تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تنفيذ تهديده الأخير بشن ضربة عسكرية على إيران، رغم أنه وصفها بأنها ستكون "ضربة قاسية" ومن أقوى الضربات منذ الحرب العالمية الثانية هل كان مجرد قرار تكتيكي مؤقت وخديعة بهدف التذخير والاستعداد لجولة اغتيالات واستهدافات جديدة مفاجأة، أم أنه يعكس اصطدام واشنطن بحدود القوة الأميركية عندما تتحول المواجهة إلى حرب إرادات، وجغرافيا، وطاقة، وقدرات، واستنزاف مع الجمهورية الإسلامية؟
الإجابة لا ترتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من الحسابات الاستراتيجية والعسكرية والسياسية والاقتصادية التي جعلت الإدارة الأميركية تعيد حساباتها. ولم تكن المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب سياسة التهديد والتصعيد ضد إيران، بل كرر هذا الأمر خلال الأشهر الماضية أكثر من ست مرات أي التهديد بشن ضربات عسكرية، ثم عاد وتراجع في اللحظات الأخيرة.
هي سياسة ترامب التي باتت مكشوفة في طهران وتقوم على استراتيجية معروفة في إدارة الأزمات: رفع مستوى التهديد، خلق حالة من الخوف والضغط النفسي، إظهار القدرة على استخدام القوة، والمزيد من استخدام القوة، ومن ثم استخدام هذا التصعيد كورقة لإجبار الطرف الآخر على الدخول في مفاوضات وتقديم تنازلات.
لكن المشكلة التي واجهها ترامب أن هذه الاستراتيجية لم تعد تعمل مع إيران. فطهران تتعامل مع تهديدات ترامب ضمن إطار الحرب النفسية وإدارة التصعيد، ولم تعد الطرف الذي ينتظر الضربة ليرد عليها، بل انتقلت إلى موقع المبادرة، وتنفيذ ضربات استباقية، وأظهرت أن أي تصعيد أميركي وليس فقط تنفيذ الاعتداءات ضدها، ستكون له كلفة مباشرة على المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة.
وهذا ما ظهر في الضربات التي نفذها حرس الثورة الإسلامية ضد القواعد الأميركية في الأردن، والتي جاءت بشكل مباغت ودقيق. فوجود أكثر من خمسين ألف من الجنود الأميركيين وعشرات القواعد العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك حرية الحركة المطلقة، لأن هذه الانتشار العسكري نفسه تحوّل إلى نقاط ضعف أميركية يتم استهدافها كلما اندلعت جولة جديدة من المواجهة العسكرية مع إيران.
هنا تظهر إحدى الحقائق الأساسية في الحروب الحديثة: التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على تحقيق الانتصار السياسي. فقد تمتلك دولة فائضاً هائلاً من القوة الجوية والتكنولوجية كالولايات المتحدة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن فرض إرادتها في مواجهة إيران التي تمتلك الإرادة السياسية، والجغرافيا المناسبة، والقدرة على الاستنزاف، والصبر على تحمل الألم. بالإضافة الى القدرات العسكرية التي تؤلم العدو وتجعل خسائره كبيرة.
حدود القوة الأميركية أمام الجغرافيا الإيرانية
تكمن إحدى أهم عناصر القوة الإيرانية في الجغرافيا. فإيران ليست مجرد دولة تمتلك ترسانة عسكرية أو قدرات صاروخية، بل هي موقع جيوسياسي حساس يقع عند تقاطع أهم طرق الطاقة العالمية، وتشرف على الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. بالإضافة الى موقع حلفائها الاستراتيجي في اليمن مضيق باب المندب والبحر الأحمر، والعراق الذي تربطه حدود طويلة مع كل من السعودية والأردن.
هذه الجغرافيا جعلت الحرب ضد إيران مختلفة عن أي مواجهة عسكرية تقليدية ولا يمكن مقارنتها بأوكرانيا. فواشنطن لا تواجه فقط قدرات عسكرية إيرانية، بل تواجه بيئة جغرافية تتحول إلى عامل استنزاف طويل الأمد لأمريكا والغرب وشركائهما في المنطقة (إسرائيل والخليج) على غير صعيد.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحروب لم تعد تُحسم فقط عبر امتلاك الطائرات الأكثر تطوراً أو الصواريخ الأكثر دقة، او التكنولوجيا، بل أصبحت تعتمد على منظومة أوسع تشمل، القدرة على الصمود، الإرادة السياسية، الجغرافيا، الاقتصاد، تحمل الخسائر والألم، إدارة الوقت، والقدرة على رفع كلفة الحرب على الطرف الآخر.
وهذه العناصر هي التي جعلت إيران قادرة على فرض المعادلة القائمة الآن: "أي هجوم أميركي لن يكون بلا ثمن، وأي محاولة لفرض الشروط بالقوة ستفتح الباب أمام مواجهة أوسع لا يمكن التحكم بمساراتها ونهاياتها".
الطاقة ومضيق هرمز
العامل الاقتصادي حاضر بقوة في حسابات ترامب. فالولايات المتحدة، رغم كونها منتجاً كبيراً للطاقة، لكنها تتأثر بأسعار النفط العالمية. وقد شكل ارتفاع أسعار الوقود ضغطاً سياسياً على الإدارة الأميركية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.
إضافة إلى ذلك، فإن الاحتياطي النفطي الأميركي يشكل عاملاً حساساً في الحسابات الاستراتيجية. فالوصول إلى مستويات منخفضة من المخزون النفطي (250-300 مليون برميل في شهر آب) يضع واشنطن أمام مشكلة تتعلق بالأمن الاقتصادي والطاقوي.
ولهذا فإن الهدف الأميركي للضغط على إيران أصبح الآن مرتبط بفتح مضيق هرمز وضمان حرية حركة الطاقة فيه وليس اسقاط النظام او تدمير البرنامج النووي والصاروخي، لكن حتى هذا السيناريو لم يتحقق، لأن إيران رفضت تقديم تنازلات تحت الضغط وتدير سلاحها الاستراتيجي مضيق هرمز بحنكة وذكاء. ما انعكس تراجعاً واضحاً في سقف الأهداف الأميركية، وكشف أن أدوات الضغط القصوى لم تنتج النتائج السياسية التي كانت واشنطن تراهن عليها.
دول الخليج... الخوف من حرب مدّمرة تتجاوز المنطقة
من العوامل التي ساهمت في كبح القرار الأميركي أيضاً التحركات الإقليمية، خصوصاً من دول خليجية مثل السعودية وقطر، إضافة إلى مساعي باكستان لمنع تنفيذ الضربة. فالقلق الخليجي لم يكن نابعاً فقط من التضامن السياسي، بل من إدراك واقعي بأن أي حرب واسعة ضد إيران لن تبقى داخل الحدود الإيرانية وسيدفع الخليجيون ثمنها بشدة.
فإذا استهدفت الولايات المتحدة مصادر الطاقة الإيرانية أو البنية التحتية الحيوية، فإن الرد الإيراني، وفق ما أعلنته طهران، سيطال مصالح الطاقة المرتبطة بحلفاء واشنطن في المنطقة وعلى رأسها السعودية.
في خلفية التصعيد الأميركي، برزت مسألة العودة إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. فالموقف الإيراني يقوم على العودة إلى المذكرة وتنفيذها، وليس الاكتفاء بالموافقة عليها شكلياً. وترى طهران أن تطبيق هذه المذكرة، وفق بنودها، يمثل مكسباً وربحاً خالصا لها، بينما تعتبر واشنطن أن التنفيذ هو خسارة استراتيجية. ولهذا حاول ترامب، الالتفاف على المذكرة بالسعي لفتح مسار بحري من المياه الإقليمية العُمانية، كما رفض نتنياهو المذكرة لا سيما البند الأول فيها المرتبط بوقف الحرب في كافة الجبهات وبخاصة لبنان، علما بأن ترامب كان وقّع على المذكرة بالنيابة عنه وعن شريكه بنيامين نتنياهو.
إسرائيل بعد تراجع الضربة... تآكل الردع والصدمة النفسية
الكيان الإسرائيلي كان من أكثر الأطراف تأثراً بتراجع ترامب عن ضرب إيران. كان في حالة استنفار عسكري واسع، وجرى إعداد الملاجئ ورفع مستوى الجاهزية، على أساس أن الضربة الأميركية ستفتح مرحلة جديدة من المواجهة الشاملة والمدمرة، لكن إلغاء الضربة أدى إلى صدمة سياسية وعسكرية داخل الكيان، لأن التراجع الأميركي كشف حدود القدرة الإسرائيلية على التأثير في القرار الأميركي.
والأخطر بالنسبة لتل أبيب أن استنزاف القدرات العسكرية عبر عمليات الاستنفار المتكررة ثم التراجع عنها يؤدي إلى تآكل جزء من قوة الردع، لأن الردع يعتمد على ثقة الخصم بقدرة الدولة على التنفيذ، وليس فقط بامتلاك السلاح.
إعلاميون وناشطون إسرائيليون وصفوا ترامب بالمهرج، معربين عن قلقهم بأن حال إسرائيل تسوء لأنها تُدار من قبل هذا المهرج وليس قادة الكيان.
هل انتهت الضربة؟ أم أن التصعيد مؤجل؟
رغم تراجع ترامب عن الضربة الأخيرة التي توّعد بها، فإن ذلك لا يعني انتهاء الحرب. فالمنطقة ما تزال تعيش حالة حرب مفتوحة، وقد تعود جولات التصعيد في أي وقت. فحسابات ترامب ترتبط بعوامل داخلية أيضاً، منها الانتخابات الأميركية النصفية في نوفمبر ومشاكل الحزب الجمهوري، بينما يواجه بنيامين نتنياهو وضعاً سياسياً وانتخابياً معقداً في الكيان.
ولهذا فإن الأشهر الثلاثة المقبلة سوف تبقى مرحلة إدارة صراع، وليس مرحلة تسوية نهائية. والجمهورية الإسلامية لم تعد تتعامل مع التهديدات الأميركية باعتبارها حدثاً استثنائياً، بل باعتبارها جزءاً من حرب نفسية مستمرة. وفي الوقت نفسه، لم تعد تكتفي بالرد على الاعتداءات، بل انتقلت إلى المبادرة والضربات الاستباقية، أي ضرب الخصم قبل أن يفرض عليها شروط المواجهة.
جدير ذكره، أن تراجع ترامب لا يعني أن واشنطن فقدت قوتها، أو أن ترامب تراجع نهائيا عن الضربة، بل قد يعود في أي لحظة عن قراره، لكن إيران نجحت في فرض معادلة ردع جعلت أي قرار بالتصعيد والحرب الشاملة قراراً عالي الكلفة وغير مضمون النتائج.
-إعلامي وباحث سياسي.
- استاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية.
-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.
- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني.