الأربعاء 29 تموز , 2026 02:48

كواليس لقاء واشنطن: مطالب نتنياهو أمام ترامب… هل تحققت؟

لقاء ترامب-نتنياهو

أراد بنيامين نتنياهو من زيارته الثامنة لواشنطن منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض شيئًا واحدًا يفوق في أهميته كل الملفات المدرجة على الطاولة: العودة إلى قلب دائرة القرار في العدوان على إيران، تلك الدائرة التي وجد نفسه مبعدًا عنها تدريجيًا منذ أن قرر ترامب تعليق الضربات الجوية الأمريكية وفتح الباب أمام مسار تفاوضي مع طهران. لكن ما جرى في المكتب البيضاوي، أمس الثلاثاء، جاء بعيدًا كل البعد عن الصورة التي حاول نتنياهو تسويقها لجمهوره قبل إقلاع طائرته.
اللقاء، الذي جمع الرجلين للمرة الأولى منذ اندلاع العدوان المشترك على إيران في فبراير الماضي، اتسم ببرود لافت لم يعتده نتنياهو في زياراته السابقة إلى واشنطن. فعلى غير العادة، لم يحظَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بلقاء ثنائي منفرد يحمل طابعًا سريًا أو استراتيجيًا خاصًا، بل اكتفى ترامب بجلسة موسعة استمرت نحو ساعة ونصف، ولم تصدر عنها أي مؤتمرات صحفية أو تسجيلات مصورة، في مؤشر إلى أن الرئيس الأمريكي لم يكن راغبًا في منح الزيارة الزخم الإعلامي الذي كان يسعى إليه نتنياهو.
الأكثر دلالة أن ترامب بادر، قبل ساعات من اللقاء، إلى ما يشبه "حرق" الورقة التي كان نتنياهو ينوي استخدامها كمحور رئيسي لزيارته: المعلومات الاستخباراتية عن منشأة "جبل الفأس" قرب نطنز. فحين سُئل في مقابلة مع "فوكس نيوز" عن تقارير تتحدث عن نية نتنياهو إطلاعه على معطيات جديدة حول تكثيف إيران أنشطتها في الموقع، رد ترامب بلهجة فيها استخفاف واضح، قائلًا إن نتنياهو يبلغه بهذه المعلومات لأنه يريد إبقاءه منخرطًا في الملف، وإنه ليس بحاجة أصلًا لأن يسمعها منه. وذهب أبعد من ذلك حين أكد أنه يعرف تمامًا ما يجري داخل "جبل الفأس"، ووصف الموقع بأنه "ليس مشكلة كبيرة". هذا الموقف العلني، الذي سبق اللقاء بساعات قليلة، فرغ الورقة التي راهن عليها نتنياهو من مضمونها قبل أن يستخدمها أصلًا، وهو ما وصفته تقارير إعلامية عبرية بأنه أثار انزعاجًا واضحًا لدى المقربين من رئيس الوزراء، الذين وجدوا أن الرسالة الأمريكية جاءت لتقول إن واشنطن لم تعد بحاجة إلى معلومات إسرائيلية  في متابعتها للملف الإيراني.
لم يكن هذا الفصل الوحيد الذي حاول نتنياهو خوضه ولم يحصد منه ما أراد. فقد سعى أيضًا، وفق ما تناقلته أوساط إسرائيلية، إلى انتزاع ضمانات من ترامب بدعمه شخصيًا في الاستحقاق الانتخابي المقبل، أو على الأقل تصريح علني يظهره كحليف مفضل للإدارة الأمريكية. غير أن ترامب لم يقدّم شيئًا من هذا القبيل، وهو ما يحمل دلالة مضاعفة إذا ما أُخذ بالحسبان أن أحد أهم أهداف نتنياهو من الزيارة لم يكن إيران وحدها، بل مستقبله السياسي الشخصي، في ظل مخاوفه المتصاعدة من أن تميل واشنطن، ولو بشكل غير مباشر، نحو التقارب مع منافسين محتملين له، على غرار غادي آيزنكوت.
حتى البيان الرسمي الذي صدر عن البيت الأبيض بعد اللقاء حمل إشارة لم تخفَ على المراقبين: فقد اكتفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بوصف الاجتماعين اللذين عقدهما ترامب مع نتنياهو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنهما كانا إيجابيين ومثمرين، من دون تفاصيل إضافية، وفي صيغة واحدة جمعت اللقاءين معًا بدل إفراد نتنياهو ببيان خاص يليق، من وجهة نظر إسرائيلية، بحليف استراتيجي أول. هذا التسطيح البروتوكولي لم يمر مرور الكرام في الإعلام العبري، الذي رصدت تحليلاته حالة من التشاؤم لدى نتنياهو وفريقه، وسط تقديرات بأن رئيس الوزراء يُستقبل بحذر ومسافة يختلفان جذريًا عن الاستقبال الذي كان يحظى به قبل أشهر، حين كان شريكًا كاملًا في قرار الحرب.
وفي محاولة لتغطية هذا التباعد، صرّح نتنياهو عقب اللقاء بأنه يتوافق كليًا مع ترامب على منع إيران من امتلاك سلاح نووي "باتفاق أو من دونه"، في محاولة لإظهار انسجام تام مع الخط الأمريكي الذي يفضّل حاليًا مسارًا تفاوضيًا. لكن هذا التصريح يصطدم بواقع مسار إسرائيل ذاته، فتل أبيب لم تدعم يومًا أي تسوية دبلوماسية مع طهران، بل عارضت مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وإيران في يونيو الماضي، وواصلت الدفع نحو خيار عسكري يفضي إلى تغيير النظام لا إلى اتفاق. تصريح نتنياهو، إذن، أقرب إلى محاولة لغسل الخلاف العلني وإظهار توافق شكلي مع رئيس لم يعد يمنحه هامش المبادرة الذي اعتاده.
وثمة بُعد إضافي لا يقل أهمية عن الملف النووي نفسه، وهو البُعد الانتخابي الذي يحكم حسابات الرجلين معًا وإن من زاويتين مختلفتين. فترامب، الذي تلقّى نصيبه من الانتقادات الداخلية بسبب حرب طالت خمسة أشهر من دون أن تُحقق نتائج حاسمة، ووُجّه له لوم متكرر لكون أهدافها بدت في جزء كبير منها أهدافًا إسرائيلية أكثر منها أمريكية، بما يتناقض مع شعار "أمريكا أولاً" الذي بُني عليه خطابه الانتخابي، يحاول اليوم إعادة تعريف هذه الحرب في الذهنية الأمريكية العامة قبيل الانتخابات النصفية. فتصويرها كمعركة تخوضها واشنطن لحماية مصالحها هي، لا نيابة عن إسرائيل، هو بمثابة محاولة لتحويل عبء سياسي كان يُستخدم ضده إلى ورقة يمكن توظيفها لصالحه، عبر إظهار حزم رئاسي في مواجهة تهديد نووي إيراني يخص الأمن القومي الأمريكي مباشرة. وهذا ما يفسر جزءًا من إصراره على أن يبدو هو صاحب القرار الأول والأخير في الملف، لا نتنياهو. وفي المقابل، يدرك نتنياهو هذه المعادلة جيدًا، ويحاول بدوره الاستثمار فيها بما يخدم بقاءه هو شخصيًا في دائرة الضوء، فأي تصعيد جديد، حتى لو قاده ترامب بمعزل عن الرغبة الإسرائيلية الكاملة، يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه أمام ناخبيه كقائد حرب لا يمكن الاستغناء عنه في لحظة إقليمية حساسة، وهو ما يجعله حريصًا على البقاء قريبًا من مسرح الأحداث ومرتبطًا باسمه، حتى وإن لم يعد صاحب القرار فيه.
خلاصة المشهد أن هذه الزيارة، خلافًا لزيارات سابقة كانت تُحدث أثرًا مباشرًا في مسار التصعيد أو التهدئة، لم تغيّر شيئًا جوهريًا في المعادلة القائمة. فترامب يمضي في اتجاه تصوير هذه الحرب باعتبارها معركة أمريكية بالدرجة الأولى، تُدار وفق حسابات واشنطن وتوقيتها، لا وفق الرؤية الإسرائيلية أو إيقاعها. وما فعله نتنياهو عمليًا لم يتجاوز محاولة يائسة لاستعادة موطئ قدم في دائرة قرار أُبعد عنها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن التصعيد لن يعود، فإيران تبقى ملفًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، وواشنطن نفسها لم تستبعد خيار العودة إلى الضربات إذا فشلت الدبلوماسية. لكن المسألة هنا مختلفة جوهريًا: فما تغيّر ليس احتمال التصعيد بحد ذاته، بل من يملك القرار بشأنه وكيف يُدار توقيته وأدواته. فإسرائيل لم تعد شريكًا في صياغة هذا القرار أو في تحديد لحظته كما كانت في الجولات السابقة، بل باتت أقرب إلى موقع الحليف المنفّذ الذي ينتظر الإشارة، أي أشبه بموقع الدول الخليجية الحليفة لواشنطن التي اعتادت أن تصطف خلف القرار الأمريكي لا أن تصنعه. وبهذا المعنى، تجد إسرائيل نفسها اليوم، شأنها شأن سائر أطراف الصراع في المنطقة، في موقع المترقب لا صانع القرار، بانتظار أن يحدد الرئيس الأمريكي متى وكيف تُطوى هذه المواجهة، أو تُستأنف من جديد، على أن يبقى الفارق أن العودة إلى التصعيد إن حصلت ستحمل، هذه المرة، توقيعًا أمريكيًا لا توقيعًا إسرائيليًا مشتركًا معه كما كان الحال في السابق.

 
 

 

 


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور