لا يمكن قراءة التصريح الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بشأن سوريا وسلطته الحالية برئاسة أحمد الشرع "أبو محمد الجولاني"، بمعزل عن التحولات الإقليمية المتسارعة التي حصلت ولا تزال في طور التشكّل، بالتوازي مع العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يمكن فصلها أيضاً عن مسار الاتصالات والرسائل المتبادلة بين بيروت ودمشق وبيروت وأنقرة خلال الأسابيع والأشهر الماضية. فكلام الأمين العام لحزب الله الذي شدد فيه على "أهمية وضرورة العلاقة الأخوية والإيجابية والتعاونية بين دولتي لبنان وسوريا"، وتأكيده أن "سوريا المستقرة هي سند للبنان كما لبنان المستقر هو سند لسوريا"، إضافة إلى إعلانه عدم وجود أي مانع من لقاء علني بين حزب الله والقيادة السورية عندما يقدّر الطرفان أن الوقت أصبح مناسباً، يُقرأ باعتباره رسالة سياسية تتجاوز المرحلة الماضية، وتعكس استعداداً لملاقاة السلطة السورية المؤقتة في منتصف الطريق، انطلاقاً من أولويات المرحلة التي تفرضها المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي والضغوط الأمريكية.
فتصريح الشيخ قاسم يصب في إطار التذكير بأهمية ترتيب الأولويات بالنسبة للبنان (الذي خاض سابقاً صراعاً عسكرياً بدولته وجيشه ومقاومته ضد الجولاني)، وهي مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي المستمر، والإلفات الى ما هو مفترض بالنسبة للسلطة السورية المؤقتة، وهو التركيز على وحدة بلادها، واستقرارها، وخروج الاحتلال الإسرائيلي من أراضيها، وعودة النازحين بصورة كريمة وآمنة. لذا يضع الشيخ قاسم مجموعة من القواسم المشتركة التي يمكن أن تشكل أساساً لعلاقة جديدة، بعيداً عن الحسابات المرتبطة بالصراع خلال السنوات الماضية.
وتزداد أهمية هذا الموقف عند وضعه في سياق التصريحات الصادرة عن القيادة السورية نفسها خلال الفترة الأخيرة. فقد أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني في أكثر من مناسبة استعدادهم للحوار مع حزب الله إذا كان ذلك يحقق مصلحة سوريا ولبنان، مع التشديد على أن سوريا لا تسعى إلى التدخل العسكري داخل الأراضي اللبنانية. كما أكد الجانب السوري أن الحديث عن دخول قوات سورية إلى لبنان أو خوض مواجهة مباشرة مع الحزب لا يستند إلى أي قرار رسمي، وأن الأولوية تتمثل في تثبيت الاستقرار وبناء علاقات تعاون بين البلدين. بعكس ما كان يسعى ويطمح اليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كرّر في الأسابيع الماضية تصريحاته حول رغبته في أن تتولى دمشق دوراً مباشراً في التعامل مع حزب الله داخل لبنان، بل ذهب إلى حد القول بأن الشرع سيكون "أكثر دقة" من إسرائيل في هذا الملف، مع تلميحه إلى إمكانية منح دمشق دوراً أمنياً وعسكرياً في مواجهة الحزب.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم خطاب الشيخ نعيم قاسم باعتباره رسالة مزدوجة. فمن جهة، هو يفتح الباب أمام علاقة سياسية طبيعية مع السلطة السورية الجديدة، ويؤكد أن حزب الله لا يمانع الحوار ولا اللقاءات العلنية إذا توافرت الظروف المناسبة. ومن جهة أخرى، فإنه يوجّه إشارة واضحة إلى أن أي تقارب ينبغي أن يقوم على قاعدة المصالح المشتركة ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لا على أساس تنفيذ أجندات أمريكية أو إسرائيلية تستهدف تحويل سوريا إلى طرف في مواجهة عسكرية مع المقاومة في لبنان.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد سلسلة من المواقف التي شددت فيها قيادة حزب الله على أن الحزب لا يسعى إلى التصعيد مع دمشق، لكنه في الوقت نفسه لا ينظر إلى أي محاولة لفتح جبهة سورية ضده باعتبارها شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل باعتبارها جزءاً من مشروع إقليمي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا السياق، كان الشيخ نعيم قاسم قد حذّر في خطابات سابقة من الانخراط في مشاريع تستهدف المقاومة خدمةً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وليس لفتح صراعات جانبية بين دول وقوى المنطقة. ويمكن النظر إلى خطابه الأخير بوصفه امتداداً لهذا المنطق؛ إذ إنه يعرض مساراً يقوم على الحوار والتعاون مع دمشق، لكنه يذكّر في الوقت نفسه بوجود خطوط حمراء تتعلق بأي محاولة لاستثمار الساحة السورية في مشروع يستهدف المقاومة.
كما ينسجم هذا الموقف مع الخطاب السياسي العام الصادر عن مكونات جبهة المقاومة، التي شددت خلال الأسابيع الأخيرة، على أن أي مشاركة سورية عسكرية ضد حزب الله سيُنظر إليها باعتباره تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراع، ولن تُقرأ باعتبارها مواجهة ثنائية بين نظام الشرع الجولاني وحزب الله فقط، بل باعتبارها اصطفافاً ضمن مشروع أمريكي–إسرائيلي أوسع، الأمر الذي سيؤدي تلقائياً إلى توسيع دائرة الصراع وانخراط أطراف إقليمية أخرى فيه.
وعليه، فإن الرسالة الأساسية التي يحملها خطاب الشيخ نعيم قاسم تبدو واضحة في مضمونها السياسي والتي على أي أحد قراءتها خارج سياق المرحلة ومتطلبات الموجهة مع أمريكا وإسرائيل: يد حزب الله ممدودة نحو دمشق لبناء علاقة جديدة قائمة على التعاون والاحترام المتبادل ومواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي واستقرار البلدين.