في سياق الحرب المفتوحة التي تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الإعلام والسياسة وإدارة الإدراك العام، لم تعد المعركة على الأرض منفصلة عن معركة الرواية ومعركة الإدراك( الحرب الإدراكية). ولذلك فإن اعتماد خطاب إعلامي أكثر هجوماً وحسماً من جانب "جبهة المقاومة" هو جزء أساسي ومهم وضروري من إدارة الصراع، لا مجرد خيار لغوي أو دعائي. والمقصود هنا بالخطاب الهجومي هو الانتقال -خاصة بعض الشخصيات الثقافية والإعلامية والسياسية - من موقع الدفاع والتبرير المستمر إلى موقع المبادرة في تحديد العناوين، وتسمية المسؤوليات، وطرح الإشكاليات وفرضها، لا العكس. فخيار المواجهة والمقاومة وأحقيته ومشروعيته، مهما كانت التضحيات، هو أمرٌ لا يمكن العودة للنقاش فيه أو التشكيك به، بعد 5 عقود من الانتصارات الكبيرة رغم الفارق الشاسع في الإمكانيات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية والكيان المؤقت ومن يتبعهما من دول وجهات ومنظمات وشخصيات ورؤوس أموال، منظومة إعلامية واسعة قادرة على تقديم الأحداث – عبر كافة أنواع المنصات - من زاوية واحدة، وإعادة صياغة الحرب وفق مفردات تخدم أهدافهما السياسية. وقد حذّر الإمام الخميني الراحل (ره) منذ الثمانينيات من خطورة هذا الجانب من الصراع، عندما وصف الحرب بأنها "حرب نفسية"، منتقداً في الوقت نفسه انحياز وسائل الإعلام الخارجية ضد الجمهورية الإسلامية. ومن هذا المنظور، فإن ترك الساحة الإعلامية للخصم، من خلال اعتماد لغة دفاعية تبريرية، يعني السماح لمعسكر العدوان تحديد من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه، ومن يملك حق الدفاع ومن يُصوَّر باعتباره مصدر التهديد، حتى وصل الأمر الى تحميل المقاومة وزر ما ارتكبته أمريكا وإسرائيل من جرائم ومجازر بحق شعوب المنطقة.
لذا تبرز هنا ضرورة أن يمتلك إعلام المقاومة زمام المبادرة على صناعة الرواية، بدلاً من الاكتفاء بالرد على روايات الخصم. فالخطاب الفعّال لا ينتظر صدور الرواية الإسرائيلية أو الأمريكية كي يفنّدها، بل يبدأ بتحديد إطار تفسير الأحداث: ما الذي حدث؟ من بدأ العدوان؟ ما أهدافه؟ وما النتائج التي يسعى إليها؟ وما هي قيمة التضحيات الحقيقية في التصدي للمخططات الأمريكية والإسرائيلية حاضراً ومستقبلاً؟ فمثل هذا النهج يحوّل الإعلام من جهاز علاقات عامة إلى عنصر فاعل في إدارة الصراع السياسي والنفسي، وفي معركة الوعي والإرادات.
وقد شدد الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في خطاباته خلال أكثر من 3 عقود، على أهمية "حرب الروايات"، ومسؤولية الإعلاميين في نقل الحقائق، داعياً إلى عدم ترك رواية الأحداث للخصم. كما صاغ الإمام الخامنئي مفهوم "اليد القديرة للمقاومة في حرب الروايات"، مؤكدة أن الإعلام وقادة الإعلام في جبهة المقاومة يشكلون جزءاً من هذه المواجهة. وهذا يعني أن التفوق الإعلامي لا يتحقق فقط بكثرة المنصات، وإنما بالقدرة على بناء رواية متماسكة وقابلة للانتشار والتكرار بأسلوب مبدع وخلّاق، والأهم الوصول الى الجمهور القريب وحتى البعيد والتأثير به، ومنع المعسكر المقابل من تحقيق أي نفوذ.
وفي هذا السياق، تكتسب مواقف قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد مجتبی الحسیني الخامنئي خلال الفترة الماضية أهمية خاصة. ففي رسالته الأولى بعد توليه القيادة، أكد أن إيران لم تكن تسعى إلى الحرب، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن حقوقها المشروعة، وربط هذه المعادلة بجبهة المقاومة. وفي رسالته الأحدث إلى شعوب وحكومات المنطقة، شدد كذلك على ضرورة تحديد "العدو الحقيقي" وفهم مخططاته ومواجهته، مع الدعوة إلى الوحدة الإسلامية باعتبارها عاملاً يحرم الخصم من استثمار الانقسامات.
وتحمل هذه المواقف دلالة مهمة بالنسبة إلى الخطاب الإعلامي: فالقوة لا تعني بالضرورة رفع سقف الشتائم أو استخدام لغة انفعالية، وإنما إظهار الثقة بالقدرة على الصمود، وتحديد الخصم بوضوح، ورفض الإملاءات، وإبراز الكلفة السياسية للاستمرار في العدوان. فالخطاب الهجومي الناجح هو خطاب واثق، منضبط، قائم على الوقائع، وقادر على نقل الخصم من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع والتبرير.
كما أن هذا الخطاب ينبغي أن يخاطب أكثر من جمهور في الوقت نفسه. فهو من جهة يرفع المعنويات داخل بيئة المقاومة ويمنع انتشار رواية الهزيمة والعجز، ومن جهة أخرى يخاطب الجمهور العربي والإسلامي الذي قد يكون متردداً أو متأثراً بالرواية المقابلة، ومن جهة ثالثة يوجه رسالة إلى الرأي العام الدولي مفادها أن استمرار الحرب ستكون له تبعات سياسية وأمنية وأخلاقية على الأطراف التي قررت شنها.
وهنا يمكن استحضار تجربة الإمام الخميني الذي لم يتعامل مع الإعلام باعتباره مسألة ثانوية خلال الحرب، بل أدرك أن المعركة على الوعي جزء من المعركة العسكرية والسياسية نفسها. فقد انتقد ضعف الأداء الإعلامي في مواجهة الدعاية المعادية، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً بأن امتلاك الحقيقة وحده لا يكفي إذا عجز صاحبها عن إيصالها إلى الجمهور.
وعليه، يبدو ملحا وضروريا أن يكون الفضاء الإعلامي لجبهة المقاومة في المرحلة الراهنة ليس مجرد زيادة كمية التغطية، وإنما إعادة بناء وظيفة الإعلام على أساس المبادرة الهجومية والثقة والوضوح. ينبغي أن يكون قادراً على تسمية المعتدي، وكشف أهدافه، وتفنيد دعايته، وإبراز نقاط ضعفه، وتقديم صورة متماسكة عن قدرة محور المقاومة على الصمود. وفي المقابل، يجب أن يبقى هذا الخطاب منضبطاً مهنياً وأخلاقياً، بعيداً عن الأخبار الكاذبة وما يُلصق خطأً بعنوان الحرب النفسية. فهذا النوع من الحروب، سلاحه الرئيسي الصدق وإيجاد الثقة.
وبذلك يتحول الخطاب الهجومي من مجرد لغة تصعيدية إلى أداة لإعادة توزيع القوة في المجال المعنوي والإدراكي والسياسي: من موقع الدفاع عن الرواية إلى موقع صناعتها، ومن انتظار مبادرات الخصم إلى موقع خلق التحديات أمامه، ومن التعامل مع الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فقط إلى إدارتها باعتبارها صراعاً على الوعي والإرادة والشرعية.
الكاتب: غرفة التحرير