في مشهد يعكس أزمة وجودية أعمق مما تحاول النخبة "الإسرائيلية" تسويقه، انعقد مؤتمر هرتسيليا في دورته الـ22 تحت عنوان "بين الأمن القومي والمناعة القومية"، ليخرج بسؤال محوري يكشف تناقضات الكيان الصهيوني: كيف لدولة تمتلك أحدث طائرات حربية وتتباهى بذراع نووية غير معلنة أن تبدو مذعورة إلى هذا الحد من تماسكها الداخلي، وعاجزة عن تحويل تفوقها التدميري إلى مكاسب سياسية مستدامة؟ يقف اليوم أمام مرآة تعكس له حقيقة موجعة: القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية، والحرب على إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل فتحت شهية جديدة للمواجهات وأثبتت أن العقيدة الأمنية التي استندت إليها "إسرائيل" لعقود قد تهشمت على صخرة الواقع الإيراني.
التناقض البنيوي: انهيار عقيدة "الردع والإنذار"
ما كشفه المؤتمر، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن إسرائيل تعيش حالة من الانفصام بين قدراتها العسكرية الهائلة وعجزها الاستراتيجي المزمن. ففي نقده اللاذع لمنطق "النصر العسكري"، وضع البروفيسور رئيس جامعة رايخمان، بوعز غانور الإصبع على الجرح حين أقر بأن "إسرائيل" والولايات المتحدة "ربما انتصرتا تكتيكياً في الحملة الأخيرة، لكنهما خسرتا استراتيجياً؛ فالنظام الإيراني لم يسقط، والبرنامج النووي لم يُقضَ عليه، والمواد المخصبة لم تُدمّر، ومنظومة الصواريخ أُعيد بناؤها بسرعة". إنه اعتراف بأن التفوق التكنولوجي لم يعد كافياً في مواجهة خصم يمتلك قدرة على التحمل والصمود.
وفي مشهد يعكس حالة الذهول التي تعيشها النخبة، صرخ رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت محذراً من أن "إسرائيل بلغت 1000 يوم منذ السابع من أكتوبر، بينما حماس تتسلح في الجنوب، وحزب الله يصبح أكثر قوة، ورأس الأخطبوط في طهران ما زال صامداً". لكن الأكثر إدانة هو كشفه للرقم السياسي الحساس: "إيران تجاوزت نسب تخصيب 3% و20% و60%"، بينما لم تبنِ إسرائيل بين عامي 2018 و2021 قدرة كافية أو خطة بديلة لمواجهة الاختراق النووي، مختصراً أزمة العقلية الأمنية بعبارة مدمرة: "لا توجد خطة". وهو ما يفضح أن غياب التبصر الاستراتيجي، كما وصفه اللواء احتياط عاموس غلعاد، يحول دون تحويل الإنجازات الميدانية إلى نتائج سياسية، ويجعل الإيرانيين "يحتاجون فقط إلى الانتظار".
الجبهة الداخلية: عقد متصدع يهدد بانهيار الكيان
ولعل الأكثر إثارة للقلق في خطاب المؤتمر هو الإجماع على أن الخطر الأكبر يهدد إسرائيل من داخلها. فقد تحدث الرئيس يتسحاق هرتسوغ عن "لحظة حسم" لا تتعلق بتغيير حكومة، بل بمسار المستقبل المشترك، محذراً من أن مجتمعاً يشعر فيه كل طرف بأنه "أقلية مضطهدة" لا يمكنه الحفاظ على قواعد اللعبة طويلاً. إنه اعتراف رسمي بأن "العقد الإسرائيلي" القائم على القانون والانتماء والمستقبل أصبح في مهب الريح، وأن استمرار أزمات الحصانة، وفي مقدمتها نشوء "دولة داخل دولة من المتهربين" من الخدمة العسكرية، يهدد بتآكل المناعة القومية.
هنا يتكامل المشهد مع ما طرحه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق، الذي لم يكتفِ بنقد الأداء العسكري، بل هاجم "الطابق الاستراتيجي" للدولة واصفاً إياه بالتضرر، مع مجلس أمن قومي ضعيف وكابينت لا يعرف طرح الأسئلة الصحيحة، وحرب تمتد من دون سعي واضح إلى "حالات نهاية". ولم يبتعد أفيغدور ليبرمان عن هذا التشخيص، ليضيف رقماً موازياً بقوله "إن إسرائيل في اليوم 999 منذ السابع من أكتوبر، وإن وضعها الإستراتيجي "لا يمكن أن يكون أسوأ"، مع جبهات مفتوحة ضد إيران وحزب الله وحماس، إضافة إلى الجبهة الداخلية التي باتت تهدد وجود الكيان بما لا يقل عن التهديدات الخارجية".
العلاقات الخارجية: كارثة دبلوماسية
لم يغفل المؤتمر البعد الدولي، فزعيم المعارضة يائير لبيد وصف علاقات "إسرائيل" الخارجية بأنها "لم تكن أبداً بهذا السوء"، معتبراً أن "الكارثة" صنعتها الهواية والغطرسة وقراءة الواقع بصورة مشوهة. ولم يكتفِ بالعموميات، بل قدّم أرقاماً تفضح حجم التدهور: "إسرائيل" استبدلت 13 مسؤولاً في الخارجية خلال ثلاث سنوات، وتركت منظومة الدعاية الوطنية عامين ونصف دون رئيس، وعينت مقربين في مواقع حساسة. إنها اعترافات بأن الدبلوماسية "الإسرائيلية" أصبحت رهينة للمحسوبية على حساب المهنية، في وقت هي بأمس الحاجة إلى حشد التأييد.
وتتعمق هذه المخاوف في النقاش المتعلق بالولايات المتحدة، حيث كشف أحد المتحدثين عن رقم صادم: تراجع الدعم لإسرائيل بين الشباب الجمهوريين في الفئة العمرية 35-50 إلى نحو 50%، مع ارتفاع التأييد للفلسطينيين في استطلاعات الرأي العامة، بما بدأ يضغط على الكونغرس في ملف المساعدات العسكرية. إنه تحول نوعي يعكس أن التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وإن كان لا يزال حجر الزاوية، لم يعد مضموناً في عصر "أمريكا أولاً".
كلفة الأمن: 350 مليار شيكل في مواجهة "استراحة عملياتية"
أما المدير العام لوزارة الدفاع، أمير برعام، فنقل النقاش إلى كلفة بناء القوة، واصفاً المرحلة بأنها مجرد "استراحة عملياتية" وليست نهاية المواجهة، محذراً من أن اتفاقات دولية قد تضخ مئات المليارات في إيران وتسرّع بناء قوتها. وفي محاولة يائسة لتعويض الفشل، دعا إلى تنفيذ خطة بناء قوة بقيمة 350 مليار شيكل (نحو 94.6 مليار دولار) تشمل منظومات اعتراض وذخائر هجومية وموارد استخبارية.
لكن الأكثر كشفاً هو إقراره بأن إسرائيل تفكر في إيران، بينما تفكر الولايات المتحدة في تايوان، وأنه في عصر "أمريكا أولاً"، لم تعد القيم المشتركة كافية، بل الشراكة تحتاج إلى مصالح باردة، وإلى "إسرائيل" قوية تستطيع تثبيت المنطقة وتخفيف العبء عن واشنطن. هذا يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة التحالف، حيث تدرك إسرائيل أنها لم تعد المستظل الحامي بلا شروط، بل شريكاً ينتظر مقابلاً للدعم.
"إسرائيل" في مواجهة مصيرها
إن مؤتمر هرتسيليا، في مجمله، لم يكن فقط مناسبة أكاديمية سنوية، بل كان جلسة تشخيص لحالة الكيان الصهيوني في لحظة مفصلية. لقد تحول السؤال من "كيف ننتصر في الحرب القادمة؟" إلى "كيف نتجنب أن يتحول نصرنا التكتيكي إلى هزيمة وطنية شاملة؟". ويكشف المؤتمر أن "إسرائيل" لا تخشى خصومها فقط، بل تخشى أن تواجههم بمجتمع أقل تماسكاً ودولة أقل قدرة على التخطيط، حيث يتفق أغلب الساسة على أن القوة العسكرية تفقد جزءاً من معناها حين تنفصل عن القانون والحصانة والشرعية.
في المشهد "الإسرائيلي" اليوم، تبدو الحرب على إيران نموذجاً صارخاً لفشل العقلية الأمنية التي تظن أن التفوق التدميري يعوض غياب الرؤية السياسية. "إن إسرائيل التي تمتلك القدرة على قصف طهران، عاجزة عن إدارة مجتمعها المتصدع، وعن تحويل ضرباتها إلى مكاسب سياسية، وعن الحفاظ على تحالفاتها الدولية". وفي غياب ذلك، تظل القوة العسكرية مجرد وهم يخفي فشلاً استراتيجياً متجذراً في بنية الكيان نفسه، تؤكده أرقام التخصيب الإيرانية المتصاعدة و"لا توجد خطة" التي أصبحت عنواناً لعقيدة أمنية تهشمت على صخرة الواقع.
في النهاية؛ فإن "الإسرائيليين" أعلنوا، بطريقة غير مباشرة، أنهم خسروا الحرب على إيران، لكنهم لم يجدوا الشجاعة للاعتراف بذلك علنًا. وبدلاً من ذلك، يكتبون عقيدة جديدة تهدف إلى إدارة الهزيمة بدلاً من الاعتراف بها، وإطالة أمد المواجهة بدلاً من البحث عن مخرج. وهذا، في التحليل الأخير، هو أخطر ما في الأمر.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]