عند صباح عيد الجيش الوطني، طالعنا رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي، ببيان من صياغة مستشاريه، بمغالطات عديدة تتماهى مع ممارسات هذا العهد المشؤوم، حيث يفتقر معها إلى الحكمة في صيانة مؤسسة الجيش وهيبته، وإذا ما رصدنا الخطاب والمهمة والعلاقات والسلوك، سألنا بألم وطني نازف "بأي حال عدت على الجيش الوطني يا عيد؟"
كان معهودًا لسنوات من الاستاتيك السياسي، الذي أرساه الطائف عام 1989، أن الجيش اللبناني هو الضامن الأبرز لوحدة لبنان، دون أن ننسى أن وحدته استعيدت بموجب تلك التسوية الخارجيّة وحين تلاقت الإرادات على إيقاف الحرب الأهليّة بعد انقسام الاجتماع اللبناني السياسي وانعكاسه على المؤسسة العسكرية بانقسامها.
وقد كان للعماد "إميل لحود" أيضًا، من موقعه كضابط وقائد للجيش، إسهامه في توحيد الجيش وصيانة وحدته، وإنقاذه من وحول الفتنة، وتأدية أدواره الوطنيّة في إطار تكاملي يحمي لبنان وسيادته وكرامته رغم الاحتلال الإسرائيلي لشريط حدودي كان قد تولاه بعض المنسلخين عن الجيش الوطني عمليا، مضافًا إلى العملاء الخونة. ثم عندما تسلم "لحود" رئاسة الجمهورية، وكان على رأس الحكومة اللبنانية الرجل العصامي "سليم الحص"، ترسّخت المعادلة الشرعيّة الوطنيّة، بثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة"، وكانت مفتاحًا جوهريًّا للتحرير ولاحقا للدفاع عن لبنان، وتشييد معادلات الرعب فالردع للعدو.
ولذلك، إن استحضار هذا السياق بشكل دقيق، يسهم في إضفاء وعي غير مبتور، ويحول دون توظيف المفردات بمغالطاتها في أحداث اليوم بما يأنس له العدو.
أما المغالطة الثانية، بجعله "الحقيقة الدستورية والوطنية الثابتة"، بأن "لا شرعية لأي سلاح خارج شرعية الدولة، ولا حماية لهذا الوطن إلا بجيشه الوطني الجامع"، فهذا ما تدحضه مقدمة الدستور بحفظها حق المقاومة المشروع، بل تكذبه الوقائع الحيّة، حيث أنجز الوطنيون إبطالًا لاتفاقيّة الذل (17 أيار 1983) في انتفاضة 6 شباط عام 1984، وتحريرًا لبيروت والجبل وشرق صيدا عام 1985، وأنجزت المقاومة العسكريّة تحرير عام 2000، ومواجهة 2006 وما تلاها من تحرير الأسرى، وتحرير الجرود عام 2017، وتحرير جزء هام من الثروة المائية والنفطية عام 2022، والصمود الإعجازي الكبير عام 2024 والذي يستمر إلى يومنا.
وليس صحيحًا بأنه "وحده من يملك القرار والقوة والشرعية ليكون الذراع العسكرية الحصرية للدولة"، فقد وضعت المقاومة بين يديه أسلحتها لتكون في خدمة الدفاع عن الوطن، فتم تدميرها بإملاء أمريكي وإسرائيلي، فأين الحصرية؟! بينما لم يقم بأي خطوة تجاه العدو، وكل ذلك لأن السلطة أو التسلط الحالي أفقد الجيش دوره الرئيسي في حماية البلاد وفي التكامل النافع مع الشعب لتأدية جوهر وظائفه.
أما قوله، "وهذا ما نعمل عليه بثبات وإصرار، خطوة خطوة"، فهو صحيح ولا غبار عليه، وهنا مكمن الخطر، لماذا؟!
لأن ذلك ليس حرصاً على سلامة العيش المشترك واستقرار البلاد!
حيث يعلم كل ساسة اليوم أن العيش المشترك مهدد ولا استقرار في البلاد على الإطلاق، إلا من جافى الواقع لإرضاء نرجسي يشترك فيه أصدقاء منظومة الإبيستينيّة السياسيّة. فالفتنة
وقعت مرارًا، عند اتخاذ قرار 5 و7 آب 2025، وعند اتخاذ الإجراءات والقرارات بحق الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وسفيرها وطيرانها والتأشيرات والإجراءات، وعند السلوك المشبوه والملموس مع الأمريكي وتصريحاتهم، وعند تنفيذ 1701 من جانب واحد، وعند القرار العدواني في 2 آذار 2026، وفي المبادرة إلى المفاوضات المباشرة مع العدو في 8 آذار 2026، وفي إسقاط مفردة العدو من البيانات الرسميّة، وفي الاتفاق الإطاري الذي يفوق ذلًّا اتفاقية 17 أيار، وفي إعلان الصداقة وتنفيذ الزيارة للقاتل الأكبر "دونالد ترامب" والاستعداد للذهاب إلى الأقصى مع مجرم الحرب "بنيامين نتنياهو"، وفي القفز فوق المؤسسات والاستعلاء على مكون مجتمعي بكامله والتعامل بنفس طائفي مقيت ونزعة حكم رئاسي متوهم.
للأسف، الفتنة وقعت، ولعن اللّه من أيقظها ومن مرّرها كالنعاس حتى شدّت وِثاقها، فما عادت تجري معها حكمة "كن فيها كابن اللبون، لا تُركَب ولاتُحلَب"، ومع انحسار ترف الوقت والرجال، وضريبة الهدنة في تيسير العدوان بالخديعة، ورداءة بعض التفاوض، وإقحام فخ المدن منزوعة السلاح، تتوسّع ديناميات الفتنة ويلاقيها تنوّع سيناريوهات وإستراتيجيات إجهاضها وسد نوافذها.
لقد سُلب عن الجيش لياقته في كتابة أروع صفحات التضحية والصمود"، يسأل المواطنون اللبنانيون ولا سيما في جنوب لبنان، متى وأين وكيف؟!
وهل يُستجدى الانسحاب الإسرائيلي من الأرض اللبنانية بإستراتيجيّة البكاء أمام الأعداء والطامعين؟!
بعد هذه المغالطات الفجّة، ثمة مقولة صادقة "إن التفاف اللبنانيين حوله _الجيش_ ليس ترفاً بل ضرورة وجودية. فالجيش القوي لا يُبنى بالعتاد وحده، بل بثقة شعبه وإسناده المعنوي والمادي"
وهذا صحيح، وهنا السؤال لذي البيان، فما رأيك، أن تستعيد هيبة جيش تتلاشى بفضل توجيهاتك، وأن تكافح انحداره الهائل في الدور، حيث بدلًا من الحماية والدفاع أصبحت مهمته الانسحاب وإعادة الانتشار، وبدلًا من المساهمة في تنظيم الأمن الداخلي جعلته مستخدمًا يعمل تحت الإشراف الأمريكي والتحقق الإسرائيلي، ما يضيف عليه عبئًا يلائم أولويات جدول أعمال العدو ومزاجيّته، وهذه التجربة في فرون وزوطر الشرقية وصريفا شاهدة.
لذلك، أيها الرئيس، لا تجعل الجيش الوطني في وضعية التشكيك به، ولا تساهم عبر سياسة الخطوة خطوة عزله عن حاضنته الشعبية، فذلك يضعف الدولة كلها، ويهدّد ما تبقى من مقومات الاستقرار، كما قلت.
وثمّة سؤال مسكوت عنه عند قولك "الدولة ستواصل العمل لتحسين أوضاع العسكريين وتأمين الدعم لهم ولعائلاتهم"، من تركه وأسرته للعوز والحرمان؟!
ماذا عن دور الولايات المتحدة الأمريكيّة وراء كواليس الأزمة الاقتصادية في الحصار والعقوبات والقبضة على توازنات الداخل اللبناني والمصرف المركزي وتعميق التناقضات المجتمعية وفرض القيود على مسالك انفراج الأزمة سواء على مستوى تسلطها على خيارات الدولة أو استحكامها على المؤسسة العسكرية نفسها في أهم مفاصلها وقواعدها وسياساتها وإمكانيّاتها؟
ماذا عن بعض الأحداث الأمنيّة وكواليسها، ولا سيّما انفجار أو تفجير مرفأ بيروت، وإسهام تلك التوترات والوقائع بتعميق الأزمة الاقتصادية وارتداداتها على المؤسسة العسكريّة؟
إن كرامة الجيش والوطن تأبى أن تتعايش مع ارتكاب خيانة عظمى، ولا يسترها ترتيبات احتفالية برداء طائفي يدلّس على المواطنين بشعارات مخادعة فيما التفجيرات تحت اتفاق الإطار تقضي على قرى بأكملها.
إن السم الأمريكي قد دس للجيش، والفتنة تم إيقاظها، والحرب مستمرة، والآتي أعظم وأدهى.
إن موائد اللئام تتربص بالجيش الدوائر، حمى الله لبنان وجيشه، وبثلاثية الأمان والاستقرار"الجيش والشعب والمقاومة"، وحدها، يحيا الوطن، ويبزغ العيد والأمل.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.