برزت خلال الأيام الأخيرة سلسلة عمليات إلكترونية استهدفت منشآت مياه في الولايات المتحدة، ما دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى الإقرار بتعرض مرافق في سبع ولايات لأنشطة سيبرانية أثرت في تشغيل بعضها، فيما ادعت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية (CISA) أن تكون الهجمات مرتبطة بإيران، من دون إعلان رسمي يحسم الأمر حتى الآن.
وبغض النظر عن الجهة المسؤولة عن التعطيل، تكشف الحوادث أن البنية التحتية الحيوية الأميركية أصبحت هدفًا يمكن الوصول إليه، فمنشآت المياه والكهرباء هي أهداف استراتيجية يمكن من خلالها ممارسة الضغط، وإثارة قلقه. ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
بدأت الحادثة في ولاية مينيسوتا، بعدما أعلنت السلطات المحلية الأسبوع الماضي تعرض أكثر من 30 نظامًا مائيًا لهجوم إلكتروني وصفته بأنه "منسق". وبعد أيام، حذر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي من تسجيل هجمات مشابهة استهدفت منشآت مياه في سبع ولايات، مؤكدًا أن بعض هذه الأنشطة الإلكترونية أثرت على عمليات التشغيل.
في وقت لم تعلن فيه السلطات الأميركية رسميًا عن هوية المسؤولين. وأشار خبراء تحدثوا إلى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إلى أن طبيعة الهجمات تتوافق مع أساليب سبق ربطها بمجموعات إلكترونية تعمل لصالح إيران، مع بقاء مسألة تحديد المسؤولية النهائية قيد التحقيق.
لا يمثل هذا الاستهداف، في حال ثبت ارتباطه بإيران، حادثة معزولة في مسار المواجهة الإلكترونية بين واشنطن وطهران. فقد شهدت السنوات الماضية سلسلة عمليات سيبرانية نُسبت إلى بإيران، استهدفت قطاعات مختلفة في الولايات المتحدة وكيان الاحتلال.
ومن أبرز الحوادث استهداف أنظمة مياه أميركية خلال عامي 2023 و2024، والتي قالت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية إنها "ارتبطت بمجموعة موالية للحرس الثوري الإيراني". ففي إحدى تلك العمليات، تعرضت أنظمة التحكم بضغط المياه في بلدتين بولاية بنسلفانيا للاختراق، ما أدى إلى تعطيل بعض المعدات.
كما اتهمت الولايات المتحدة مجموعات إلكترونية إيرانية بالتدخل في الانتخابات الأميركية، واختراق حملات انتخابية بهدف الحصول على معلومات وإثارة الانقسامات الداخلية.
وخلال السنوات الماضية شهدت القدرات السيبرانية الإيرانية تطوراً كبيراً. فمنذ الهجمات الإلكترونية التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني عبر فيروس "ستوكسنت" عام 2010، أصبحت طهران تعتبر الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من منظومتها الدفاعية، وعملت على بناء وحدات متخصصة وتطوير شبكات من المجموعات الإلكترونية التي تنفذ عمليات هجومية ودفاعية.
وفي المقابل، تشكل البنية التحتية الأميركية هدفًا ذا قيمة عالية في أي مواجهة سيبرانية، بسبب اعتمادها الواسع على الأنظمة الرقمية المتصلة بالشبكات.
وتعتمد إيران في هذا المجال على ما يعرف باستراتيجية "الردع غير المتكافئ"، إذ تسعى إلى استخدام أدوات أقل كلفة من الأسلحة.
كما أن طبيعة الحرب السيبرانية تمنح منفذيها هامشًا واسعًا للمناورة، إذ يصعب في كثير من الأحيان تحديد الجهة المسؤولة بشكل قاطع.
وفي المقابل، تكشف هذه العمليات عن تحدٍ متزايد أمام الولايات المتحدة، إذ إن حماية آلاف المنشآت الحيوية المنتشرة في مختلف الولايات تمثل مهمة معقدة، خصوصًا مع اعتماد العديد من أنظمة التحكم الصناعية على تقنيات قديمة أو متصلة بالإنترنت. وهو ما يجعل قطاعات مثل المياه والطاقة والاتصالات أهدافًا محتملة في حال استمرار التصعيد وذهاب ترامب نحو خيار ضرب البنية التحتية الإيرانية.
الكاتب: زهراء نعيم