الأربعاء 05 آب , 2026 02:34

عناصر القوة القتالية الجديدة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية

الجيش الإسرائيلي

تتحوّل العقيدة العسكرية الإسرائيلية اليوم عن مبادئ كلاسيكية رسّختها "إسرائيل" لأكثر من نصف قرن، قامت على الحرب الخاطفة والمناورة البرية السريعة ونقل المعركة فوراً إلى أرض الخصم سعياً لحسم عسكري عاجل يجنّب الجبهة الداخلية الاستنزاف. غير أن الصدمة الاستراتيجية والعملياتية التي أحدثتها هجمات السابع من أكتوبر 2023، وتعقيدات "الحرب الهجينة" التي تخوضها حركات المقاومة منذ ثمانينات القرن الماضي، أدت إلى تآكل ما كان يُعرف بـ"العصر الذهبي للأمن"، خصوصاً مع تمترس الخصوم في بيئات حضرية مكتظة وشبكات أنفاق شديدة التعقيد. وأمام هذا الواقع، تبلورت أواخر عام 2019 خطة "تنوفا" (الزخم) التي لا يزال جيش الاحتلال يطورها، وتقوم على دمج جناحين رئيسيين: "المعلومات" بوصفها العقل والعين الاستراتيجية عبر الاستخبارات المتقدمة والتحليل الآلي للبيانات الضخمة، و"القدرات" بوصفها العضلة الضاربة من نيران مميتة وسرعة وآليات ذكية مستقلة. في ساحات غزة (2023-2026) ولبنان (2024 و2026)، تحوّل هذا الدمج إلى "مضاعف قوة" يهدف إلى إحداث شلل إدراكي ومادي كامل للخصم مع تقليل الخسائر البشرية الإسرائيلية إلى أدنى حد ممكن عبر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا كبديل عن التماس المباشر.

على صعيد جناح المعلومات، تحوّل الذكاء الاصطناعي في غزة من أداة مساعدة إلى "مصنع أهداف" يعمل بمعدلات غير مسبوقة، عبر أنظمة مثل "لافندر" الذي أنشأ في الأسابيع الأولى للقتال قائمة ضمت عشرات الآلاف من الأفراد، مع تقليص دور العنصر البشري إلى مجرد التحقق من جنس الهدف خلال عشرين ثانية، إضافة إلى نظام "الإنجيل" الذي سرّع جمع بنك الأهداف من الأصول العمرانية، ونظام "أين أبي؟" لتتبع لحظة دخول الأفراد إلى أماكن اختبائهم. أما في لبنان، فقد اعتمدت إسرائيل على منظومة استخبارات عملياتية مرتكزة على نظام "بالانتير" الأمريكي لتحليل تيرابايتات من بيانات الهواتف وكاميرات المراقبة والطائرات المسيرة، لبناء "ملفات تعريف للتهديد" وخرائط علاقات بين القادة، ما مكّن من المس بهيكل القيادة والسيطرة للمقاومة بدقة عالية. ورافق ذلك حضور جوي استشعاري متواصل عبر أسراب الطائرات المسيرة والمناطيد خلق "سماء محدّقة" قلّصت "دائرة الاستهداف" بفضل أنظمة مثل "ناسج النار"، فيما لجأت الطائرات المسيرة في لبنان إلى محاكاة محطات اتصال لإجبار هواتف المستهدفين على الارتباط بها وكشف تحركاتهم لحظياً. كما نُشرت شبكات حساسات بيومترية كنظامي "الذئب الأحمر" و"الذئب الأزرق" لجمع بيانات تُرفد قاعدة مركزية باسم "حزمة الذئب"، إلى جانب اعتماد متزايد على الدرونات التكتيكية الدقيقة والكواد كابتر في حرب المدن.

أما جناح القدرات، فقد تُرجم عبر كثافة نارية طبّقت "عقيدة المحو" المستلهمة من المدرسة الشرقية مع إضافة الدقة الغربية، حيث استُخدمت آلاف الأطنان من الذخائر الموجهة لتسوية مربعات سكنية كاملة تمهيداً لتقدم المشاة، بإدارة نظام "مصنع النار" الذي يحسب كميات الذخيرة ويرتب أولويات الأهداف. وفرض صمود المقاومة على إسرائيل تبنّي "الاستمرارية في المحاولة" عبر أدوات تخطيط ديناميكي وآليات لا تحتاج راحة، إلى جانب نهج "الجيش التعاوني المدعوم آلياً" الذي يستخدم نماذج لغوية توليدية لصياغة خطط العمليات خلال دقائق بدل ساعات. كذلك شهدت الساحتان الاعتماد الأكبر تاريخياً على الروبوتات البرية غير المأهولة لاقتحام المناطق شديدة الخطورة، إلى جانب منظومات تصويب ذكية كمنظار "الخنجر" لمواجهة الطائرات الانقضاضية بكابلات الألياف الضوئية.

وقد فرض اختلاف الجغرافيا انعكاسات تكتيكية متباينة؛ ففي غزة، حيث البيئة المغلقة ثلاثية الأبعاد بين السطح الحضري والأنفاق، اتخذ التطبيق طابعاً تكتيكياً دقيقاً حوّل المعركة إلى طحن واستنزاف هيكلي. أما في جنوب لبنان، فقد فرضت التضاريس الجبلية المفتوحة وقدرات المقاومة النارية الضخمة تطبيقاً على "المستوى العملياتي الواسع"، إذ نجحت الضربات الاستباقية في عملية "أولي البأس" خريف 2024 في تحييد جزء كبير من قدرات المقاومة، إلا أن قرارها القتال بنمط عقائدي كربلائي عطّل هدف الغزو، لتثبت لاحقاً في "زئير الأسد" عام 2026 مرونة تنظيمية عبر العودة إلى حرب العصابات اللامركزية.

وعلى الرغم من النجاح التكتيكي الملحوظ في تقويض الخصوم بالتراكم عبر ضربات استباقية متزامنة، واجهت "ساحة المعركة الذكية" مآزق هيكلية: ضغط استنزاف اقتصادي ناجم عن كلفة الاعتراض المرتفعة مقابل التهديدات الرخيصة، ومخاطر "تحيز الأتمتة" ومشكلة "الصندوق الأسود" التي أدت إلى استهداف مدنيين وجرّت تداعيات قانونية دولية، إضافة إلى "بدائية مقصودة" تبنتها المقاومة بالابتعاد عن الشبكات الرقمية لحرمان الذكاء الاصطناعي من مدخلاته، وأخيراً حاجة ماسة لإنشاء قيادة عملياتية أمامية بحرية وساحلية لكسر الحصار متعدد الجبهات. لكن هذه المنظومة التقنية، رغم قدرتها الفائقة على تفكيك أي جيش غير نظامي، لا تصنع وحدها نصراً استراتيجياً مستداماً ما لم تقترن بإرادة سياسية حاسمة وتحالفات قوية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور