في مشهد سياسي يعجّ بالتناقضات، تطلّ واشنطن مجدداً بوجهها المزدوج؛ ففي الوقت الذي تلوّح فيه بسياط العقوبات الاقتصادية الجديدة، تبعث برسائل خفية خلف الكواليس، وتجري اتصالات مباشرة مع قادة الدول، وكأنها تريد أن تقول للعالم: "نحن نعاقبكم، ولكننا نرغب في التفاهم معكم". هذا التناقض الصارخ، بين التصعيد العلني والدبلوماسية الهادئة، بين التهديد بالحرب النفسية والإقرار بالعجز الميداني، هو ما يضعنا أمام سؤال جوهري: هل خطة العقوبات الاقتصادية الأميركية هي استراتيجية ضغط حقيقية، أم اعتراف ضمني بفشل الحرب، أم مجرد بروباغندا إعلامية تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي؟
العقوبات الجديدة – ماذا تقول واشنطن؟
أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، بقيادة وزيرها سكوت بيسنت، عن سلسلة عقوبات جديدة تطاول قطاعات حساسة: الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران، والشحن. ومنحت الدول والكيانات مهلة زمنية محدودة لوقف تعاملاتها مع إيران، تحت طائلة العقوبات. وقال بيسنت بلهجة التهديد والوعيد: "لكل دولة مهلة زمنية محددة لوقف الأنشطة التي حددناها، وإذا لم تتخذ هذه الدول إجراءات، فسنتحرك من جانب واحد باستخدام صلاحيات وزارة الخزانة. الساعة بدأت، الآن العد التنازلي".
لكن اللافت أن الإدارة الأميركية، وفيما تلوح بهذه التهديدات، لجأت إلى ما وصفه بيسنت بـ"الدبلوماسية الهادئة"، ولا سيما مع الصين، الشريك التجاري الأكبر لإيران. وهذا ليس سوى اعتراف ضمني بأن واشنطن تدرك أن العقوبات الأحادية لن تجدي نفعاً دون تعاون دولي، وأن الصين، بوزنها الاقتصادي والسياسي، هي المفتاح الحقيقي لأي استراتيجية عزل اقتصادي.
الحرب النفسية والبروباغندا – قراءة في المشهد الإيراني
هنا لا بد من التوقف عند قراءة المصادر الأمنية الإيرانية، التي لم تتردد في وصف خطط الضغط الاقتصادي بأنها "بروباغندا إعلامية" و"حرب نفسية" و"خدع إعلامية"، تُنفَّذ عشية إعادة فتح الأسواق المالية بهدف التحكم في أسعار الطاقة. واللافت أن هذه المصادر تشير إلى أن تهديدات ترامب بضرب البنى التحتية، واستهداف الجسور، وما سمّاه "تحرير مضيق هرمز"، ليست أكثر من أدوات ضغط نفسي، لا تمتلك واشنطن الجرأة على تنفيذها فعلياً.
وهنا يكمن السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا تلجأ إدارة ترامب إلى هذه اللعبة المزدوجة؟ الإجابة، تكمن في أن واشنطن عاجزة في ساحة المعركة. الحرب التي خاضتها ضد إيران، بكل ما حملته من اغتيالات وتهديدات، لم تحقق أهدافها، بل على العكس، أثبتت القيادة الإيرانية صموداً مذهلاً جعل الخيار العسكري الأميركي يبدو وكأنه انتحار استراتيجي. وهنا، تصبح العقوبات الاقتصادية، غطاءً إعلامياً للفشل العسكري، ومحاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية لا يمكن تحقيقها عبر الميدان.
نقاط القوة الإيرانية – لماذا لن تنجح العقوبات؟
في مواجهة هذه الضغوط، تمتلك إيران عوامل صمود داخلية وخارجية تجعل فكرة العزل الاقتصادي تبدو، في أفضل الأحوال، مبالغاً فيها، وفي أسوأها، وهمية.
أولاً: الخبرة الطويلة في التكيف مع العقوبات – فإيران التي تخضع لعقوبات غربية منذ أربعة عقود، أنشأت شبكة مؤسساتية وهندسة مالية بديلة، وطورت قاعدة صناعية وزراعية واسعة، جعلتها أقل اعتماداً على الخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ثانياً: الموقع الجيوسياسي والحدود البرية الواسعة – فإيران تشترك في حدود برية مع سبع دول، مما يجعل فكرة الحصار الاقتصادي بدائية التصور، خصوصاً مع وجود حلفاء وتجّار في المنطقة يرتبطون بمصالح مشتركة مع طهران.
ثالثاً: مضيق هرمز – ورقة الضغط الأقوى – فطالما أن العقوبات قائمة، فإن إيران تملك القدرة على إغلاق المضيق أو تعريض حركة الملاحة فيه لمخاطر عالية، وهو ما يرفع كلفة العقوبات على الاقتصاد العالمي، ويجعل عمر هذه العقوبات مرهوناً بحسابات الربح والخسارة لدى الأطراف الدولية، لا سيما الصين والهند والدول الأوروبية.
رابعاً: العلاقات التجارية مع الشرق – الصين التي تستحوذ على الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، لن تتخلى عن هذه العلاقة التي تدرّ عليها نفطاً بأسعار تنافسية، بعيداً عن الهيمنة الأميركية. وحتى لو خفّضت بكين وارداتها، فإنها ستبقيها عند مستوى يضمن استمرار التبادل التجاري، بما يحقق مصلحة الطرفين.
ثمن الصمود وحجم التحديات
لا يعني هذا التحليل أن العقوبات ستمر بلا تأثير، فهي بلا شك ستفرض كلفة اقتصادية على الشعب الإيراني. التضخم، تراجع القوة الشرائية، انخفاض عائدات النفط، صعوبة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بعد حرب كلفت طهران أكثر من 300 مليار دولار، كلها تحديات حقيقية ستواجهها البلاد.
لكن السؤال الأهم: هل هذه التحديات كافية لدفع القيادة الإيرانية إلى طاولة التفاوض لتقديم تنازلات؟ هنا، يتوقف التحليل عند عاملين حاسمين:
- الاغتيالات التي طالت قادة إيران – والتي كانت، "الرصاصة التي قضت على أي فرصة لبناء الثقة"، خصوصاً أنها جاءت في وقت كانت المفاوضات مستمرة في جنيف. القيادة الإيرانية لن تفرط بثمار صمودها العسكري بهذه السهولة.
- الزمن في غير صالح ترامب – فالانتخابات النصفية تقترب، والشكوى الشعبية من ارتفاع الأسعار قد تتصاعد، وكل يوم تمر فيه العقوبات دون تحقيق نتائج سياسية، يتحول إلى إحراج جديد للإدارة الأميركية.
الثمن الذي سيدفعه المستهلك الأميركي
المفارقة الصارخة أن الحرب الاقتصادية على إيران لا تستهدف طهران فقط، بل سترتد، بقوة، على المستهلك الأميركي نفسه. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، وتقلبات الأسواق المالية، والدين العام الأمريكي الذي وصل إلى أكثر من 40 تريليون دولار، كلها نتائج حتمية لأي تصعيد في منطقة الخليج. والسؤال الذي يجب أن تطرحه واشنطن على نفسها: هل العقوبات الجديدة ستكون أقل تكلفة من الحرب، أم أنها مجرد تحويل للأزمة من ساحة المعركة إلى جيوب المواطنين الأميركيين؟
استراتيجية ضغط أم بروباغندا؟
يمكن القول إن خطة العقوبات الاقتصادية الأميركية ليست استراتيجية ضغط متكاملة، بقدر ما هي:
أولاً: اعتراف ضمني بفشل الخيار العسكري – فمن يملك القدرة على الحسم في الميدان لا يحتاج إلى كل هذا العناء في إعادة تشكيل أدوات الضغط الاقتصادي.
ثانياً: بروباغندا إعلامية وحرب نفسية – تهدف إلى إرهاق الشعب الإيراني ودفعه إلى الضغط على قيادته، في وقت تعجز فيه واشنطن عن إحداث أي اختراق سياسي مباشر.
ثالثاً: لعبة مزدوجة – تجمع بين التهديد العلني والدبلوماسية الخفية، وكأن إدارة ترامب تراهن على أن الضغط الاقتصادي قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكنها في الوقت نفسه تترك الباب مفتوحاً للتفاوض، وكأنها تبحث عن مخرج يحفظ لها ماء الوجه.
في النهاية، فإن الولايات المتحدة فعلت عملياً كل ما استطاعت فعله ضد الشعب الإيراني وصولاً إلى الحصار البحري، وما تبقى هو مجرد ألعاب إعلامية ونفسية. وهنا، يبقى السؤال الأهم معلقاً في الهواء: إلى متى ستستمر هذه اللعبة؟ وإلى متى سيبقى العالم رهينة لأدوات الضغط العقيمة التي لا تزيد المنطقة إلا احتراقاً، والمستهلك الأميركي إلا فقراً؟ الإجابة، كما يبدو، ليست في واشنطن، بل في توازنات القوى الجديدة التي يعيد تشكيلها عالم متعدد الأقطاب، لا يرضخ بسهولة لتهديدات البيت الأبيض.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]