الإثنين 24 آب , 2026 01:02

لماذا لا يستسلم الشيعة؟ قراءة في الذاكرة التاريخية

مجتمع المقاومة

بالتأكيد فإنّ ما يحصل اليوم من حربٍ ضروس على فئة محددة من سكان العالم، لأنّهم اختاروا أن لا يكونوا في ركب المستسلمين للغرب، أو من أولئك الراكبين لموجة التطبيع مع العدوّ الصهيوني. هذه الحرب -المتواصلة منذ عامين علينا- سيؤرَّخ لها بكونها من الفواصل التاريخية في تاريخ الجماعة الشيعية اللبنانية. ولكن ثمّة سؤال في هذا الخصوص، هل هذه الأحداث هي الأولى من نوعها على هذه الثلة؟ أم أن تاريخها يحمل في طيّاته الأحداث والخيارات المتشابهة، والحملات الوظيفية ذاتها التي سعت للنيل منها، ومحاولة تغيير اختياراتها بما يتناسب مع خيارات الكبار!

قد يظنّ البعض بأنّ ما يجري اليوم هو اتفاق بين الزمان والمكان والشخصيات اللاعبة فيهما، وأنّ هناك خصوصية لأحزاب ورجال محددين في هذه الجماعة جعلت من خياراتها بهذه الحدّة وعلى هذا المستوى من الشجاعة. ولكن بالرجوع للتاريخ، نجد بأنّ جماعة الشيعة تشهد توازنًا ملحوظًا على مستوى الخيارات، وبالتقاطع مع حاضرنا اليوم فإنّ شبهًا بارزًا يلوح بين خيارها بالأمس وخيارها اليوم. هذا الثبات في تحديد الوجهة والسير وفق الوتيرة عينها، مع ما يجري من ترجيف يمارسه عدو يؤسطر لنفس اليوم بكونه يعلم كل شيء وغير خاضع للمعايير السابقة التي تجدي معها "المقاومات"، يضعنا أمام التساؤلات التالية: منذ متى والشيعة يعاندون الجلّاد؟ ولماذا الشيعة دومًا حساسون من المستعمر ولا يرضون بأن يحكمهم أحد؟ ثمّ ما المخزونٍ والإرثٍ التاريخي الذي يدفعها إلى الأمام رغم ما تواجهه من صعوبات؟ بالتأكيد إنّ هناك ما جعلهم يشعرون بالفخر من أمر يكررونه، بل ربما يقول أحدهم إنّما هذا الأمر هو ما تشكّل وعينا عليه، وهو ما نعتقد بأنّ وجودنا مدين إليه.

أولًا، الجماعة الشيعية، وتحديدًا في بلاد الشام بالقدر المتيقن، هي من الجماعات القليلة التي تعاقبت عليها عدّة أجندات خارجية حاولت القضاء عليها لأسباب عديدة، منها اعتقاد الأجندات بخطورة المفاهيم الموجودة في الإرث الثوري للجماعة، ومع ذلك استطاعت أن تخرج من كل تلك المحاولات ومن دون حليف خارجي. يبدو أنّ للجماعة عمقًا تاريخيًا شكّل وعيها الذي يتجلّى اليوم، فإنّه يومًا بعد آخر يبدو أنّ هناك تنمية في الاختيار لديهم بما يتناسب مع زيادة حدّة العدوّ الموظّف ضدّهم للقضاء عليهم.

ثانيًا، قد يُسأل بأنّه على ماذا يستند هؤلاء، وفي إجابة ذلك فإنّ هذه الجماعة لا يمكن فكّها عن الجذر التأسيسي الذي وُلدت منه. وأقصد ما ارتبطت به تاريخيًا مع تنوّع الفوارق زمنًا بينها، وهنا يبرز مفهوم النهضة والمقاومة والعزّة. إنّ الجماعة تستند للمخزون والإرث الإمامي، أي ما يُنسب للأئمة من ولد عليّ عليه السلام رئيس الجماعة وإمامها، ويمكن سرد الكثير في هذا الخصوص من السيرة الراشدة لهؤلاء الأئمة، ولكن نكتفي بوضع مقولات لها سياقات متقاربة، فقول أمير المؤمنين عليه السلام: "الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين" تختصر الكثير، فهم لا يريدون الحياة فقط، بل يريدونها بما يتناسب مع خياراتهم وكرامتهم، وبما لا يتيح للجلّاد المسّ برقبة أحدهم، لذلك تجد أنّ للشيعة أبطالًا قضوا في ذروة صراعٍ ما، لمجرّد أنّهم لم يقبلوا بالتسليم لإرادة محتل أو متكبّر، فمنهم مثلًا أدهم خنجر وصادق حمزة، القياديان البارزان في مواجهة المحتل الفرنسي في أوائل القرن الماضي رغم رجحان ميزان القوة للمحتل، ولكن هكذا الشيعة بطبيعتهم لا يسلّمون. لماذا؟

ثالثًا، لأنّهم ربيّو أئمتهم أصحاب المواقف الخالدة، فهم من الحسين سبط رسول الله (ص) الذي قال: "ألا إنّ الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلة، وهيهات منّا الذلّة". نحن نقرأ عمق المعنى الآن، وثقل الكلمة، ولكن متى ما تعرف كواليسها وحال الرجل عندما قالها، تجدها أشدّ عظمة، وكاشفة عن هوية القائد والمجتمع الذي يُنتسب إليه اليوم. فالحسين (ع) -وهو ابن بنت رسول الله- دُعيَ لكي يبايع يزيد -ويزيد بشهادة جميع المسلمين ليس مؤهّلًا لقيادة الأمة الإسلامية حينها- فأطلق الحسين وقتها موقفًا تاريخيًا سنرى انعكاسه في تاريخنا الحاضر، ليقول لمن يريد أخذ البيعة: "مثلي لا يبايع مثله"، وهو الموقف المماثل الذي أطلقه السيد الشهيد علي الخامنئي قبل أشهر في آخر مواقفه في معرض تأكيده على رفض مطالب ترامب، رغم ما كان يعلمه من التلويح الأميركي الإسرائيلي باستهدافه.

الحسين أيضًا في ظهر عاشوراء، وحيث ينتفي الكلام عن موازين قوى ومعادلات قد تتيح للحسين المناورة كي يقلب الدفّة لصالح جماعته، وفيما يصفه بعض معاصريه بالمنتحر، وبعدما بات المصير محتومًا بملاقاة المنون، يأتي عمر بن سعد -قائد جيش يزيد ضد الحسين حينها- كي يعاود التوسّط للحسين لدى يزيد، أنّه إذا سلّمت بالبيعة نعفيك من القتل، فيقول الحسين: "والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد".

والجماعة الشيعية أيضًا، من علي السجّاد -نجل الحسين بن علي- الذي بعد مقتل والده، وفي ذروة الهزيمة الظاهرية كما يراها البعض اليوم، يقول ليزيد -قاتل أبيه-: "أبالموت تهددني؟ إنّ الموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة".

هذه المواقف أسّست لتاريخ مثير من المواقف المشابهة، لرجالٍ شكّلت أمّة، ولكن من الملفت أنّ الجماعة لم تكن تنكسر وتفنى عند قضاء العدوّ على قائدها، بل سرعان ما تستعيد القدرة على مواجهة الجلّاد نفسه، وتتغلّب عليه. يمكن أن نقول إنّ هذا استقراء تام لحال الجماعة في السنين المتعاقبة في هذه الجزئية. وما يفسّر ذلك أنّ الجماعة رغم الضغط الأقصى الذي يُمارس عليها منذ زمن، لم ترحل! بل بقيت وتجذّرت.

هؤلاء يعود تاريخهم في لبنان لما قبل الفتح الإسلامي، وربما هم السكّان الأول لهذه الجغرافيا، لا سيما أبناء القرى الجنوبية الذين يعود جذرهم لقبيلة عاملة. يخطئ من يظنّ بأنّ الشيعة في لبنان بدأ تاريخهم من السيد عبد الحسين شرف الدين فقط، وأنّهم أنجبوا قادة تاريخيين كالإمام موسى الصدر والسيد حسن نصر الله بشكل استثنائي ولحظوي أنتجته اللحظة الأمنية للبلد. بلى هؤلاء قادة عظام، بل من الأعظم لديهم. ولكن من يريد أن يعرف الجماعة سيجد أنّ المسار الطبيعي لها هو فرز قادة مجدّدًا ليقودوا الجماعة بشكل تلقائي.

من هذا الفهم، فإنّ الشيعة لن يسلّموا، سواء أُقتل بعضهم أو كلّهم، سواء أُدُمّر بيتهم أو رزقهم، هي لحظة حسّاسة تقتضي استنفار الجماعة للذود عن نفسها، لذا من الطبيعي اليوم أن تراهم يستعيدون الإرث المشهور: "هيهات منّا الذلّة". سواء أرأيت ذلك من امرأةٍ نازحة تعاني شظف التهجير، أم طفلٍ يعاني البرد لا يفهم لِمَ هو خارج بيته أصلًا، أو من رجل يقاوم وهو يعلم أنّه يستقبل الموت مكشوف الصدر. ولكنّه يتمتم ويقول: "أولسنا على الحقّ؟ إذًا لا نبالي، أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا".

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


الكاتب: أيمن قاسم




روزنامة المحور