الأربعاء 05 آب , 2026 03:44

هل الولايات المتحدة جاهزة لعصر حرب الطائرات المسيّرة؟

طائرة مسيرة

تحولت الحرب على إيران إلى ساحة لقياس قدرة القوات الأميركية على التكيف مع نمط جديد من الحروب تقوده المسيّرات والصواريخ الدقيقة منخفضة الكلفة. فالنتائج التي أفرزتها المواجهات الأخيرة في البحر الأحمر ومضيق هرمز دفعت عدداً متزايداً من مراكز الدراسات الأميركية إلى التساؤل عما إذا كانت واشنطن لا تزال تمتلك التفوق العسكري الذي اعتادت الاعتماد عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
هذا النقاش برز بوضوح في مقال نشرته مجلة "The National Interest"، اعتبر أن الولايات المتحدة دخلت المواجهة مع إيران بأدوات لا تتناسب مع طبيعة الحرب الجديدة، وأنها اصطدمت بمنظومة قتالية تعتمد على الإغراق العددي للمسيّرات والصواريخ، ما جعل أنظمة الدفاع الأميركية تواجه معضلة الكلفة والفعالية في آن واحد.
عقيدة أميركية تواجه واقعاً مختلفاً
اعتمدت الولايات المتحدة لعقود على ما يُعرف بـ"استراتيجية الإزاحة" (Offset Strategy)، أي المحافظة على التفوق عبر امتلاك تقنيات عسكرية تتقدم على خصومها بجيل أو أكثر. فمن الردع النووي، إلى الطائرات الشبح والأسلحة الذكية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، كان الرهان الأميركي دائماً على أن التكنولوجيا ستضمن استمرار الهيمنة.
إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن خصوماً مثل إيران لم يحاولوا مجاراة واشنطن في حجم الإنفاق العسكري، بل ركزوا على تطوير وسائل قادرة على تحييد جزء كبير من هذا التفوق بكلفة أقل بكثير، عبر المسيّرات الانتحارية والصواريخ الباليستية والمجنحة.
معضلة الكلفة
تكشف الحرب الحالية مفارقة عسكرية واضحة؛ إذ تستطيع طائرة مسيّرة لا تتجاوز كلفتها عشرات آلاف الدولارات أن تجبر الولايات المتحدة على استخدام صاروخ اعتراض تبلغ قيمته ملايين الدولارات. ومع تكرار الهجمات بأعداد كبيرة، تتحول المشكلة من قدرة الدفاعات على الاعتراض إلى قدرتها على الاستمرار في القتال دون استنزاف مخزونها وكلفتها المالية.
هذه المعادلة ظهرت سابقاً في البحر الأحمر خلال المواجهة مع أنصار الله، ثم تكررت بصورة أكثر تعقيداً في الخليج، حيث أصبحت حماية الممرات البحرية أكثر صعوبة رغم الحضور البحري الأميركي الكبير.
من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز
 التجربة في البحر الأحمر كانت إنذاراً مبكراً لما واجهته القوات الأميركية لاحقاً في مضيق هرمز. فرغم الحملات العسكرية المكثفة، لم تستعد حركة الملاحة التجارية مستوياتها الطبيعية، وبقيت شركات الشحن تتعامل بحذر مع المنطقة بسبب استمرار المخاطر وارتفاع تكاليف التأمين.
وبحسب هذا التقييم، فإن استمرار قدرة إيران وحلفائها على تهديد خطوط الملاحة يعني أن السيطرة الأميركية على الممرات البحرية الاستراتيجية لم تعد أمراً مضموناً.
نهاية حصانة القواعد الأميركية؟

يمتد تأثير الطائرات المسيّرة إلى أحد أهم ركائز القوة العسكرية الأميركية: شبكة القواعد المنتشرة حول العالم. فقد اعتمدت واشنطن لعقود على وجود قواعد متقدمة في مناطق مختلفة باعتبارها منصات آمنة لإدارة العمليات العسكرية، وتأمين الانتشار السريع، وفرض النفوذ.
لكن انتشار الصواريخ الباليستية الدقيقة والطائرات المسيّرة غيّر هذه المعادلة. فلم تعد القواعد العسكرية بعيدة عن دائرة الاستهداف، حتى في المناطق التي كانت تُعتبر سابقاً محمية بفضل التفوق الجوي والدفاعات المتقدمة. وأصبحت القدرات الإيرانية تشكل تهديداً للمطارات العسكرية، ومخازن الذخيرة، ومراكز القيادة.
وتكشف هذه المعادلة عن تحدٍّ استراتيجي أمام البنتاغون؛ فالحفاظ على شبكة قواعد واسعة لم يعد كافياً بحد ذاته، بل بات يتطلب استثمارات ضخمة في التحصين والدفاع متعدد الطبقات والقدرة على مواجهة هجمات كثيفة ومتزامنة. وهو ما يفرض على واشنطن إعادة النظر في مفهوم الانتشار العسكري الذي شكل لعقود أساساً لهيمنتها العالمية.
سباق جديد للتسلح
في المقابل، بدأت وزارة الدفاع الأميركية مراجعة واسعة لعقائدها القتالية، سواء عبر تطوير وسائل اعتراض منخفضة الكلفة، أو إعادة تجهيز المدمرات للتعامل مع أسراب المسيّرات، أو دمج الطائرات غير المأهولة مع المقاتلات الحديثة، فضلاً عن الاستفادة من دروس الحرب الأوكرانية في تكتيكات استخدام المسيّرات.

لكن هذه المشاريع ما تزال في مراحل التطوير، بينما تشير الوقائع الميدانية إلى أن إيران نجحت بالفعل في فرض نمط جديد من الحروب يختلف جذرياً عن الحروب التي خاضتها واشنطن خلال العقود الماضية.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور