تجاوزت المواجهة الأمريكية-الإيرانية ستة أشهر من القتال المتواصل، وهو ما أسقط التقدير الاستخباراتي الأمريكي الصادر في أيار 2026، والذي كان قد قدّر أن طهران لن تصمد أمام الحصار البحري الأمريكي أكثر من ثلاثة إلى أربعة أشهر قبل أن تنهار تحت وطأة الضغوط الاقتصادية. لقد كان الافتراض الأولي حول سرعة تفكك القدرة الإيرانية متفائلًا إلى حد المبالغة، إذ راهنت واشنطن على أن القوة العسكرية وحدها كفيلة بإجبار طهران على القبول بتسوية وفق شروطها. غير أن الوقائع سارت في اتجاه مغاير؛ فقد نجحت إيران في التكيف مع الحرب، بينما تعثرت الأهداف السياسية التي قامت عليها الحملة الأمريكية-الإسرائيلية، من إسقاط النظام إلى تفكيك الترسانة الصاروخية والبرنامج النووي. وبذلك تحوّلت المواجهة من صراع على القدرات العسكرية إلى صراع على التحمّل السياسي ورافعة التفاوض، فلم يعد السؤال الجوهري من يستطيع القتال مدة أطول، بل من يقدر على مواصلة الحرب من دون أن يُضطر إلى تعديل أهدافه السياسية أولًا.
على الصعيد الاقتصادي، تكشف المؤشرات عن كلفة أمريكية مركّبة تتوزع بين ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد التضخم وتنامي الإنفاق العسكري. فقد دفع المستهلك الأمريكي منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026 عشرات المليارات من الدولارات الإضافية على الوقود، وارتفع متوسط الرهن العقاري إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات، فيما بلغت كلفة الحملة العسكرية على إيران وفق تقديرات مراكز أبحاث أمريكية أرقامًا تجاوزت الأربعين مليار دولار، إضافة إلى طلب الإدارة الأمريكية تمويلًا استثنائيًا لإعادة بناء المخزونات الصاروخية المستنزفة. والمفارقة أن هذه الأعباء تتقاطع مع أرباح قياسية حققتها شركات التكرير الأمريكية الكبرى، وهو ما يولّد اختلالًا سياسيًا داخليًا يدفع ثمنه المواطن العادي بينما تجني القلة مكاسب استثنائية. وتزداد الصورة تعقيدًا حين تُقرأ هذه التكاليف في سياق دين وطني أمريكي بلغ أربعين تريليون دولار، ما يجعل كلفة الحرب عبئًا إضافيًا على بنية مالية مثقلة أصلًا.
في المقابل، تعيش إيران وضعًا اقتصاديًا بالغ الصعوبة، إذ انكمش ناتجها المحلي وتجاوز التضخم فيها الثمانين بالمئة، وارتفعت أسعار الغذاء ارتفاعًا حادًا، وتدهورت قيمة عملتها الوطنية. بيد أن طهران استندت إلى نموذج "الاقتصاد المقاوم" الذي راكمته عبر عقود من العيش تحت العقوبات، فاعتمدت على التصنيع المحلي والمقايضة وتنويع مسارات التجارة بعيدًا عن القنوات التقليدية، وهو ما مكّنها من الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار رغم قسوة الحصار. وقد أشارت تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن إيران قادرة على تحمّل الحصار البحري لمدة تتراوح بين تسعين ومئة وعشرين يومًا على الأقل، وربما أطول، مستفيدة من آليات تخزين النفط على الناقلات وخفض الإنتاج بدل وقفه وتهريب النفط عبر مسارات بديلة. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الطرفين: فالولايات المتحدة تستطيع امتصاص كلفة مالية أكبر بالقيمة المطلقة، لكن إيران، رغم أن كلفتها أكبر نسبيًا إلى حجم اقتصادها، تملك خبرة تراكمية في التحول من منطق النمو إلى منطق البقاء، وهي عملية لا تجيدها اقتصادات "طبيعية" كالاقتصاد الأمريكي الذي يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ غير مألوف.
أما على المستوى السياسي، فتواجه واشنطن كلفة تتعلق بتآكل مصداقيتها كضامن أمني، إذ دفعت الحرب دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها التقليدي على المظلة الأمريكية، وهو ما تجلّى في بروز تحالفات إقليمية بديلة كتحالف مكة الثلاثي. كما تعاني الإدارة الأمريكية من فجوة بين التفوق العسكري الميداني والعجز عن تحويله إلى مكاسب سياسية دائمة، فبعدما دخلت الحرب على أساس أن القوة ستفرض الامتثال الإيراني وربما تفتح الطريق أمام تغيير النظام، انتهى الأمر بواشنطن إلى البحث عن تسوية بينما بقيت القضايا الجوهرية معلقة دون حل. في المقابل، تحوّلت الكلفة السياسية في الحالة الإيرانية من عبء إلى عائد؛ فالنظام لم يسقط، بل أعاد إنتاج شرعيته الدفاعية عبر تحويل الحرب إلى أداة تعبئة وطنية، محافظًا على تماسكه المؤسسي من دون انشقاقات كبرى في القيادة، وهو ما أفشل الافتراض الأمريكي بأن الضربات الدقيقة ستولّد انقسامًا داخليًا.
وعلى الصعيد المعنوي والاستراتيجي، تبدو صورة القوة الأمريكية أكثر اهتزازًا من الخسائر المالية ذاتها، فتدهور أوضاع حاملات الطائرات الأمريكية، وتصاعد المخاوف بشأن الصحة النفسية لأطقمها بعد فترات انتشار استثنائية الطول، يعكسان كلفة معنوية باهظة. في المقابل، تحوّل "التحمّل" ذاته إلى استراتيجية إيرانية معلنة، تعزّزها استطلاعات الرأي العام الداخلي التي تُظهر تأييدًا واسعًا لمواصلة الحرب وثقة مرتفعة بالمؤسسة العسكرية. استراتيجيًا، خرجت إيران بمكسب لافت يتمثل في قدرتها الفعلية على التحكم بمضيق هرمز، إذ انخفض متوسط العبور اليومي للسفن انخفاضًا حادًا، ما منحها ورقة تفاوضية ثقيلة الوزن. في المقابل، تواجه واشنطن مشكلة "التمدد الاستراتيجي" بعدما اضطرت لسحب موارد عسكرية من مسارح أخرى، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرتها المستقبلية على مواجهة خصوم من وزن الصين.
في الخلاصة، تحوّلت هذه المواجهة إلى صراع استنزاف وإرادات سياسية أكثر منها معركة تفوق ناري محض. صحيح أن الولايات المتحدة قادرة من حيث المبدأ على تمويل حرب طويلة، لكنها تصطدم بقيود فعلية في الذخائر وسلاسل الإمداد والكلفة السياسية والقدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية ملموسة. في المقابل، أثبتت إيران، رغم ضعفها الاقتصادي والعسكري النسبي، قدرة أكبر مما توقعته واشنطن على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج قدرتها القتالية وتحويل طول أمد الحرب إلى أداة ضغط معاكسة. وتبعًا لذلك، تبدو قدرة التحمّل الأمريكية في مسار تآكل متسارع مع استمرار إغلاق المضيق واقتراب الانتخابات النصفية، بينما تملك طهران هوامش مرونة تكتيكية للتعامل مع مشكلاتها التي تبقى عملياتية أكثر منها استراتيجية. وهذا ما يرجّح، في ضوء المعطيات الراهنة، كفة القدرة الإيرانية على التحمّل في مواجهة أزمات استراتيجية أمريكية عميقة لم تجد واشنطن بعد حلولًا ناجزة لها.
الكاتب: غرفة التحرير