في مشهد بات مألوفاً خلال الأشهر الستة الماضية، لم تطل فترة الانتظار هذه المرة أكثر من ساعتين. فبين العدوان الأمريكي على جزيرة لارك في مضيق هرمز، والرد الإيراني الذي دك قاعدتين جويتين أمريكيتين في الأردن، لم تتجاوز الفترة الزمنية ما يكفي لبيان توعد، ثم بيان تنفيذ. لكن ما حملته هذه الساعات القليلة تجاوز بكثير كونه فقط حلقة جديدة في سلسلة المواجهات المتبادلة؛ إنه إعلان عن تغير جوهري في قواعد اللعبة، ورسالة استراتيجية أعادت تعريف مفاهيم "الردع" و"المسافة الآمنة" في الصراع الدائر حول مضيق هرمز.
فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني، فجر الاثنين 31 أغسطس 2026، تنفيذ عملية مركبة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة تحت شعار "يا محمد بن عبد الله"، استهدفت البنية التحتية الفنية ومنشآت الصيانة ومواقع تمركز مقاتلات العدو في قاعدتي "الملك حسين" و"الأزرق" الجويتين في الأردن. وجاء ذلك رداً مباشراً على عدوان أمريكي استهدف منصتي إطلاق صواريخ إيرانية في جزيرة لارك، زعمت واشنطن أنها كانت تستعد لزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز.
لم يكن الرد الإيراني فقط انتقام عسكري، بل حمل في طياته رسائل متعددة الأبعاد، غيّرت عملياً معادلة الاشتباك بين طهران وواشنطن، وأعادت تعريف مفاهيم "الردع" و"المسافة الآمنة" و"قواعد الاشتباك" في الصراع الدائر حول مضيق هرمز. وما يزيد أهمية هذه العملية أن الصواريخ انطلقت من عدة مواقع في محافظات إيرانية مختلفة، وفقاً لما أشارت إليه وسائل الإعلام الإيرانية والتلفزيون الرسمي، مما يعكس قدرة لوجستية متقدمة على إدارة عمليات متزامنة من جبهات متعددة.
سرعة الرد.. الاستخبارات أولاً
ما يميز هذه الجولة عن سابقاتها هو سرعة الرد الإيراني الفائقة. فلم يكد البيان الأول لحرس الثورة يتوعد بالرد حتى انطلقت الصواريخ والمسيرات من عدة مواقع في محافظات إيرانية مختلفة. هذه السرعة لم تكن فقط عرض قوة، بل حملت رسالة استخباراتية واضحة: إيران تعرف بالضبط من أين انطلق العدوان، وتعرف أين تتمركز القوات الأمريكية، وقادرة على الرد في اللحظة التي تختارها.
فوفقاً للبيان الإيراني، رصدت القوات الإيرانية أن الطائرة المسيرة التي نفذت العدوان على جزيرة لارك انطلقت من القواعد الأمريكية في الأردن. وهنا تكمن النقطة الجوهرية: إيران لم تكتفِ بالرد على العدوان، بل ردت على مصدر العدوان، في عملية حملت طابعاً استخباراتياً دقيقاً يتجاوز مجرد الرد العسكري العشوائي. وهذا يؤكد أن إيران تمتلك شبكة استخباراتية متطورة قادرة على تتبع تحركات الطائرات الأمريكية حتى لحظة انطلاقها، وهو ما يشكل تحدياً استخباراتياً كبيراً للقوات الأمريكية في المنطقة.
استهداف القواعد البعيدة.. رسالة مدى وقدرة
ربما كان العنصر الأكثر إثارة في الرد الإيراني هو اختيار الهدف: قاعدتان جويتان أمريكيتان في الأردن، أي على بعد أكثر من ألف كيلومتر عن الحدود الإيرانية. وهذا ليس اعتباطاً. فاستهداف قواعد في الأردن، التي تعد أبعد القواعد الأمريكية في المنطقة عن الأراضي الإيرانية، يحمل رسالة استراتيجية لا لبس فيها: لا توجد قاعدة أمريكية في المنطقة بعيدة عن متناول الصواريخ الإيرانية.
فالقواعد الأردنية، التي تشكل مركز الثقل للوجود الجوي الأمريكي في المنطقة، باتت في مرمى الصواريخ الباليستية الإيرانية. وهذا يعني أن إيران وسّعت دائرة التهديد لتشمل كل القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، وليس فقط تلك القريبة من مضيق هرمز أو الخليج. وكما ورد في بيان الحرس الثوري، فإن العملية استهدفت البنية التحتية الفنية ومنشآت الصيانة ومواقع تمركز المقاتلات، أي أنها لم تكن ضربة رمزية، بل استهدفت قدرات تشغيلية حساسة.
والأكثر من ذلك، فقد رصدت وسائل إعلام إيرانية سماع دوي انفجارات في ميناء سيريك، أشارت إلى أنها ناجمة عن استهدافات إيرانية لبعض القطع البحرية الأمريكية في مضيق هرمز. وهذا يعني أن الرد الإيراني لم يقتصر على القواعد الجوية، بل امتد ليشمل الأهداف البحرية في المضيق نفسه، مما يعكس نهجاً متكاملاً في الرد على العدوان الأمريكي.
"معركة السيطرة" على مضيق هرمز
ما يجري اليوم في مضيق هرمز هو أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إنه ما يمكن وصفه بـ"معركة السيطرة". فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، تحول المضيق إلى ساحة اختبار لقدرات الطرفين، وإلى ورقة ضغط استراتيجية بامتياز.
الولايات المتحدة، عبر القيادة المركزية، تزعم أنها تمكنت من تنظيف المضيق من الألغام واستعادة حرية الملاحة، مشيرة إلى تمرير نحو 8 ملايين برميل يومياً تحت الحماية العسكرية، حسب تصريحات وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت. لكن إيران، من جهتها، أثبتت عملياً خلال الساعات الماضية أنها ما تزال تسيطر على المضيق، وذلك من خلال استهداف ناقلة نفط في المضيق، مما أدى إلى إحراج الإدارة الأمريكية وزعزعة مزاعمها حول أمن الملاحة.
الرد الإيراني على جزيرة لارك جاء ليؤكد أن إيران تمتلك القدرة على فرض سيطرتها على المضيق، وأن المحاولات الأمريكية لفتحه بالقوة العسكرية ستبقى محدودة ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات سياسية. فكما جاء على لسان المتحدث باسم حرس الثورة العميد حسين محبي، فإن العدوان على جزيرة لارك هو "خطأ استراتيجي وقاتل من جانب نظام ترامب خلال الحرب الاقتصادية، وسيترتب عليه تكاليف باهظة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري". وأضاف محبي أن هذا الإجراء "سيغير موازين القوى ضد من خططه، وسيدفع العدو ثمن تبعات هذا الحساب الخاطئ".
تعدد الجبهات.. توسيع دائرة الاشتباك
لم تقتصر العملية الإيرانية على استهداف القاعدتين الأردنيتين، بل ترددت أنباء عن استهداف قواعد أمريكية في دول أخرى أيضاً منها الإمارات. هذا التوسع في العمليات يحمل رسالة أخرى: إيران قادرة على شن هجمات متزامنة على أهداف متباعدة، باستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، في عملية منسقة تعكس مستوى متقدماً من التخطيط العملياتي والقدرات اللوجستية.
تعدد الجبهات يعكس أيضاً استراتيجية إيرانية تهدف إلى إرهاق القوات الأمريكية في المنطقة، واختبار قدراتها على التصدي لهجمات متزامنة من اتجاهات متعددة. وهذا يضع القيادة المركزية الأمريكية في موقف دفاعي، حيث تضطر إلى توزيع قدراتها الدفاعية على عدة مواقع، مما يقلل من فعالية ردعها.
الموقف الأمريكي.. بين الادعاء والإحراج
في المقابل، بدا الموقف الأمريكي متردداً بين التأكيد على أن العملية كانت "محدودة ودقيقة"، وبين محاولة احتواء التداعيات. فقد زعم مسؤولون أمريكيون، وفقاً لما نقلته "فوكس نيوز"، أن معظم الصواريخ الإيرانية تم اعتراضها، لكن أكد بيان حرس الثورة والمصادر الرسمية في إيران عن "خسائر فادحة" في القاعدتين. وما يثير الانتباه أن البنتاغون أحال الاستفسارات إلى القيادة المركزية، في إشارة إلى أن العملية لم تكن منسقة من واشنطن بشكل مباشر، أو ربما تحاول الإدارة إبعاد نفسها عن تبعاتها.
الأهم من ذلك هو ما كشفته صحيفة "واشنطن بوست" عن تحذيرات كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين لوزير الحرب، من أن استمرار وتيرة العمليات العسكرية ضد إيران "غير قابلة للاستدامة" وستضعف القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة. وهذه إشارة واضحة إلى أن الجيش الأمريكي يعاني من أزمة ذخائر، خاصة من الصواريخ الدفاعية مثل "باتريوت" ومنظومة "ثاد"، بعد أشهر من المواجهات المستمرة. وقد لجأت وزارة الدفاع إلى عقود مستعجلة مع شركات تصنيع السلاح لتزويدها بهذه المنظومات، لكن هذا يعكس أزمة عميقة في القدرات الدفاعية الأمريكية في المنطقة.
على الصعيد السياسي، هناك شبه إجماع على أن الإدارة الأمريكية لا تعرف إلى أين تذهب وأين تقودها هذه الحرب. فقد قال السناتور الديمقراطي مارك كيلي، أحد القيادات الوازنة داخل الحزب الديمقراطي، إن شن الحرب على إيران دون خطة، والتهديد بقصف عُمان، ومعاناة البحارة الأمريكيين في حاملة الطائرات USS لينكولن، لن تجعل الولايات المتحدة أكثر أماناً، بل على العكس ستضعفها، وأن ترامب لا يدرك ما يفعله. وهذا يعكس انقساماً سياسياً داخل الولايات المتحدة حول جدوى التصعيد مع إيران.
قواعد اشتباك جديدة
إذا كان هناك ما يمكن استخلاصه من هذه الجولة، فهو أن قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة قد تغيرت بشكل جذري:
أولاً: لم تعد القواعد الأمريكية البعيدة عن إيران في مأمن. فالمدى لم يعد عائقاً، والقدرة على الاستهداف لم تعد تقتصر على الجبهات القريبة. والأردن، الذي يعد أبعد نقطة عن إيران، بات في مرمى الصواريخ الإيرانية.
ثانياً: سرعة الرد الإيراني تعني أن أي عدوان أمريكي سيواجه برد فوري، ولن تترك فجوة زمنية تسمح للولايات المتحدة بتحقيق مكاسب تكتيكية دون ثمن. فالرد جاء خلال ساعتين فقط، وهو أسرع رد إيراني في تاريخ المواجهات مع الولايات المتحدة.
ثالثاً: إيران لم تعد ترد على الأهداف الأمريكية في البحر فقط، بل توسعت لتشمل القواعد البرية في دول الجوار، مما يضع هذه الدول في موقع حرج أمام واشنطن.
رابعاً: الحرب الاقتصادية التي تركز عليها إدارة ترامب لم تعد منفصلة عن المسار العسكري؛ فكل تصعيد عسكري يترتب عليه تداعيات اقتصادية، والعكس صحيح. فارتفاع أسعار النفط والوقود إلى مستويات قياسية منذ بداية الحرب يؤكد أن أي محاولة لفتح المضيق بالقوة سيكون لها تداعيات اقتصادية فورية على الولايات المتحدة وحلفائها.
مأزق أمريكي واستراتيجية إيرانية
ما شهدناه في الساعات الماضية ليس فقط حلقة في مسلسل التصعيد، بل هو مؤشر على تحول استراتيجي في المواجهة. فإيران أثبتت أنها قادرة على الرد السريع والقوي، وأنها تمتلك قدرات استخباراتية وعسكرية تمكنها من استهداف القواعد الأمريكية البعيدة. وفي المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية عاجزة عن كسر هذا المنطق، ومحبطة في محاولاتها لفتح المضيق بالقوة.
البيان الإيراني ختم بالقول: "يا أبناء الشعب الإيراني الشريف، إن 183 ليلة من حضوركم الملحمي المتواصل والتاريخي في الميدان قد ألقت بالعدو في حالة من الذهول والحيرة". وهذا ليس فقط خطاب تحريضي، بل اعتراف بأن إيران تراهن على عامل الوقت، وقدرتها على إطالة أمد المواجهة، في مقابل نفاد صبر واشنطن وقدراتها.
تبقى علامة الاستفهام الكبرى: ماذا بعد؟ هل ستكتفي إيران بهذا الرد، أم أن التصعيد مقبل على جولات جديدة؟ وهل ستتراجع واشنطن عن مغامراتها العسكرية، أم ستضاعف المحاولات لكسر الإرادة الإيرانية؟ ما هو مؤكد أن معادلة "ضربة مقابل ضربة" لم تعد صالحة، وأن إيران فرضت معادلة جديدة: "ضربة أمريكية يساوي رد إيراني على عدة جبهات". وهذه المعادلة وحدها كفيلة بتغيير ملامح الصراع في المنطقة للأشهر القادمة.
في حال أرادت إيران توسيع المعركة، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها في مأزق حقيقي، لأن استمرار العمليات بهذه الوتيرة سيستنزف قدراتها الدفاعية، وسيزيد من الضغوط السياسية الداخلية عليها مع اقتراب الانتخابات النصفية. وإذا ما أرادت واشنطن التصعيد، فإنها ستواجه رداً إيرانياً "أقوى وأشد"، كما أكد المسؤولون الإيرانيون. وفي كل الأحوال، يبدو أن مضيق هرمز سيبقى ساحة المواجهة الأبرز، وأن معركة السيطرة عليه لم تحسم بعد، لكنها تتجه نحو مزيد من التعقيد والتداخل بين الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]