تكشف المعطيات التي تتابعت خلال الأسابيع الأخيرة أن أمريكا تحاول التقليل من حجم التداعيات العسكرية التي تكبدتها في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، عبر التركيز على الخطاب السياسي والإعلامي الذي يصور ما جرى بوصفه نجاحاً عسكرياً، في حين تعكس الوقائع المنشورة في وسائل إعلام أميركية وغربية، إلى جانب تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية، صورة مختلفة تماماً. فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن واشنطن خرجت من تلك المواجهة وهي تواجه أزمة غير مسبوقة في مخزوناتها من الذخائر والصواريخ، الأمر الذي فرض قيوداً فعلية على خياراتها العسكرية، وكشف عن حجم الاستنزاف الذي أصاب قدراتها الدفاعية والهجومية.
ويبرز في مقدمة هذه المؤشرات الاستنزاف الكبير الذي تعرضت له منظومات الدفاع الجوي الأميركية، ولا سيما صواريخ باتريوت وTHAAD، بعدما اضطرت القوات الأميركية إلى استخدامها بكثافة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وفي حماية قواعدها العسكرية وحلفائها في المنطقة. ولم يعد هذا النقص مجرد مشكلة لوجستية أو صناعية، بل تحول إلى عامل استراتيجي مؤثر في صناعة القرار داخل الإدارة الأميركية، وسط مخاوف متزايدة من قدرة الجيش الأميركي على خوض أكثر من مواجهة عسكرية في وقت واحد.
وسلطت مجلة فورين بوليسي الضوء على أزمة متفاقمة داخل البنتاغون تتمثل في الاستنزاف السريع للذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية نتيجة تراكم الالتزامات العسكرية الأميركية، بدءاً من دعم أوكرانيا، مروراً بالعمليات في البحر الأحمر والانتشار في الشرق الأوسط، وصولاً إلى الاستعدادات لمواجهة محتملة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأكدت المجلة أن القدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية الأميركية لم تعد قادرة على مواكبة معدلات الاستهلاك الحالية، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب طويلة أو إدارة أكثر من جبهة قتالية في آن واحد.
كما كشفت شبكة CBS News الأمريكية، أن ما وصفته بـ "العمليات الدفاعية" خلال الحرب مع إيران أدت إلى استهلاك أعداد كبيرة من صواريخ باتريوت وTHAAD، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى مراجعة خطط الإنتاج والتوريد، في ظل قلق متزايد من عدم قدرة الشركات الدفاعية على تعويض المخزون المستنزف بالسرعة المطلوبة.
أما شبكة CNN، فنقلت عن مصادر مطلعة أن الجيش الأميركي استهلك ما يقارب 80% من مخزون صواريخ THAAD مقارنة بما كان يمتلكه قبل الحرب، إضافة إلى نحو نصف مخزون صواريخ Patriot الاعتراضية، وهو ما دفع كبار القادة العسكريين إلى التحذير من أن مخزون الذخائر لدى البنتاغون أصبح "منخفضاً بشكل خطير". وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي فرضتها المواجهة مع إيران على منظومة الدفاع الجوي الأميركية، رغم كل محاولات التقليل من آثارها.
ولم تقتصر الأزمة على الصواريخ الاعتراضية، بل امتدت أيضاً إلى الذخائر الهجومية بعيدة المدى. فقد كشفت تقارير أميركية أن الجيش الأميركي استهلك خلال الحرب معظم مخزونه من صواريخ أرض أرض ATACMS وصواريخ PrSM الجديدة (التي تم تجربتها لأول مرة في مجزرة لامرد)، كما انخفض مخزون صواريخ توماهوك إلى مستويات مقلقة بعد استخدام ما يقارب نصفه في العمليات العسكرية. وكانت شبكة CNN قد ذكرت في وقت سابق أن نحو 30% من صواريخ توماهوك استُهلكت خلال المراحل الأولى من الحرب، فيما أشارت وكالة رويترز إلى أن بعض أنواع الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى أصبحت شبه مستنفدة.
وتزداد خطورة هذه المعطيات إذا ما قورنت بمعدلات الإنتاج الحالية. فبحسب محللين تحدثوا لـCNN، لا يتسلم البنتاغون شهرياً سوى نحو 15 صاروخ توماهوك و20 صاروخ باتريوت، وهي وتيرة إنتاج لا تكفي لتعويض ما استُهلك خلال أسابيع قليلة من القتال. كما قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن إعادة بناء مخزون منظومة THAAD إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق 3 سنوات أو أكثر، في حين تشير تقديراته إلى استهلاك نحو 65% من مخزون باتريوت الجاهز للاستخدام وقرابة 38% من مخزون THAAD، وهو ما يحد بشكل كبير من قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة لأزمات متزامنة في الشرق الأوسط وشرق آسيا.
وتكشف التسريبات الصادرة عن صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست أن هذه الأزمة لم تعد موضع نقاش تقني داخل المؤسسة العسكرية، بل أصبحت قضية سياسية على أعلى المستويات. فقد أفادت التقارير بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخل في نقاش حاد مع وزير حربه بيت هيغسيث خلال اجتماع في كامب ديفيد، مطالباً بتفسيرات حول النقص الكبير في الذخائر، بعدما كان يعتقد أن هذه المشكلة قد تمت معالجتها. وأشارت المصادر إلى أن هذا الاستنزاف، ولا سيما في الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية، كان من الأسباب الرئيسية التي دفعت ترامب إلى التراجع عن تنفيذ موجة جديدة من الضربات الواسعة ضد إيران، رغم تهديداته السابقة.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات هذه التسريبات، سارع ترامب إلى التأكيد عبر منصة "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة تمتلك "كميات هائلة" من الذخائر، وأن الإنتاج مستمر بوتيرة مرتفعة، مع مهاجمة المسؤولين الذين سربوا معلومات عن الأزمة. إلا أن الوقائع المنشورة تشير إلى أن تعويض النقص في الذخائر الأكثر حساسية، مثل صواريخ باتريوت، يحتاج إلى سنوات وليس إلى أشهر، ما يجعل التصريحات السياسية عاجزة عن إخفاء حجم المأزق العسكري.
وتؤكد هذه المعطيات مجتمعة أن أخطر ما كشفته المواجهة مع إيران لم يكن فقط حجم الاستنزاف الذي أصاب منظومات الدفاع الجوي الأميركية، بل أيضاً انكشاف محدودية القدرة الصناعية والعسكرية للولايات المتحدة على تعويض خسائرها بسرعة. كما أنها توضح أن القرار الأميركي بعدم توسيع الحرب لم يكن مرتبطاً فقط بالحسابات السياسية أو الدبلوماسية، بل فرضته أيضاً اعتبارات عسكرية مباشرة تتعلق بنفاد مخزونات الصواريخ الاعتراضية والهجومية، وهو ما يعكس، في نظر كثير من المراقبين، أحد أبرز مظاهر الكلفة العسكرية التي تكبدتها واشنطن في تلك المواجهة.
الكاتب: غرفة التحرير