الثلاثاء 01 أيلول , 2026 02:53

حين تخسر واشنطن قابلية القوة

الحرب بين واشنطن وطهرن ومضيق هرمز

حين يقول روبرت كاغان إن إيران انتصرت، فالمسألة لا تبدأ من إيران، بل من الرجل الذي قالها.

فكاغان ليس مراقباً جاء متأخراً إلى الشرق الأوسط، بل أحد أبرز منظّري المحافظية الجديدة الذين دافعوا طويلاً عن استخدام القوة الأمريكية لإعادة تشكيل المنطقة، انطلاقاً من عقيدة تفترض أن التفوق العسكري، إذا استُخدم بحسم، قادر على إنتاج النظام والاستقرار. لذلك فإن اعترافه بهزيمة الولايات المتحدة لا يصف نتيجة حرب فحسب؛ بل يكشف أزمة في المعادلة التي حكمت المنطقة لعقود.

إيران لم تنتصر لأنها أصبحت أقوى من أمريكا. لقد انتصرت، وفق قراءة كاغان، لأنها نجحت في جعل القوة الأمريكية أقل قابلية للاستخدام.

كانت اللحظة الفاصلة عندما نقلت طهران الحرب من السماء إلى الاقتصاد. فبعد استهداف حقل بارس الجنوبي الإيراني، جاء الرد بضرب رأس لفان في قطر. كانت الرسالة الاستراتيجية واضحة: قد لا تستطيع إيران مجاراة التفوق الجوي الأمريكي، لكنها تستطيع ضرب البنية التحتية التي يقوم عليها اقتصاد الطاقة العالمي.

وهنا تغير السؤال.

لم يعد: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يستطيع تحمل كلفة استخدامه؟

عندما أوقفت واشنطن الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية، وانتهت الحملة من دون انتزاع تنازل جوهري من طهران، اكتشفت إيران حدود الردع الأمريكي. وكل تهديد لا يُنفذ يتحول، بالنسبة إلى الخصم، إلى معلومة جديدة عن حدود الإرادة السياسية.

لكن طهران لم تكتفِ باختبار هذه الحدود. لقد بدأت بتحويل النفوذ العسكري إلى قواعد نفوذ سيادية داخل مضيق هرمز: تسجيل السفن، إصدار التصاريح، تحديد المسارات، وتوفير خدمات التأمين والأمن.

وهنا تكمن النقلة الأخطر: النفوذ لا يصبح سلطة عندما تستطيع منع الآخرين من المرور، بل عندما يصبح الآخرون مضطرين إلى طلب الإذن بالمرور.

في المقابل، تحاول واشنطن استعادة المبادرة بالعقوبات. لكن مفارقة «التسرب الصفري» تكشف حدود الأداة نفسها. فإذا كانت الصين تمثل منفذاً رئيسياً للنفط الإيراني، فإن الامتناع عن استهدافها مباشرة يجعل الحصار أقل شمولاً من الخطاب الذي يرافقه.

المشكلة إذن ليست في قدرة أمريكا على إيلام إيران، بل في قدرتها على إجبار الآخرين على دفع الثمن معها.

وهذا يقود إلى التطور الأخطر: إعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية.

فالتقارب بين السعودية وباكستان وتركيا، مع احتمال انضمام مصر، لا يبدو مجرد ترتيب أمني جديد، بل تعبيراً عن رغبة متزايدة في بناء مظلات متعددة، وعدم ترك الأمن الإقليمي رهينة قرار أمريكي واحد.

وهنا يصبح "اتفاق مكة" الذي اعلن هاكان فيدان وزير خارجية تركيا عن تسميته الرسمية ب "حلف مكة" أكثر من تفاهم دفاعي؛ إنه إشارة إلى أن دولاً كانت تاريخياً داخل المدار الأمريكي بدأت تبحث عن قدرة مستقلة على الردع، وعن بدائل للمظلة الأمريكية.

وهذا هو الخطر الحقيقي على واشنطن.

ليس أن تكون إيران قد ربحت حرباً، بل أن يكون حلفاء أمريكا قد بدأوا إعادة حساباتهم على أساس أنها قد لا تنتصر في الحرب المقبلة.

ولهذا فإن أهمية كاغان لا تكمن فقط في ما قاله، بل في موقعه من المدرسة التي ساهمت في صياغة العقيدة التي أوصلت أمريكا إلى هذه اللحظة.

حين يبدأ أحد مهندسي العقيدة بتقييم الأضرار، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بمن ربح المعركة، وأكثر ارتباطاً بمن يعيد الآن رسم قواعد النظام.

إيران لم تهزم التفوق الأمريكي. لقد هزمت قابلية واشنطن على تحويل هذا التفوق إلى نظام سياسي قابل للاستمرار.

وهنا تحديداً لا تنتهي الحرب؛ بل تبدأ معركة إعادة تعريف القوة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور