الإثنين 03 آب , 2026 02:55

لماذا تفشل واشنطن في قراءة إيران؟ أزمة الإدراك قبل أزمة القوة

ترامب والجيش الأميركي

في خضم التصعيد العسكري المحموم الذي يشهده الشرق الأوسط، مع اقتراب الحرب الأميركية–"الإسرائيلية" على إيران من شهرها السادس، يبرز سؤال جوهري يلحّ على كل متابعٍ وباحث: كيف لدولة تُقصف ليل نهار، وتُخنق بعقوباتٍ غير مسبوقة، وتُستهدف بنحوٍ متواصل، أن تظلَّ صامدةً، بل ومبادرةً في ميادين القتال؟ الإجابة، التي تفلت من إدراك صنّاع القرار في واشنطن، تكمن في فجوة معرفية عميقة؛ أزمة فهمٍ لا تقلُّ خطورة عن أزمة القوة، إن لم تتفوّق عليها.

الوهم الاستراتيجي.. بين "الضربة القاضية" والواقع المعاند

يبدو أنَّ الإدارة الأميركية، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، لا تزال أسيرةَ فهمها الأيديولوجي، الذي يحجب عنها رؤيةَ طبيعةِ الخصم. فبينما يلوح ترامب بـ"الضرب الموجع" الذي سيجعل إيران "تستسلم" و"تتوقف"، ويأمر بشنِّ هجماتٍ جديدةٍ "لإجبار طهران على الاستسلام"، فإنَّ النتائج الميدانية ترسم صورةً مغايرةً تماماً.

لقد تحوّلت الحرب، بعد خمسة أشهرٍ من القتال، إلى "مستنقع استراتيجي"، حيث أقرَّت القيادة العسكرية الأميركية بأنَّ الحملة فقدت فعاليتها، وأنَّ الأهداف الدقيقة ذات الصلة قد استُنفدت. هذا الإقرار يعكس فشلاً في قراءة القدرة على الصمود. فإيران، التي وصف ترامب بأنَّها "لا تملك بحريةً ولا قوةً جويةً"، أثبت الواقع عكس ذلك، فقد أثبت أنها تمتلك فوق ذلك شبكةً من التحالفات، وقدرةً على اللامركزية في القيادة والسيطرة، وخطة احتياطية لكل قائد. إنها حربٌ من نوعٍ جديد، لم تعتد عليها القوة العظمى.

قراءة خاطئة للقوة.. عندما تصبح العقوبات سلاحاً ذا حدين

تُخطئ واشنطن في تقدير مفاعيل أدواتها القسرية. فالعقوبات، التي تُوصف بأنَّها "خنقٌ اقتصادي"، لم تنجح في كسر الإرادة، بل عزَّزت مناعةً وطنيةً تراكمت على مدى عقود. لقد أدركت إيران، منذ زمن، أنَّ الاستسلام للضغوط يعني فقدان الهوية والمكانة، فانتهجت "اقتصاد المقاومة" الذي يقوم على الاكتفاء الذاتي والإنتاج المحلي. هذا النموذج، الذي فشل ترامب في استيعابه، يجعل من إيران دولةً مختلفةً تماماً عن النماذج التي اعتادت واشنطن على إخضاعها.

والأكثر إدهاشاً في قراءة الإدارة الأميركية الخاطئة، هو سعيها لفرض رسوم جمركية على إيران، في وقتٍ لا تكاد تجمع فيه واشنطن أيَّ وارداتٍ من طهران. فالهدف الخفيّ هنا هو "الرسوم الثانوية" على الدول الثالثة التي تتعامل مع إيران، وهي محاولةٌ يائسةٌ لتوسيع رقعة الحرب الاقتصادية، وكأنَّ العزلَ التامَّ لإيران سيكون ممكناً في عالمٍ مترابطٍ ومعقد، حيث تتداخل المصالح وتتشابك.

معركة الجبهات.. حين يتحوّل "الحليف" إلى استراتيجية وجود

أعمق ما يغفل عنه البيت الأبيض هو طبيعة "محور المقاومة" ذاته. فترامب يرى في "الحوثيين أو الحشد الشعبي مجرّد حلفاء لإيران"، ويهدّد بـ"معاقبة طهران على كلِّ صاروخٍ يطلقه هؤلاء". لكنَّ قراءة كهذه اختزاليةٌ وسطحيةٌ، وتتجاهل حقيقةً أساسية: هذا المحور ليس أداةً بيد طهران، بل هو تحالفٌ استراتيجي قائمٌ على مصالحَ مشتركةَ ورؤيةٍ متقاربةٍ للصراع مع المشروع الاستعماري الغربي والصهيوني.

لقد تجلّى هذا الفهم الخاطئ بوضوح في قدرة إيران على نقل المعركة من جبهةٍ إلى أخرى. فبينما تركّز واشنطن على قصف العمق الإيراني، تردُّ طهران بفتح جبهاتٍ جديدة؛ فتهاجم القواعد الأميركية في الأردن والكويت، وتوسّع نشاط حلفائها في البحر الأحمر لاستهداف الملاحة السعودية، وتُدخل العراق كساحةٍ مباشرةٍ للصراع. هذا التوسّع الأفقي للصراع، ومحاولة إدارة "التصعيد الأفقي" مقابل "التصعيد العمودي" الأميركي، هو استراتيجيةٌ لا تفهمها واشنطن، لأنها تنطلق من فرضيةٍ خاطئةٍ: بأنَّ "إيران عميلةٌ يمكن ردعها بضرب أوكارها".

في قلب الأزمة.. "الصبر الاستراتيجي" مقابل "الانفعال التكتيكي"

ربما كان أبرز مظاهر هذا القصور في الفهم هو تعاطي ترامب مع مفاوضات "مذكرة التفاهم" التي وُقّعت في يونيو/حزيران الماضي. إذ أعلن ترامب، في لحظةٍ غضبٍ، أنَّ المذكرة "انتهت" بعد أن أطلقت إيران صواريخ على قاعدة في الأردن أثناء المفاوضات، واصفاً الإيرانيين بأنَّهم "مجانين". لكنَّ إيران، التي توصف بالانفعالية، تمارس في الواقع "صبراً استراتيجياً" محسوباً، وتُدير الوقت كأصلٍ استراتيجي.

إيران لا تريد حرباً شاملةً الآن، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل بالهروب من المواجهة. فهي تستخدم التهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقةٍ ضغطٍ رئيسيةٍ، مدركةً أنَّ قدرتها على تعطيل الملاحة في هذا الممرّ الحيوي، الذي يمرُّ عبره خُمسُ إمدادات النفط والغاز العالمية، هي سلاحٌ استراتيجيٌ لا يقلُّ فاعليةً عن آلاف الصواريخ. إنَّها استراتيجيةُ "التوازن غير المستقر"، حيث تحتفظ طهران بقدرتها على تعطيل المصالح الأميركية، حتّى وهي تتلقّى الضربات، وهو ما يولّد شعوراً بالإحباط والإرهاق في الداخل الأميركي.

إرث الشهادة ضدَّ منطق الربح والخسارة

ثمّة عنصرٌ أعمق، يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية، لا تستطيع واشنطن فكَّ شفرته: البعدُ الحضاري والثقافي. ففلسفة الثورة الإسلامية، بجذورها المستمدّة من ملحمة كربلاء وروح المقاومة، تُشكّل منظومةً قيميةً تختلف جذرياً عن منطق الربح والخسارة الأميركي. إنَّها ثقافةٌ تُعلي من قيمة "الشهادة" وتُقدّس "المقاومة"، وتجعل من "الهزيمة" أمام الظلم أمراً مستحيلاً. هذا الإرث، الذي يستحضر شعار "هيهات منا الذلة" و"كل أرض كربلاء"، يُضفي على الصراع بُعداً وجودياً، لا يُمكن اختزاله في معادلات النفوذ أو أسعار النفط.

ما بين لعبة تهديد وتراجع ترامب... نموذج حي لأزمة الإدراك الأميركية

في مشهدٍ دراميٍّ يعكس بدقّة أزمة الفهم الأميركية، عاد الرئيس دونالد ترامب ليتراجع عن تهديداته بقصف البنية التحتية للطاقة في إيران، متذرّعاً بإحراز "تقدّم" نحو اتّفاقٍ يزعم أنّه يشمل فتح مضيق هرمز وإنهاء الملف النووي. لكنّ هذا التراجع، الذي جاء بعد مشاوراتٍ في "كامب ديفيد" وضعت خططاً لاستهداف مصافي النفط ومحطات الكهرباء التي تزوّد ملايين الإيرانيين بالطاقة، لم يكن سوى حلقةٍ جديدةٍ في مسلسل التخبط الاستراتيجي الذي يفضح حقيقة العجز الأميركي أمام إرادةٍ لا تنكسر.

فبينما زعم ترامب أنّ "إيران ودولاً أخرى" طلبت منه التريّث، وأنّ "معايير الاتفاق قد تم الاتفاق عليها"، جاء النفي الإيراني القاطع ليكشف عن وهمٍ آخر من أوهام كهفه السياسي. فالمصادر الإيرانية، الرسمية والعسكرية، أكّدت أنّ "التقارير عن اتّفاق لفتح المضيق لا أساس لها من الصحة"، وأنّ المضيق سيظلّ مغلقاً طالما استمرّ العدوان، وأنّ "أيّ مسارٍ آخر غير المصرّح به من قبل الحرس الثوري سيكون غير آمنٍ، وستواجه السفن التي تحاول استخدامه حوادث لا محالة". هذا الموقف الحازم، الذي يجسّد استراتيجية "الصبر الاستراتيجي" التي لا تفهمها واشنطن، يُظهر بوضوح أنّ إيران لا تتعامل مع الدبلوماسية كأداةٍ للتراجع، بل كساحةٍ لإدارة الصراع، حيث لا يتمّ تقديم تنازلاتٍ دون مقابل، ولا يتمّ فتح الممرّات الملاحية تحت وطأة التهديد.

لقد أظهر تراجع ترامب، "الذي جاء بعد ضغوطٍ من حلفاء المنطقة - السعودية وقطر والإمارات وتركيا وباكستان" -، طبيعةَ السياسة الأميركية المرتجلة التي تعتمد على "الإرهاب العسكري" كأداةٍ للضغط، ثمّ تبحث عن مخرجٍ دبلوماسيٍّ عندما تصطدم بحقيقة المشهد الإيراني. فما أسماه ترامب "تقدماً" لم يكن سوى محاولةٍ لتغليف الهزيمة الاستراتيجية، بينما تمسّك الإيرانيون بموقفهم، مؤكّدين أنّ "فتح المضيق سيتمّ بالتنسيق مع البحرية الإيرانية وبعد الحصول على تصريح"، وهو ما يعني استمرار السيطرة الإيرانية على شريان النفط العالمي، وتحويل التهديد الأميركي إلى أداةٍ لإثبات الضعف.

أما ادعاء ترامب بأنّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وافق على اقتراحٍ قطريٍّ لإعادة فتح المضيق، فقد قوبل بنفيٍ حازمٍ من طهران، حيث أكّد مصدرٌ مقرّبٌ من فريق التفاوض أنّ "الجمهورية الإسلامية لم تتوصّل إلى أيّ اتّفاقٍ بشأن إعادة فتح مضيق هرمز"، وأنّ ما يُنشر في هذا الشأن "كاذب". هذا التناقض الصارخ بين رواية ترامب والواقع الإيراني يؤكّد أنّ البيت الأبيض لا يزال أسير أوهامه، حيث يُسقط أمنياته على أرض الواقع، ويتعامل مع الدبلوماسية كأداةٍ مؤقّتةٍ إلى جانب الضغط العسكري، دون إدراك أنّ إيران تتعامل معها كمسارٍ ثابتٍ قائمٍ على الثقة المتبادلة، والتي لا يمكن بناؤها تحت نيران القصف وتهديدات "الإرهاب العسكري".

في النهاية؛ إنَّ ما تفشل واشنطن في قراءته في إيران ليس نقاط ضعفها الاقتصادية أو العسكرية، بل مصادر قوّتها غير المادية: إرادة الحياة الحرة، وفلسفة الثورة، وإرث المقاومة، وتحالف المحور، واستراتيجية الصبر. هذه العوامل، التي هي نقاط قوةٍ للأمة جمعاء، تجعل من المواجهة مع إيران حرباً بلا نهايةٍ واضحة، واستنزافاً مستمرّاً للقوة العظمى.

إنَّ إدراك ترامب وإدارته لهذه الحقائق ليس مجرّد ضرورةٍ أكاديمية، بل هو شرطٌ أساسيٌّ لأيِّ حلٍّ ممكن. فطالما ظلَّ البيت الأبيض محبوساً في كهف "الكيانات الصهيونية" ومنطق "الاستكبار"، فإنَّ أزمة الفهم ستظلّ تسبق أزمة القوة، وتُعمّق جراحَ الحرب، وتُبقي المنطقة في دائرةٍ مفرغةٍ من العنف والدمار.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور