لا تخوض الجمهورية الإسلامية في إيران مواجهتها الحالية مع أمريكا وفق منطق المعركة التقليدية التي يكون فيها الانتصار مرتبطاً بتدمير قوات الخصم أو إسقاط مواقعه العسكرية في ضربة واحدة. فما تفعله طهران يقوم على معادلة أكثر تعقيداً: تحويل الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا، على امتداد الزمن، من مصدر للقوة والنفوذ إلى مصدر للاستنزاف والخطر والتكلفة. إنها حرب بالنقاط، أو ما يمكن وصفه بـ"العمل العسكري التراكمي"، حيث لا يكون الهدف تحقيق انتصار حاسم في مواجهة واحدة، وإنما تراكم عدد كبير من الضربات والضغوط والخسائر وسلب النفوذ، التي الإدارة الأمريكية في النهاية إلى إعادة النظر في جدوى بقائها العسكري في المنطقة.
هذه الاستراتيجية تنطلق من إدراك إيراني لطبيعة ميزان القوى، ولأهمية استخدام ميزة الحرب غير المتماثلة، ولذلك يجري اعتماد حرب استنزاف متعددة المستويات، تقوم على عمليات متكررة ومحدودة، وتوزيع الضغط جغرافياً (وحدة الساحات)، واستخدام وسائل عسكرية منخفضة الكلفة نسبياً بنسق إغراقي، في مقابل أنظمة أمريكية باهظة الثمن. وبذلك تصبح كل ضربة جزءاً من عملية أطول هدفها ليس فقط إلحاق الضرر، وإنما رفع كلفة الوجود الأمريكي بشرياً ومادياً.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في المقاربة الإيرانية: معادلة الكلفة. فإطلاق طائرة مسيّرة أو صاروخ لا يفرض على أمريكا مجرد اعتراضه، بل يجبرها على تشغيل منظومات دفاع جوي وصاروخي مكلفة، وتأمين القواعد، وتعزيز التحصينات، وإعادة توزيع القوات، وتغيير طرق الإمداد والحركة. ومع تكرار هذه العملية، تبدأ القاعدة العسكرية بفقدان وظيفتها الأصلية. فالموقع الذي يفترض أن يكون منصة للعمليات والنفوذ يصبح منشأة تحتاج إلى حماية مستمرة، وقوة متمركزة فيه تحتاج إلى الاختباء والتشتت وإعادة الانتشار.
وتكشف الساحات العراقية والخليجية جانباً واضحاً من هذه المعادلة. فالهجمات المتكررة على المواقع والقواعد الأمريكية في المنطقة، ساهمت في تقليص حرية حركة القوات الأمريكية ودفعها نحو الانتشار الأصغر والأكثر تشتتاً. وهذا بالضبط ما تريده استراتيجية الاستنزاف: إجبار القوة الأكبر على إنفاق المزيد من الموارد من أجل الحفاظ على وجود أقل فاعلية.
لكن التحول الأخطر لا يتعلق بحجم الأضرار العسكرية وحده، بل ببدء ظهور آثارها في الخطاب الأمريكي نفسه. فحين يصبح السؤال داخل واشنطن ليس "كيف نوسع وجودنا؟" وإنما "هل يستحق هذا الوجود كلفته؟"، تكون الحرب بالنقاط قد بدأت بتحقيق أحد أهم أهدافها الاستراتيجية. وتشير المادة إلى أن الرأي العام وصناع القرار الأمريكيين يواجهون ضغوطاً متزايدة بشأن جدوى إبقاء القوات في العراق وسوريا، في ظل الخسائر البشرية والتكاليف المالية الكبيرة.
والأكثر دلالة أن أصواتاً أمريكية باتت تصف القواعد نفسها بأنها جزء من المشكلة. فقد كتب إليوت أبرامز أن البنية التحتية العسكرية الأمريكية الحالية "أصبحت متخلفة عن العصر وتُعرّض القوات الأمريكية للخطر"، فيما أقر بأن نقل القوات إلى مواقع أبعد عن إيران لا يوفر حماية كاملة، مستشهداً بالخسائر التي وقعت في الأردن.
وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية؛ لأن الاستراتيجية الإيرانية لا تحتاج إلى إخلاء كل قاعدة أمريكية بالقوة. يكفي أن تجعل واشنطن أمام معادلة لا تستطيع حلها: إذا أبقت قواتها في القواعد الحالية، بقيت معرضة للهجمات؛ وإذا حصّنت القواعد، ارتفعت التكلفة؛ وإذا نقلت قواتها إلى مواقع أكثر بعداً، تراجعت القيمة العملياتية للانتشار؛ وإذا وزعتها على مواقع صغيرة، أصبحت أكثر تشتتاً وأقل قدرة على تنفيذ عمليات واسعة. أي إن الخيارات الأمريكية نفسها تبدأ بالتحول إلى سلسلة من البدائل المكلفة.
وقد وصلت تداعيات هذا الواقع إلى مستوى أكثر وضوحاً عندما اضطرت قوات أمريكية، إلى الانتقال من بعض القواعد إلى فنادق ومكاتب محلية في الإمارات والى منشآت مدنية في الكويت والبحرين، بعدما أصبحت منشآت عسكرية عرضة للخطر إلى درجة وصفت معها بعض المواقع بأنها "غير صالحة للسكن تقريباً". وهنا تظهر إحدى نتائج الحرب بالنقاط: لا يشترط أن تسيطر إيران على القاعدة حتى تنتصر في وظيفتها الاستراتيجية؛ يكفي أن تجعل القاعدة غير قادرة على أداء مهمتها الطبيعية.
وفي هذا السياق، يكتسب سؤال دونالد ترامب "ماذا نجني من هذا؟"، الذي طرحه في معرض تشكيكه في جدوى مئات القواعد الأمريكية حول العالم، دلالة تتجاوز التصريح نفسه. فالسؤال الذي تحاول إيران فرضه ليس فقط على الإدارة الأمريكية الحالية، وإنما على المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية بأكملها، هو: ماذا تحصل أمريكا مقابل هذا الانتشار، إذا كانت قواعدها وقواتها تتحول إلى أهداف مستمرة، وإذا كان الدفاع عنها يتطلب مليارات الدولارات، وإذا كانت استضافتها تجعل الدول المضيفة نفسها عرضة للاستهداف؟
ومن هنا يمكن فهم جوهر الاستراتيجية الإيرانية: إخراج الولايات المتحدة من المنطقة يبدأ من تغيير حسابات الكلفة والمنفعة لديها. فإذا أصبحت القاعدة مكلفة أكثر مما هي مفيدة، وإذا أصبحت حماية الجندي الأمريكي أكثر صعوبة، وإذا تراجعت القدرة على استخدام المنشأة عسكرياً، وإذا تحولت الدولة المضيفة إلى عبء سياسي وأمني، فإن استمرار الوجود يصبح موضع شك حتى داخل واشنطن.
ولذلك، فإن ما تراهن عليه الجمهورية الإسلامية والى جانبها جبهة المقاومة ليس الصاروخ وحده، ولا المسيّرة وحدها، ولا الضربة المنفردة، بل التراكم. ضربة اليوم في إقليم كردستان العراق أو السعودية أو الكويت أو الإمارات، تضاف إلى ضربة الأمس في الأردن والبحرين (على سيل المثال)، والخسارة البشرية تضاف إلى فاتورة الحماية، وإعادة الانتشار تضاف إلى تراجع حرية الحركة، والإنفاق على التحصينات يضاف إلى الضغوط السياسية، وصولاً إلى لحظة يصبح فيها السؤال الأمريكي مختلفاً جذرياً عن "كيف نحافظ على قواعدنا؟"، ليكون "لماذا نبقيها أصلاً؟".
الكاتب: غرفة التحرير