الأربعاء 05 آب , 2026 02:42

شرعنة الاحتلال: كيف مهّد اتفاق الإطار لاستمرار السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان

الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

شهد جنوب لبنان منذ أواخر عام 2024 تحولاً نوعياً في طبيعة النزاع المسلح القائم بين لبنان والكيان الصهيوني المحتل، ليس بسبب تغير أدوات استخدام القوة فحسب، وإنما نتيجة التحول في الإطار القانوني والسياسي الذي حكم إدارة العمليات العسكرية عقب التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال الحربية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. فقد كان من المفترض أن يشكل هذا الاتفاق خطوة انتقالية نحو تنفيذ الالتزامات الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 1701 (2006)، بما يؤدي إلى وقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها بالتعاون مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).

إلا أن الوقائع التي أعقبت دخول الاتفاق حيز التنفيذ أظهرت مساراً مختلفاً بصورة جوهرية. فبدلاً من أن يقتصر النشاط العسكري الإسرائيلي على الحالات الاستثنائية التي يجيزها القانون الدولي، استمرت العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية بصورة متكررة، وشملت غارات جوية، وعمليات اغتيال، واستهدافاً للأشخاص والأعيان المدنية، وتوغلات برية، وتدميراً للبنية التحتية، وتجريفاً للأراضي الزراعية، ومنعاً للسكان من العودة إلى عدد من القرى الحدودية. وأدى تكرار هذه الأفعال واتساع نطاقها إلى إثارة تساؤلات قانونية جوهرية حول مدى توافقها مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ومدى انسجامها مع الالتزامات الناشئة عن اتفاق وقف الأعمال الحربية ذاته، فضلاً عن علاقتها بالمركز القانوني للقوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

وازدادت هذه الإشكاليات تعقيداً مع إبرام اتفاق الإطار عام 2026، الذي تزامن مع ترتيبات ميدانية جديدة على الحدود الجنوبية، كان من أبرزها اعتماد ما عرف بـ"الخط الأصفر" مرجعاً عملياً لتنظيم الانتشار العسكري. وأياً كان التوصيف السياسي لهذا الاتفاق، فإن التطبيق العملي له أفرز واقعاً ميدانياً جديداً اتسم باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في عدد من المناطق الحدودية، واستمرار القيود المفروضة على وصول المدنيين إلى قراهم وأراضيهم، واستمرار عمليات التدمير التي طالت المساكن، والمزارع، والبنى التحتية، والمواقع التراثية، الأمر الذي يفرض دراسة قانونية مستقلة لتحديد الطبيعة القانونية لهذا الواقع وآثاره في ضوء قواعد القانون الدولي.

ولا تنحصر أهمية هذه الدراسة المرفقة أدناه، في توثيق الانتهاكات فحسب، بل تكمن في تحليل العلاقة بين الاتفاقات السياسية وبين النتائج القانونية التي ترتبت على تنفيذها في الميدان. فالقانون الدولي لا يقيم المشروعية على أساس النصوص المجردة وحدها، وإنما ينظر كذلك إلى آثارها العملية وإلى السلوك اللاحق للأطراف. ومن ثم، فإن استمرار استخدام القوة بعد وقف الأعمال الحربية، واستمرار تدمير الممتلكات المدنية، واستهداف مقومات الحياة الأساسية للسكان، يقتضي بحثاً قانونياً يتجاوز توصيف كل واقعة بمعزل عن غيرها، ليركز على ما إذا كانت هذه الوقائع تشكل نمطاً مستمراً من السلوك يمكن أن تترتب عليه مسؤولية دولية ومسؤولية جنائية فردية.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية إضافية بالنظر إلى أن جانباً من الانتهاكات المبلغ عنها لا يقتصر على المساس بالأشخاص، وإنما يمتد إلى استهداف البيئة العمرانية والاقتصادية والثقافية لجنوب لبنان، من خلال تدمير القرى، وتجريف الأراضي الزراعية، والإضرار بمصادر المياه، واستهداف المواقع التاريخية، بما في ذلك قلعة الشقيف، وهي ممارسات تثير إشكاليات قانونية تتعلق بحماية الممتلكات الثقافية، وحظر التدمير غير المبرر للممتلكات، وحماية الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، وهي جميعها موضوعات تحظى بحماية خاصة في القانون الدولي الإنساني.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسية مؤداها أن الانتهاكات المرتكبة خلال الفترة الممتدة بين اتفاق وقف الأعمال الحربية لعام 2024 واتفاق الإطار لعام 2026 لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حوادث منفصلة، وإنما باعتبارها جزءاً من سياق قانوني وميداني واحد، يتطلب تقييماً شاملاً لتحديد مدى انطباق قواعد الاحتلال الحربي، وقواعد حماية المدنيين، وأحكام المسؤولية الدولية، فضلاً عن دراسة التكييف القانوني للأفعال المنسوبة إلى "إسرائيل" في ضوء أحكام نظام روما الأساسي واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

الخلاصة

تبين الدراسة أن اتفاقات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية اللاحقة لا يمكن أن تكون مصدراً لإنشاء حقوق تتعارض مع قواعد القانون الدولي، ولا يمكن أن تمنح أي طرف حصانة من المسؤولية عن الجرائم الدولية. فالقانون الدولي الإنساني يظل واجب التطبيق في جميع مراحل النزاع، سواء أثناء العمليات العسكرية أو خلال الفترات الانتقالية التي يفترض أن تؤدي إلى إنهاء النزاع.

وقد أظهر التحليل أن الانتهاكات محل الدراسة لم تقتصر على أعمال عسكرية مباشرة، وإنما امتدت إلى استهداف البنية المدنية والاجتماعية والثقافية لجنوب لبنان، من خلال:

- استهداف المدنيين.

- تدمير القرى.

- منع العودة.

- ضرب البنية التحتية.

- تدمير الموارد الزراعية والمائية.

- استهداف الممتلكات الثقافية.

وهذه الأفعال، إذا ثبتت عناصرها القانونية والواقعية، قد تندرج ضمن جرائم الحرب، وقد تتحول إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها جزء من هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين.

أما بالنسبة لجريمة الإبادة الجماعية، فإن الدراسة تؤكد ضرورة الالتزام بالمعيار القانوني الصارم الذي يتطلب إثبات القصد الخاص بتدمير جماعة محمية، غير أن تدمير مقومات الحياة، واستهداف الهوية الثقافية، ومنع السكان من العودة، قد تشكل عناصر سياقية مهمة عند تقييم وجود هذا القصد في أي تحقيق قضائي.

وتخلص الدراسة إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في حجم الأضرار المادية والبشرية، وإنما في تحول الانتهاكات إلى واقع مستمر يسمح بتغيير طبيعة المنطقة الحدودية وإضعاف قدرة السكان على البقاء فيها. ولذلك فإن أي معالجة قانونية جادة يجب ألا تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يجب أن تشمل إنهاء آثار السيطرة غير المشروعة، وضمان عودة السكان، وإعادة الإعمار، وحماية الهوية التاريخية والثقافية للمنطقة.

كما تؤكد الدراسة أن غياب المساءلة يشكل عاملاً مشجعاً على استمرار الانتهاكات، ولذلك فإن إنشاء آليات تحقيق مستقلة، وحفظ الأدلة، وتفعيل المسارات القضائية الوطنية والدولية، يمثل شرطاً أساسياً لمنع الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة للضحايا.

وفي النهاية، فإن احترام القانون الدولي لا يقاس بوجود الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما بمدى قدرة هذه الاتفاقات على حماية الإنسان وإنهاء أسباب النزاع. فإذا تحولت الاتفاقات إلى أدوات لإدارة الاحتلال أو توفير غطاء لاستمرار الانتهاكات، فإنها تفقد جوهرها القانوني والإنساني، وتصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون طريقاً إلى الحل.

لتحميل الدراسة من هنا


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور