أحيت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لحظة مفصلية في تاريخ اجتماعها السياسي، بمستوييها النفسي والديني، وتحمل رسائل سياسية وشعبية من الاقتدار والثورة الدموية على العداء الأمريكي الصهيوني المشترك، الذي سيُخلد في ذاكرة ووجدان الشعب الإيراني، بأن المنظومة السياسية بقيادة الولي الخامنئي تصدت للشيطان المارق، حتى تتجاوز هذه الرسائل حدود الجغرافية المكانية إلى العالم الحر والمستضعف، في تشييع مهيب لقائدها الولي الشهيد، ومجموعة من عائلته، الذي قاد مرحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، نقل فيها إيران الثورة من مرحلة التأسيس إلى الدولة المقتدرة، في دعم مليوني تجاوز الارتباط بالمرجعية الدينية والسياسية، إلى وفود رسمية ونخبوية وحقوقية وضيوف شعبية تجاوزت التسعين وفداً، تنديداً بالجريمة المروعة لاغتيال القائد، ودعماً وتأييداً لإيران في مطاليها المحقة.
وبين رسائل محبة ووفاء، ورسائل إعادة التموضع والدعم، تشق الرسائل السياسية طريقها للعدو قبل الصديق والخصم. فعلى سبيل المثال لا الحصر من رسائل المحبة والوفاء، لفتة "البخيتي" الذي أكد فيها أنه لو كانت الظروف متاحة من حيث سهولة السفر والبعد الجغرافي، لحضر مئات آلاف اليمنيين للمشاركة في تشييع السـيــد علي الخامنئي، للمكانة الكبيرة التي يحظى بها الشــهـيد في قلوب أبناء الشعب اليمني.
ولا يغفل على أن هذه المشاركة الأممية تعود في جوهرها إلى اســتشهــاده الذي شكّل محطة مفصلية في مسار محور المــقاومة، فانـتـــصـاره تحقق بدمه، وشهادته أعادت إحياء روح المــقاومة في إيران ودول المحور، على غرار ما حققته نهضة الإمام الحسين (ع) في كربلاء. وفي توضيح له كيف أن الإمام الخامنئي انتصر بدمه، بأن شهادته أقامت الحجة على أبناء الأمة الإسـلامية، ما جرى "يشبه معركة كربلاء التي خاضها الإمام الحسين (ع)، والذي انتصر بدمه، إذ إن دمــــاء الإمام الحسين أحيت الأمة، وكذلك دمــــاء الســيـد علي الخامنئي أحيت شعوب دول محور المــقاومة، ومنحتها مزيدًا من العزم والثبات في مــواجهة قوى الاستكبار" فكانت شهادته تثبيتاً لنهج الإمام الحسين (ع) في انتصار الدم على السيف.
ومن رسائل الدعم أتت رسالة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي نقل فيها مشاعر الشعب الباكستاني الصادقة، ومشاعر الحكومة، ومشاعره الخاصة، مؤكداً على أن ملايين المسلمين سيذكرون الســيــد علي الخامنئي لما أحدثه من تحولات عميقة في أحلك الظروف، مردفًا بالموقف الداعم: "نحن دولتان شقيقتان وسنقف إلى جانب بعضنا"..
يبقى أن إيران التي واجهت دولتين نوويتين، أرهبتا العالم ظلماً وعدواناً، خرجت من الحرب التي فُرضت عليها، بمعادلة عسكرية صفرية، واليوم تعتد بالندية الإيرانية التي سترسم موقعها الردعي في إقليم غرب آسيا، وموقعها الاقتصادي العالمي بإدارتها لمضيق هرمز. ويأتي التشييع المبارك برمزية القائد الذي قدم نفسه وعائلته فداءً وتثبيتاً لنهج الإسلام المحمدي الأصيل في نصرة الحق ومواجهة الباطل والظلم، تجاوز الرمزية الشعائرية المرتبطة بمريده، إنما يعبر التحشيد الجماهيري والرسمي عن استمرار حالة الثأر، بصمود وثبات راسخين، فارتدادات التشييع لم تنفصل عن الإطار الدبلوماسي في رسائلها السياسية التي تنبأت بها "أمريكا" للمحيط العربي دولاً وشعوب، ما جعلها تشن خلال الأيام الماضية للتشييع حملة واسعة لثني الدول عن المشاركة في مراسم تأبين "قائد إيران" وفق زعمها.
فقد أشارت مصادر إعلامية نشرتها وكالة تسنيم عن مصدر سياسي رفيع بأن" روبيو" طلب من جميع السفارات والبعثات الأميركية استخدام مختلف القدرات لإقناع مسؤولي الدولة المضيفة بعدم المشاركة بالتشييع، كما طلب من السفارات والبعثات الأميركية إبلاغ الدول بأن مشاركتهم في التشييع ستعتبر خطوة غير ودية من وجهة نظر أميركا. ووفقاً لدبلوماسيين عرب، تحدث "روبيو" شخصياً في هذا الصدد مع نظرائه في خمس دول عربية على الأقل، ما يدلل بأنه لم يكتفِ بالطلبات والتبليغات، بل يبذل مساعي سياسية لاحتواء ارتدادات التغييرات والتبدلات في موازين القوى الإقليمية التي باتت حقيقة أدركتها أغلب الدول العربية، فقد ترى بعض هذه الدول العربية في هذه المشاركة رسائل سياسية لحجز موقع استراتيجي لها، وباتت المرحلة تستلزم خروجها من المنطقة الرمادية لمواجهة تحديات المرحلة.
كما هدد سفراء أميركا في الدول الأفريقية بأنه في حال مشاركة هذه الدول بمراسم التشييع فقد يتم قطع المساعدات الأميركية عنها، حتى يقال إن سبب قرار دولة مهمة بشمال إفريقيا بخفض مستوى مشاركتها في المراسم يرجع للقلق من التداعيات على علاقاتها مع أميركا، كل هذه المساعي السياسية الأمريكية، ما ظهر منها وما أخفي، قد أسفرت عن تراجع 13 دولة من بينها 3 دول من شرق أوروبا و5 دول إفريقية ودولتان خليجيتان ودولتان من شرق آسيا عن المشاركة في التشييع، ما يؤشر إلى التغير في إرهاصات القرارات الأمريكية الأحادية، التي ترهب الصديق والعدو، وهذا التغيير لا ينفصل عن مطالعة الرأي العام الأمريكي الداخلي، لحقيقة سياسية مفادها هزيمة أمريكا في الحرب الإيرانية الأمريكية، وبات حزبي أمريكا الجمهوري والديمقراطي يبنيا مساراته السياسية في ضوء هذه الهزيمة.
وإرهاصات الهزيمة الأمريكية لم تكسر الهيبة الأميركية الدولية فحسب، بل تضع حدود لمن تسول له نفسه من الدول الامبريالية من تجاوز الحقوق الإيرانية، فردًا على البيان المشترك الأخير لفرنسا وبريطانيا بشأن مضيق هرمز، حيث انطلق الطرفان من وصف مضيق هرمز بأنه "شريان حيوي للاقتصاد العالمي"، ليعلنا بأن ضمان العبور الآمن لسفن جميع الدول عبر هذا الممر المائي يعد قضية عالمية، بعد أن ادعى البيان أن سلطنة عُمان وافقت على التعاون مع بريطانيا وفرنسا لتأمين مياهها الإقليمية ضد مخاطر الملاحة، وفي سياق إعلان لندن وباريس استعدادهما لنشر ما وصفتاه بـ"مهمة عســكرية موسعة ومتعددة الجنسيات"، زاعمتين أن هذه الخطوة تأتي بهــدف دعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، أتى الرد الإيراني صاعقاً من أن ضمان أمن مضيق هرمز يقع على عاتق الدول المشاطئة له، تصدى له نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية "كاظم غريب آبادي" مشددًا على أن مفتعلي الأزمات سيتحملون تبعات مغامراتهم، مؤكدًا أن ذلك يمثل تحذيرًا جديًا.
وبالمحصلة حوَل الشعب الإيراني وشعوب محور المقاومة المشاركة المليونية في مراسم تشييع القائد الشهـــيد من وداع تاريخي لقائد الأمة الشهـــيد إلى فرصة لتجديد الميثاق وصون الإنجازات التي فرضتها وحدة الساحات، وسطّرت إيران قوة عظمى في موازين القوى الدولية الجديدة.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
الكاتب: د. ليلى صالح