نجحت إيران في قلب معادلة الضغط، إذ باتت تستخدم موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في مضيق هرمز كورقة استراتيجية تجبر واشنطن على البحث عن تسوية. بحسب مقال نشرته صحيفة "الغارديان" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
وفي مقابل تهديدات ترامب المتكررة، تظهر طهران قدرة على الصمود وفرض شروطها، رافضة العودة إلى مفاوضات لا تراعي مصالحها أو ما تعتبره حقها في حماية أمنها.
ويشير المقال إلى أن الضغوط الأميركية لم تُضعف الموقف الإيراني، بل منحت طهران أدوات تفاوضية جديدة في مواجهة إدارة تسعى للخروج من أزمة مكلفة قبل الانتخابات.
النص المترجم
لطالما احتوت عقيدة دونالد ترامب على علاقة هشة بالحقيقة. فقد كان محاميه الشهير في نيويورك روي كوهن، معلمه، هو من علّم قطب العقارات الشاب أن يدّعي الانتصار دائمًا وألا يعترف بالهزيمة أبدًا. لكن لسوء حظ ترامب، وجد الرئيس الأميركي في إيران خصمًا يتمتع بالعناد نفسه تمامًا.
وبينما يزعم ترامب أن مفاوضات جديدة ستبدأ مع طهران هذا الأسبوع، أظهرت إيران قدرتها أيضًا على إعادة إشعال الصراع عبر إطلاق صواريخ بالستية على القواعد الأميركية في المنطقة، والحفاظ على قبضتها على مضيق هرمز، ما يمنحها عمليًا زمام المبادرة في عملية السلام المتعثرة. والوقت يضغط على ترامب، مع اقتراب العالم من أزمة طاقة عالمية، واقتراب انتخابات التجديد النصفي المؤلمة بالنسبة له وللحزب الجمهوري.
لكن ما إن أُعلن عن أحدث محاولة له للتوصل إلى اتفاق سلام، حتى نفت إيران الأمر، ليجد الرئيس الأميركي نفسه غاضبًا مجددًا. وكتب على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشال": "القيادة الإيرانية مخادعة بشكل لا يُصدق!"، مضيفًا أن إيران توسلت لعقد اجتماع وأن المحادثات بدأت بالفعل. وقال: "لا شيء يصل إلى إيران، إلا إذا أردنا نحن ذلك، ولن يصل أي شيء إلا إذا تم التوصل إلى اتفاق أو استسلام كامل".
ترامب يقول إن المحادثات الأميركية الإيرانية الجديدة هي "الفرصة الأخيرة" أمام طهران لتجنب تصعيد الحرب
لقد ألمح ترامب عشرات المرات منذ بداية الحرب إلى أن اتفاقًا مع إيران بات وشيكًا، وأظهر أحدث تصريح له بأن المفاوضات الجديدة قد تنتج اتفاق سلام خلال أيام، مدى حاجة الإدارة الأميركية إلى إعادة فتح المضيق والعثور على مسار للخروج من الأزمة. فبعد أن تعهد بضرب إيران "بشدة كبيرة"، أجرى ترامب تحولًا في موقفه يوم الأحد، وقال إن المحادثات ستستمر، وإنه تم الاتفاق على "إطار اتفاق" بشأن فتح مضيق هرمز و"نزع السلاح النووي الإيراني".
لكن الإيرانيين لا يوافقون على ذلك. ففي بيان يوم الاثنين، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية وجود أي مفاوضات سلام جارية. وقال إسماعيل بقائي: "نحن لا نتفاوض حاليًا مع الولايات المتحدة". وأضاف: "مفاوضاتنا هي مع سلطنة عُمان لضمان المرور عبر مضيق هرمز".
وقد يؤدي ذلك إلى اتفاق ما، لكنه لن يؤدي إلى إعادة المضيق إلى وضعه السابق قبل الحرب، بحسب بقائي، ما يعني إبقاء الممر المائي ورقة سياسية للمستقبل المنظور. وقال: "يجب أن نضمن ألا يُساء استخدام مضيق هرمز من قبل الأطراف التي ارتكبت عدوانًا ضد إيران".
ولم يتغير الكثير منذ الجولة الأخيرة من المفاوضات. فما زالت إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز وخنق حركة الشحن، بما في ذلك ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، عبر هذا الممر الحيوي. وفي المقابل، ما زالت الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات مدمرة ضد إيران، رغم النقص في بعض الذخائر الأساسية التي قد تحتاجها في حرب ضد منافسين كبار مثل الصين، لكنها تفتقر إلى أهداف مؤثرة قادرة على إجبار إيران على تغيير سياستها.
وقد أشارت إدارة ترامب إلى رغبتها في إنهاء الصراع منذ نيسان/أبريل، لكن ثلاث اتفاقيات لوقف إطلاق النار انهارت منذ ذلك الحين. ومع بقاء ما يزيد قليلًا عن ثلاثة أشهر على انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي يُتوقع أن يخسر فيها الجمهوريون مجلس النواب وربما حتى مجلس الشيوخ، أظهر استطلاع جديد لـ"رويترز/إبسوس" الأسبوع الماضي أن أقل من ثلث الأميركيين يؤيدون الحرب في إيران، وأن 69% يعتقدون أن ترامب لم "يشرح بوضوح أهداف التدخل العسكري الأميركي في إيران".
أما بالنسبة لإيران، فقد أصبح عدم القدرة على التنبؤ الاستراتيجي سلاحًا جديدًا في حرب عززت، على نحو غير متوقع، موقعها التفاوضي، ومنحت النظام أدوات جديدة للضغط عبر إبطاء إمدادات النفط العالمية ومهاجمة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.
وقال أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط والخبير في قضايا أمن الشرق الأوسط مع تركيز على إيران، خلال برنامج صوتي للمعهد الأسبوع الماضي، إن إيران خلصت إلى أن أفضل استراتيجية لها هي "تعظيم الألم الذي تستطيع إلحاقه بالولايات المتحدة وشركائها في المنطقة". وأضاف أن التقدير السائد هو أن ترامب "ليس مستعدًا فعلًا بعد لاتفاق مع إيران، وليس اتفاقًا يمكن أن يكون مقبولًا للإيرانيين على أي حال".
وتواجه إيران أيضًا ضغطًا زمنيًا مع استمرار الحصار الأميركي الذي يعرقل التجارة الخارجة من البلاد.
وأضاف فاتانكا: "لقد وصلوا الآن إلى مرحلة لا يعتقدون فيها أن الجلوس وانتظار جولة تفاوض تلو الأخرى هو أفضل طريق للمضي قدمًا. إنهم يحاولون تغيير المعادلة وجذب انتباه ترامب، ومعرفة ما إذا كان بإمكانهم الحصول على نتيجة مختلفة".
المصدر: الغارديان
الكاتب: آندرو روث