل الخلاف التكتيكي إلى أزمة تحالف - وإن كانت هذه الآليات عاجزة عندما يكون الخلاف استراتيجيًا لا تكتيكيًا بطبيعته.

وتشير الدراسات إلى أن المسار الأكثر ارتباطًا بجذور التآكل الفعلي هو معالجة مصادر الاحتكاك السياسي نفسها: تقليل الخسائر المدنية، وتحسين الوضع الإنساني في غزة، والحد من سياسات التوسع الاستيطاني، والحفاظ على أفق سياسي للقضية الفلسطينية. وهو مسار يستهدف سبب التآكل لا نتائجه فحسب، لكنه في المقابل الأصعب تنفيذًا لأنه يتطلب قرارات إسرائيلية داخلية مكلفة، قد تصطدم بتوجهات الائتلاف الحاكم واعتباراته الأمنية. ويستكمل هذه الصورة مساران أوسع: دمج إسرائيل في منظومة أمنية إقليمية عبر تعميق اتفاقيات أبراهام والدفع نحو التطبيع مع السعودية، وإعادة تعريفها كـ"أصل استراتيجي" تقدّم استخبارات وتكنولوجيا وقدرات دفاع صاروخي تبرر استمرار الشراكة في بيئة "أميركا أولًا" التي تطالب الحلفاء بإثبات جدواهم المباشرة.

وتخلص هذه الدراسات إلى أن الإجراءات الأقدر على حماية العلاقة هي تلك التي تجمع بين تحصين البنية المادية للتحالف ومعالجة أسباب تراجع شرعيته السياسية في آن واحد، ذلك أن المأسسة والتكامل الصناعي والعملياتي قادرة على رفع كلفة فك الارتباط، لكنها عاجزة وحدها عن وقف التحول في الرأي العام الأميركي أو استعادة الإجماع الحزبي، بينما تبقى معالجة جذور الاحتكاك السياسي، وفي مقدمتها السياسات تجاه الفلسطينيين، الأكثر قدرة على مواجهة أصل الأزمة، وإن كانت الأصعب من حيث الإرادة السياسية والتنفيذ الداخلي.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور