الأربعاء 02 أيلول , 2026 11:54

الأردن الحلقة الأضعف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط

ملك الأردن عبدالله الثاني

يمثل الأردن حالياً الحلقة الأضعف في منظومة الأمن الإقليمية الأميركية بسبب الفجوة المتزايدة بين الارتباط بواشنطن والموقف الشعبي الغاضب من "إسرائيل" والحرب على إيران.  وتستطيع إيران استغلال هذه الفجوة، لإسقاط النظام، وزيادة الكلفة السياسية والأمنية للتحالف الأردني ـ الأميركي وتعقيد الوجود العسكري الأميركي في المملكة. بحسب مقال نشره موقع ناشيونال انترست وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويخلص المقال إلى أن استمرار السياسات الأميركية الداعمة ل"إسرائيل" قد يقوّض الشرعية الداخلية لشراكتها مع الأردن، ما يجعل المملكة نقطة ضعف قابلة لإحداث تداعيات إقليمية أوسع.

النص المترجم:

تسلّط سلسلة الهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية في الأردن الضوء على نظرة طهران إلى المملكة باعتبارها مكوّناً هشاً بصورة خاصة في منظومة الأمن الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة.
لقد أكدت الهجمات الإيرانية المتبادلة في تموز/يوليو الماضي، ومجدداً في 30 آب/أغسطس، على منشآت عسكرية أميركية في الأردن أن طهران تدرك وجود نقطة ضعف في الاستراتيجية الأميركية لم تحظَ في الولايات المتحدة بالاهتمام الذي حظيت به الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج الملكية أو "إسرائيل". وعلى الرغم من أن واشنطن لطالما اعتبرت الأردن أحد أكثر حلفائها العرب موثوقية، فإن الضربات سلطت الضوء على واقع سياسي أعمق: فالتهديد الأكبر للموقع الأميركي في الأردن قد لا يأتي من الصواريخ الإيرانية فحسب، بل من اتساع الفجوة بين نظرة النظام الملكي الأردني وقطاعات واسعة من المجتمع الأردني إلى الحرب على إيران.
ويرى كثير من الأردنيين أن الهجمات الإيرانية هي نتيجة حتمية للشراكة العسكرية الوثيقة بين الأردن وواشنطن. وقد أدى الغضب الناجم عن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، وتصاعد العمليات الإسرائيلية وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، إلى تعميق هذه المشاعر، ما وضع الملكية الهاشمية أمام موقف متزايد الصعوبة، لأن توجهها الاستراتيجي يتعارض مع الرأي العام.
لطالما اعتُبر الأردن أحد أكبر النجاحات الدبلوماسية لواشنطن في الشرق الأوسط. فقد حافظ على السلام مع "إسرائيل" منذ عام 1967، حتى خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، ووقّع اتفاقية سلام مع الدولة العبرية عام 1994. كما تعاون على نطاق واسع مع أجهزة الاستخبارات الأميركية وجهود مكافحة الإرهاب، واستضاف القوات الأميركية لعقود. وكانت المملكة من أكبر متلقي المساعدات الأميركية للفرد الواحد، إذ تلقت مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية.
لكن خلف صورة الاستقرار هذه تكمن هشاشة بنيوية متجذرة في التاريخ. فعلى خلاف مصر أو إيران أو تركيا أو حتى السعودية، لم ينشأ الأردن من دولة تاريخية راسخة، بل خرج من تقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وقد رسمت الحسابات الإمبراطورية البريطانية حدود شرق الأردن، بدلاً من أن تكون نتيجة حركة وطنية متماسكة. وغالباً ما يُستشهد بمقولة شهيرة، وإن كانت غير مؤكدة، لوينستون تشرشل، مفادها أن إمارة شرق الأردن، التي أُعيدت تسميتها بالأردن عام 1949 بعد ضمها الضفة الغربية لنهر الأردن في نهاية الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، أُنشئت «بضربة قلم، بعد ظهر أحد أيام الآحاد في القاهرة»، للدلالة على الطبيعة المصطنعة لنشأة الدولة.
أما الملكية الهاشمية نفسها فقد جرى نقلها إلى الأردن. فبعد أن فقدت عائلة الشريف حسين، حليف بريطانيا، السيطرة على الحجاز لصالح ابن سعود، مؤسس الدولة السعودية، في عشرينيات القرن الماضي، نصّبت بريطانيا نجل الشريف حسين، عبد الله، أميراً على شرق الأردن، الذي كانت بريطانيا قد تولت إدارته بموجب نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم. وبالتالي، لم تنشأ السلالة الحاكمة بصورة عضوية من داخل المجتمع الأردني، بل اعتمد بقاؤها في البداية على الدعم البريطاني، ثم بعد الحرب العالمية الثانية على الدعم الأميركي.
ومنذ نشأتها، استند بقاء الملكية إلى مزيج من الدعم الخارجي وائتلافات داخلية مُدارة بعناية، تقوم أساساً على الاتحادات والعشائر القبلية، بدلاً من المشاركة الديمقراطية الواسعة.
وتزيد الحقائق الديموغرافية في الأردن من حدة هذه الخصائص البنيوية. وعلى الرغم من عدم توافر أرقام دقيقة، فإن غالبية سكان الأردن من أصول فلسطينية. وقد نزحت عائلاتهم خلال حربي 1948 و1967، ولا يزال لكثير منهم أقارب مقربون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وبالنسبة إلى هؤلاء الأردنيين، فإن القضية الفلسطينية ليست مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية، بل هي قضية وطنية وشخصية عميقة. ولذلك، فإن الدمار وعمليات التطهير العرقي بحكم الأمر الواقع التي تمارسها "إسرائيل" في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وما يرافق ذلك من تهجير وقتل للفلسطينيين، قد ولّدت غضباً استثنائياً في مختلف أنحاء المجتمع الأردني.
وتنظر المزاجات الشعبية بصورة متزايدة إلى السياسة الأميركية باعتبارها غير منفصلة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية. فقد عززت المساعدات العسكرية الأميركية ل"إسرائيل"، والحماية الدبلوماسية التي توفرها واشنطن لها، واستخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي لإنقاذها من الإدانة، الانطباع بأن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية مباشرة عن معاناة الفلسطينيين. وبالتالي، يرى كثير من الأردنيين أن المواجهة الأميركية مع إيران هي صراع تحركه واشنطن بهدف الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، وليس استجابة لتهديد حقيقي تشكله إيران على المنطقة.
وتحتل إيران مكانة معقدة في الرأي العام الأردني. فمن المؤكد أن الأردنيين لا يدعمون الجمهورية الإسلامية بالإجماع، ولا يؤيدون طموحاتها الإقليمية. لكن في الوقت نفسه، أكسب دعم إيران المستمر، خطابياً ومادياً، للقضية الفلسطينية طهران قدراً كبيراً من التعاطف لدى قطاعات من الرأي العام الأردني.
ويخلق ذلك بيئة سياسية غير مريحة للملكية، إذ إن استمرار اعتمادها الاقتصادي والأمني على واشنطن يحدّ من قدرتها على المناورة. ويتحمل الملك عبد الله الثاني الكلفة السياسية للارتباط بالاستراتيجية الإقليمية الأميركية، في وقت لا يمتلك فيه قدرة كبيرة على التأثير في قرارات واشنطن بشأن "إسرائيل" أو إيران أو المنطقة.
وثمة عامل آخر يزيد من تعقيد المشهد الداخلي الأردني، يتمثل في استمرار نفوذ التيارات الإسلامية. وعلى الرغم من أن السلطات قيّدت بصورة كبيرة أنشطة المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وحظرت مؤخراً ذراعها السياسية، جبهة العمل الإسلامي، فإن الحركة حافظت تاريخياً على واحدة من أقوى الشبكات الاجتماعية والسياسية في المملكة، من خلال أنشطتها الاجتماعية والخيرية.
ولم يؤدِ قمع الدولة إلى القضاء على القواعد الاجتماعية التي تستند إليها هذه الحركة. وبالتالي، لا تزال الخطابات الإسلامية التي تركز على مقاومة "إسرائيل" ومعارضة النفوذ الغربي تلقى صدى لدى قطاعات كبيرة من المجتمع.
وتخلق هذه العوامل مجتمعة نقاط ضعف بنيوية يمكن للخصوم استغلالها. ولا تحتاج إيران إلى إسقاط الملكية الأردنية لإضعاف الموقع الإقليمي للولايات المتحدة. فمجرد زيادة الضغط الداخلي على عمّان، من خلال تسليط الضوء على كلفة التحالف مع واشنطن، يمكن أن يعقّد التخطيط العسكري الأميركي والدبلوماسية الإقليمية.
وبالتالي، تواجه واشنطن معضلة من صنعها هي نفسها. فالسياسات ذاتها التي تعزز العلاقة الأمنية الثنائية تعمل أيضاً على تقويض الشرعية الداخلية لهذه الشراكة في الأردن. وتشكل الضربات الإيرانية على الأردن تذكيراً بأن الصراع بين واشنطن وطهران لا يُخاض بالأسلحة وحدها، بل أيضاً من خلال الروايات والخطابات المتنافسة. وفي هذا الصراع، يُعد الأردن الحلقة الأكثر هشاشة في السلسلة الأميركية في الشرق الأوسط. وإذا انكسرت هذه الحلقة تحت الضغط، فقد يؤدي ذلك إلى تأثير الدومينو في أنحاء المنطقة.


المصدر: ناشيونال انترست

الكاتب: محمد أيوب




روزنامة المحور