أخطر ما في المشهد السوري اليوم ليس ما يُقال عن احتمال دخول لبنان، بل ما يسبق ذلك: تهيئة البيئة السياسية والأمنية التي تجعل الدخول، عندما يحدث، يبدو وكأنه قرار سوري طبيعي تفرضه الضرورة. وبين إعادة تشكيل الجيش، وإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية، وتصاعد الحديث عن تهديدات قادمة من لبنان، تتجمع عناصر مشهد يتجاوز الخلافات الداخلية على السلطة إلى سؤال أكبر بكثير: هل يجري بناء دولة سورية قادرة على اتخاذ قرارها، أم يجري بناء سلطة قادرة على تنفيذ أدوار إقليمية محددة؟
المعطيات المتداولة خلال الفترة الأخيرة تستحق القراءة مجتمعة، لا منفردة. فتصاعد الاتهامات المتعلقة بنشاط حزب الله داخل سوريا، وتهريب السلاح والأموال، ووجود خلايا أو شبكات مرتبطة به، يتزامن مع خطاب سياسي أميركي يضع الحزب في موقع «العدو» للحكومة السورية و«التهديد» لها.
قد تكون بعض هذه "الاتهامات صحيحة"، وقد تكون بعض الروايات المتداولة مبالغاً فيها، لكن المسألة الاستراتيجية لا تتوقف عند إثبات كل تفصيل. ففي السياسة، التهديد لا يؤدي وظيفته فقط عندما يكون حقيقياً، بل عندما يصبح قابلاً للاستخدام السياسي.
ومن هنا تبدأ خطورة السيناريو.
فعندما يجري بناء سردية أمنية متكاملة حول خطر لبناني، يصبح الانتقال من الاتهام إلى الإجراء أمراً سهلاً: حماية الحدود، ملاحقة شبكات مسلحة، منع تهريب السلاح، أو تنفيذ عملية محدودة داخل الأراضي اللبنانية. وكل عنوان من هذه العناوين يمكن أن يقدم للرأي العام باعتباره إجراءً دفاعياً لا قراراً بحرب جديدة.
لكن أي دخول سوري إلى لبنان لن يكون حدثاً سورياً خالصاً.
لبنان يقع في قلب شبكة إقليمية شديدة التعقيد؛ حزب الله وإيران من جهة، إسرائيل من جهة أخرى، والولايات المتحدة وقوى عربية وإقليمية من جهة ثالثة. ولذلك فإن تحركاً سورياً محدوداً قد يتحول سريعاً إلى اشتباك أكبر من القدرة السورية على التحكم بمساره. قد تعرف دمشق نقطة الدخول، لكنها لن تضمن بالضرورة نقطة النهاية.
وهنا تحديداً يصبح الحديث عن إعادة تشكيل الجيش السوري أكثر أهمية من أخبار التعيينات والعزل.
إذا صحت المعطيات المتعلقة بنقل تشكيلات عسكرية، ودمج ألوية، وتغيير مناطق الانتشار، وإبعاد بعض القوى عن مواقعها التقليدية، فإن السؤال ليس: من ربح المعركة داخل المؤسسة العسكرية؟ وإنما: ما نوع الجيش الذي يجري بناؤه؟
إعادة بناء جيش وطني بعد سنوات من الحرب أمر مفهوم بل ضروري. لكن إعادة الهيكلة تصبح مسألة استراتيجية مختلفة عندما تحدث في الوقت نفسه الذي تُفتح فيه احتمالات مواجهة على الحدود اللبنانية والعراقية، وتبقى مناطق أخرى عرضة لخلايا مسلحة وتهديدات أمنية.
فالجيش ليس مجرد أرقام وكتائب يمكن نقلها على الخريطة. إنه شبكة من الخبرة، والانتشار، والعلاقات الميدانية، والقدرة على الاستجابة السريعة. وإذا جرى تفكيك هذه الشبكة أو إعادة تركيبها بطريقة تجعل مركز الثقل العسكري والأمني تابعاً لمركز سياسي واحد، فقد نكون أمام شيء مختلف عن بناء مؤسسة وطنية: نكون أمام إعادة تعريف وظيفة الجيش نفسه.
وهذه هي الحلقة التي تربط الداخل السوري بالسيناريو اللبناني.
فالسلطة التي تريد الدخول في مواجهة خارج حدودها تحتاج إلى جيش تحت السيطرة الكاملة، وإلى أجهزة أمنية متماسكة خلف القرار، وإلى إضعاف مراكز القوة التي يمكن أن تعترض أو تناور. ومن هذه الزاوية، فإن إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية ليست قضية داخلية منفصلة عن التطورات الإقليمية؛ بل قد تكون جزءاً من البيئة اللازمة لأي قرار خارجي كبير.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الجيش.
المعلومات المتداولة عن الصراعات داخل الأجهزة الأمنية السورية، وتعدد مراكز النفوذ، وتضارب الصلاحيات، ووجود قنوات اتصال مختلفة مع أطراف خارجية، يجب التعامل معها بحذر ما لم تُدعَم بأدلة مستقلة. ومع ذلك، فإن انتشار هذه الروايات بهذا الحجم يكشف على الأقل عن مشكلة سياسية لا يمكن تجاهلها: من يملك القرار الأمني النهائي في سوريا؟
وهذا السؤال أهم بكثير من أسماء الأشخاص الذين يتقدمون أو يتراجعون.
فالدولة لا تفقد سيادتها فقط عندما يدخل جيش أجنبي أراضيها. قد تبدأ خسارة السيادة عندما يصبح المال والسلاح والمعلومات والغطاء السياسي موزعاً بين قوى خارجية، بينما يحتكر مركز داخلي واحد القرار ويقدمه باعتباره قرار الدولة.
عندها تصبح المؤسسات أدوات للصراع بدلاً من أن تكون مؤسسات دولة.
والأخطر أن هذا النوع من الأنظمة يمكن أن يبدو شديد القوة في الداخل، بينما يكون شديد الهشاشة أمام الخارج؛ لأنه يعتمد على شبكة من التوازنات التي لا يملك وحده مفاتيحها.
أما إسرائيل، فإنها تتحرك وفق منطق مختلف لكنه يكمل المشهد: توسيع مفهوم الأمن الإسرائيلي إلى داخل الأراضي المجاورة، وتثبيت مناطق نفوذ أو أحزمة أمنية كلما سنحت الظروف. وكلما ازداد التفكك في سوريا ولبنان، ازدادت قدرة إسرائيل على تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق ميدانية طويلة الأمد.
وهنا تظهر المفارقة الخطيرة.
قد تدخل سوريا لبنان بذريعة حماية أمنها، بينما تكون النتيجة الفعلية مزيداً من استنزاف الدولة السورية، وفتح جبهة جديدة، ومنح إسرائيل مساحة إضافية لإعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بها.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيدخل الجيش السوري لبنان؟
السؤال الحقيقي هو: هل سيكون الدخول قراراً سورياً مستقلاً، أم نتيجة لمسار صُنعت مقدماته في عواصم أخرى؟
وإذا كان القرار سورياً، فمن حق السوريين أن يعرفوا أهدافه وحدوده وآلية اتخاذه.
أما إذا كانت الدولة تُدفع إلى الحرب تحت ضغط المال والسلاح والغطاء الخارجي، فإن المسألة تصبح أخطر بكثير من عملية عسكرية محدودة. إنها تصبح اختباراً حقيقياً للسيادة.
فالدولة القوية ليست التي تستطيع إرسال قواتها عبر الحدود فقط، وإنما التي تستطيع أن تقول لا عندما لا تتفق الحرب مع مصالحها، وأن تقول نعم عندما يكون القرار نابعاً من إرادتها وحدها.
وهنا تحديداً يجب أن يتوقف النقاش عند جوهر الأزمة السورية: ليس من سيصبح قائداً، ولا من سيُقال، ولا أي جناح سينتصر داخل السلطة.
المسألة هي من يملك قرار سوريا.
لأن أخطر لحظة على أي دولة ليست عندما تبدأ الحرب، بل عندما يصبح قرار الحرب يبدو وطنياً، بينما تكون مقدماته وأهدافه وحدوده قد صيغت في مكان آخر.
وفي هذه الحالة، لا تعود القضية: من يدخل لبنان؟
بل تصبح:
من يقرر أن تدخل سوريا، ولأي مصلحة، ومن يملك قرار إخراجها؟
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
الكاتب: خليل القاضي